نهايه الخدمه ج٢ منى السيد
سلمى زاحت إيد حازم عنها بمنتهى القرف والاشمئزاز كأنها بتنفض حشرة من على هدومها: — وفروا مسرحياتكم دي لقفص المحكمة لو ممضيتش.. أنا لا بيلوي دراعي تمثيل أمك، ولا دموع التماسيح بتاعتك. إنتوا الاتنين أرخص بكتير من إني أضيع دقيقة تانية من عمري أسمعكم فيها.
عماد المحامي خبط على الترابيزة بالقلم خبطتين: — ها يا حازم؟ تلت دقايق بالظبط، يا تمضي على ورقة التنازل عن كل شيء وتستلم شنطك وتنزل على القسم بالمعروف تطلق وتنهي الحكاية، يا إما الباشا الأمين هيلبسك الكلبش دلوقتي، وبدل ما تنزل على رجلك، هتنزل في البوكس بتهمة التبديد والضرب العمد، والقضية دي جناية ومفيهاش كفالة وهتقضي الليلة دي في حجز قسم الدقي مع عتاة المجرمين، وأمك الصبح هيتعملها ضبط وإحضار بتهمة إخفاء أموال منهوبة والاشتراك في جناية تبديد.
حازم بص لأمين الشرطة اللي كان مطلع الكلبش الحديد من جيبه وبيهزه في إيده بصوت رنين يرعب، وبص للمحامي وللورق، وبص لسلمى اللي كانت باصة الناحية التانية كأنه مش موجود أصلاً في الدنيا.
إيديه كانت بترتعش زي ورقة شجر في مهب الريح.
مسك القلم، وكل حرف كان بيكتبه في ورقة التنازل والتسليم كان بيقطع من روحه ومن كبريائه المزور. مضى على الورقة الأولى، والتانية، والتالتة، وسلم مفاتيح الشقة ومفاتيح العربية لعماد المحامي بإيد مهزوزة ومكسورة.
— خلصنا — عماد قالها وهو بيلم الورق وبيحطه في الشنطة السامسونايت بكل ترتيب وهدوء — اتفضلوا بقى لموا هدومكم اللي رمتها المدام في الشنط دي، ومعاكم بالظبط خمس دقايق تكونوا برا باب العمارة كله.
سميحة قامت زي الستات العواجيز المكسورين، ضهرها محني وعينيها زائغة في الأرض، مبقتش قادرة حتى تبص في وش سلمى. جرت على الشنطة الكبيرة وبقت تحط فيها هدومها المرمية بهستيريا وخوف، وحازم كان بيلم قمصانه وبدله اللي سلمى نفسها هي اللي كانت مشترياهاله، ودموعه نازلة بصمت حارق على وشه.
لما خلصوا وقفلوا الشنطتين، حازم وقف عند باب الشقة، وبص لسلمى لآخر مرة بنظرة كسر وذل عمره ما هينساها طول ما هو عايش. كان نفسه يسمع منها كلمة عتاب، كلمة تقول إنه ممكن يتصلح، بس سلمى كانت مدياله ضهرها، واقفة تبص من بلكونة الصالة على شوارع القاهرة المنورة تحتها، حاسة بنسمة هوا نضيفة أخيراً دخلت صدرها بعد شهر كامل من الخنقة والقهر.