مرات أخويا الكبير انتقدت أمي قدامنا كلنا عشان اشترت أكل غالي. أبويا حط المعلقة من إيده بهدوء، وقال جملة واحدة بس من بكرة هنقسم البيوت... وكل واحد فيكم يشوف له مكان يعيش فيه. في اللحظة دي، محدش على السفرة قدر يمد إيده ناحية الأكل تاني. والابتسامة اللي كانت على وش مرات أخويا اختفت في ثانية. الليلة دي، الهوا بره كان شديد جدًا. صوت الشبابيك كان بيتهز مع كل هبة هوا، والهدوم المنشورة في البلكونة كانت بتخبط في بعضها بعنف. كنا كلنا قاعدين حوالين الترابيزة الصغيرة القابلة للطي في الصالة بنتعشى. الترابيزة دي أبويا كان اشتراها مستعملة من سوق الأثاث القديم، في نفس السنة اللي طلع فيها على المعاش. كان فيها شرخ طويل في النص، ورِجل من رجليها أقصر شوية من الباقيين، وعشان كده كل مرة كنا بناكل عليها، أمي كانت بتحط تحتها حتة كرتونة مطوية عشان متتهزش. كنا عيلة كبيرة عايشة في بيت واحد. أبويا وأمي، وأخويا الكبير محمود ومراته منى، وأخويا التاني أحمد ومراته هبة، وأنا... اسمي سارة. أمي، الحاجة فاطمة، كانت ماسكة مصروف البيت كله. مش لأنها أغنى واحدة فينا. بالعكس. لكن لأنها طول عمرها أكتر واحدة بتعرف تدبّر القرش. الليلة دي، كانت عاملة ضلوع بالصلصة، وبروكلي بالثوم، وشوربة طماطم بالبيض، وفي نص السفرة طبق جمبري. منى، مرات أخويا الكبير، حطت المعلقة من إيدها، وبصت للأكل اللي على السفرة من فوق لتحت. وبعدين عينيها وقفت عند طبق الجمبري. الجمبري ده إنتِ اللي اشتريتيه يا طنط؟ أمي كانت بتمد إيدها تحط لي أكل في طبقي. إيدها وقفت في نص الطريق. وقالت ببساطة أيوه يا بنتي، لقيته طازة في السوق، قلت أجيب كيلو ناكله كلنا. منى مدت إيدها، مسكت واحدة جمبري بطرف صوابعها، وقعدت تقلبها قدامها كأنها بتفحص حاجة غالية جدًا. وبعدين قالت الكيلو ده يعمل له كام؟ مش أقل من خمسمية ولا ستمية جنيه دلوقتي! أمي سكتت. لكن منى كملت إيه يا طنط التبذير ده؟ مش قادرة تلمي إيدك شوية في المصاريف؟ إنتِ ماسكة مصروف البيت لينا كلنا، يعني حرام تبعزقي الفلوس كده! السفرة كلها سكتت. أخويا أحمد كان ماسك طبق الأكل قدامه ومقالش كلمة. أما محمود، جوز منى، فكح كحة خفيفة، وخبط المعلقة مرتين في طرف الطبق. لكنه هو كمان مقالش حاجة. أنا بصيت لإيد أمي. كانت بتسحبها ببطء من فوق طبقي. إيديها كانت مليانة شقوق. جلدها ناشف من كتر الميه والمنظفات، ومفاصل صوابعها بارزة ومتغيرة من شغل عشرات السنين. الإيدين دول لوحدهم كانوا كفاية يحكوا عمر كامل. غسيل. وطبخ. وتنضيف. وتربية تلات عيال. وخدمة أبوها وأمها وهما كبار. وبعدين خدمة أبويا. وبعدين لما ولادها اتجوزوا، فضلت تخدم ولادها ومراتاتهم وأحفادها كأن عمرها مخلصش. قلت وأنا بحط طبقي قدامي يا منى، فيها إيه لما ماما تشتري كيلو جمبري؟ دي طول عمرها بتوفر في كل حاجة، وحتى لما بتجيب حاجة حلوة مش بتاكل منها، بتسيبها لينا إحنا. منى ابتسمت ابتسامة باردة. الله! أخت جوزي بدأت تدافع عن مامتها؟ بصيت لها من غير ما أرد. فقالت أنا قلت إيه يعني؟ أنا بس بنبهها، ما قلتش لها متشتريش. وبعدين عدلت قعدتها وكملت معاش عمي أصلًا يادوب كام ألف جنيه، ومحمود شغال في المصنع ومرتبه على قده. لو كل يوم هنصرف بالشكل ده، آخر الشهر هناكل منين؟ ومدت إيدها، خدت حتة لحمة، وحطتها في طبق محمود. مش كده يا محمود؟ محمود تمتم آه... يعني الواحد لازم يحسبها برضه. أنا بصيت له ومصدقتش. اللحمة اللي مراته بتحطها في طبقه دي، أمي كانت نازلة مخصوص الصبح بدري عشان تجيبها. وكان الجزار عنده شوية قطع متبقية من اليوم، فباعها لها أرخص. عشان كده بس اشترتها. أما طبق أمي نفسها... كان فيه رز وخضار. ولا حتة لحمة واحدة. ولا حتى مدت إيدها على الجمبري. أبويا، الحاج جلال، كان قاعد في آخر الترابيزة وضهره للحائط. بياكل على مهله جدًا. ياخد لقمة صغيرة، ويفضل يمضغ فيها فترة طويلة. ولا كلمة. ولا حتى تعبير واحد على وشه. ومن وأنا صغيرة، كنت عارفة حاجة عن أبويا محدش يعرفها زيي. لما الحاج جلال يزعق، الموضوع بيعدي. لكن لما يسكت بالشكل ده... يبقى فيه مصيبة جاية. منى مكنتش تعرف ده. افتكرت إن سكوت أبويا معناه إنه موافق عليها. فاتشجعت أكتر وقالت أصل عندنا في بيت أهلي، الكبير لما بيصرف فلوس لازم الأول يقول لولاده ومراتاتهم. وبصت لأمي مباشرة. يا طنط، إحنا عارفين إنك بتحبينا وعايزة تجيبي لنا أحسن حاجة، بس ما دام إنتِ ماسكة مصروف البيت بتاعنا كلنا، يبقى قبل ما تصرفي مبلغ كبير على حاجة زي دي، مش المفروض تقولي لنا الأول؟ أحمد، أخويا التاني، سكت. مراته هبة كانت قاعدة في الركن ماسكة المعلقة بإيديها الاتنين من التوتر. هبة كانت متجوزة أحمد من سنتين بس. بنت هادية جدًا، عمرها ما دخلت نفسها في خناقة عائلية، وكانت حاسة إن أي كلمة منها دلوقتي ممكن تولع الدنيا أكتر. أمي زقت طبقها لقدام. وقالت بصوت واطي خلاص... أنا شبعت. وبعدين بصت لي. يا سارة، لما تخلصوا دخلي الأكل المطبخ. اللي يتبقى نسخنه بكرة، حرام يترمي. شوفت عينيها. كان حوالينهم احمرار خفيف. أمي طول عمرها مبتحبش تعيط قدام حد. حتى يوم ما جدتي ماتت، قفلت على نفسها وعيطت طول الليل. الصبح خرجت لنا وعينيها وارمة بشكل يخض. ومع ذلك... دخلت المطبخ وعملت لنا الفطار. ولا سابت حاجة من اللي وراها. كنت لسه هتكلم وأرد على منى، لما أبويا حط المعلقة من إيده. محطهاش بعنف. مخبطش الترابيزة. ولا زعق. حطها جنب طبقه بهدوء شديد. لكن الحركة دي خلتني أنا شخصيًا أسكت. رفع عينيه وقال محمود. أخويا الكبير رفع راسه. نعم يا بابا؟ قال أبويا من بكرة... هنقسم البيوت. أربع كلمات بس. قالهم بنفس النبرة اللي ممكن يقول بيها الجو بكرة برد، خدوا جاكتاتكم. منى كانت لسه على وشها نص ابتسامة. الابتسامة جمدت مكانها. عمي... حضرتك... محمود قال بسرعة بابا، استنى بس... لكن أبويا شال طبقه وكمل أكله. وقال من بكرة، إنت ومراتك تشوفوا بيتكم وتعيشوا فيه. وش منى ابيض. قالت بسرعة يا عمي والله أنا مكنتش أقصد! أنا كلمة طلعت مني وخلاص... أبويا رفع كف إيده. منى سكتت فورًا. باقي العشا عدى من غير كلمة واحدة. حتى صوت الملاعق اختفى تقريبًا. وبره... الهوا كان بيزيد. دخلت أوضتي بالليل، لكن النوم مجاش. كنت سامعة صوت الهوا بيصفر حوالين الشبابيك، والهدوم بتخبط في سور البلكونة. موضوع إن الأب يقسم على ولاده وهو عايش مكانش غريب عندنا. كل واحد بيتجوز، وفي وقت ما بيستقل. لكن أبويا اختار اللحظة دي بالذات مش لأنه فجأة قرر إن الوقت جه. لأ. أنا كنت عارفة السبب. منى دست على حاجة عنده مينفعش حد يقرب منها. أمي. بعد شوية سمعت صوت جاي من أوضة أبويا وأمي. صوت أبويا. كان بيتكلم بصوت واطي جدًا، كأنه مش عايز حد يسمعه. معرفتش أميز الكلام. وبعد فترة سمعت أمي بترد عليه بكلمتين. وبعدين سكتوا. الصبح، الهوا كان هدي. صحيت لقيت أبويا في البلكونة بيسقي الزرع كأن مفيش حاجة حصلت. وأمي في المطبخ بتحضر الفطار. فول، عيش، جبنة، وشوية من أكل امبارح سخنتهم عشان ميترموش. كل حاجة طبيعية جدًا. كأن السفرة امبارح مكانتش على وشك تنفجر. منى مخرجتش من أوضتها. أما محمود فكان واقف في البلكونة، مسنود على السور، بيدخن سيجارة ورا سيجارة. روحت وقفت جنبه. محمود. بص لي. قلت ناوي تعمل إيه؟ طفى السيجارة في طفاية صغيرة جنب الزرع. هعمل إيه يعني؟ أبوكي قال كلمته. قلت باستغراب أبويا؟ مش أبوك إنت كمان؟ اتنهد. قصدي بابا يعني. سكت شوية، فسألته امبارح لما منى كانت بتقول الكلام ده لمحة نيوز لماما، ليه موقفهاش؟ بص لي وقال وإنتِ مش عارفة لسان منى؟ أنا هعرف أسكتها يعني؟ قلت آه، تعرف. دي مراتك. مردش. وبعدين هز كتفه. وبعدين فيها إيه يعني؟ نقسم نقسم. كده كده كنا هنستقل في يوم. الجملة دي بردت قلبي. يعني في نظره، أبويا هو اللي مكبر الموضوع. مفيش مشكلة إن مراته تقعد تحاسب أمه على كيلو جمبري. المشكلة إن أبويا زعل! في اللحظة دي أحمد خرج من أوضته، ماسك كباية وداخل يشرب ميه. شافنا ووقف. محمود... بابا بجد ناوي يقسم؟ قال محمود أيوه. طب هيقسم إزاي؟ لما الناس كلها تصحى هنعرف. بعد ما أبويا خلص سقي الزرع، غسل إيده وقعد على الكنبة القديمة في الصالة. الكنبة دي عندنا من حوالي عشرين سنة. الجلد بتاعها اتشقق من زمان، وكلنا قلنا له نغيرها. لكنه كان دايمًا يقول سيبوها... أنا اتعودت عليها. الساعة قربت على عشرة لما منى خرجت أخيرًا من الأوضة. كانت مغيرة هدومها، وشعرها مربوط بعناية، وحاطة ميكاب خفيف. بصت ناحية المطبخ الأول. وبعدين ناحية الصالة. وقفت ثانيتين مترددة، وبعدها راحت لأبويا. يا عمي. أبويا مبصلهاش. قالت بنبرة مختلفة تمامًا عن امبارح أنا امبارح اتكلمت من غير ما أفكر. حضرتك متزعلش مني. أبويا رد وهو لسه باصص قدامه الكلام اللي بيتقال بعد تفكير... هو اللي بيوجع أكتر. وشها اتغير. والله يا عمي أنا مكنتش أقصد... قصدك إيه مش مهم عندي. قاطعها أبويا. وبعدين رفع عينه وبصلها لأول مرة. اللي يهمني أم محمود. منى سكتت. قال الست دي عاشت معايا أكتر من تلاتين سنة. خدمت أبويا وأمي. وربت ولادي. وشالت البيت فوق دماغها. وعمرها ما طلبت لنفسها حاجة. وعمرها ما عاشت يوم مرتاحة. وأشار ناحية المطبخ. لما تشتري لنفسها ولا لولادها شوية أكل من معاش جوزها، محدش له عندها حساب. منى فتحت بقها، لكنها معرفتش تقول حاجة. في اللحظة دي أمي خرجت من المطبخ شايلة الفطار. وكان على وشها نفس الابتسامة المعتادة. يلا يا جماعة، الفطار جاهز. كلوا قبل ما يبرد. بصيت لها. لحد النهارده معرفش... هل هي فعلًا مسمعتش الكلام؟ ولا سمعت كل حرف وعملت نفسها مسمعتش؟ أبويا قام من الكنبة وقعد على الترابيزة. أخد رغيف وبدأ ياكل. وبعدين قال نادي مرات أحمد كمان. بعد دقايق، كنا كلنا قاعدين حوالين نفس الترابيزة. بس المرة دي الجو كان مختلف. منى ماسكة طبقها ومش قادرة تاكل. محمود راسه في طبقه. أحمد وهبة ساكتين. وأنا قاعدة مستنية أعرف أبويا ناوي يعمل إيه. خلص أبويا أكله، شرب نص كباية الشاي، ومسح بقه بمنديل. وبعدين قال نتكلم. صوته كان رسمي جدًا. كأننا مش عيلة، وكأن دي جلسة حسابات. ممتلكاتنا إيه، كلكم عارفين. عندنا البيت القديم اللي إحنا قاعدين فيه ده. وفي 2008 أنا وأمكم لمينا اللي معانا واشترينا شقة صغيرة أوضتين، مساحتها حوالي أربعين متر. وفي 2012 اشترينا شقة تانية حوالي ستين متر. سكت لحظة. وبعدين قال يعني عندنا تلات أماكن. ورفع عينه. وعندي ولدين وبنت. بص لمحمود. وبعدين لأحمد. وقال الشقة الستين متر تبقى لمحمود. والشقة الأربعين متر تبقى لأحمد. وبعدين بص لي. والبيت القديم ده أفضل أنا وأمكم قاعدين فيه طول ما إحنا عايشين. سكت ثانية. بعد عمر طويل، لو البيت دخل إزالة أو اتعمل له تعويض، أو إحنا متنا قبليها... البيت ده يبقى لسارة. المعلقة وقعت من إيد منى على الترابيزة. تك! الصوت خلانا كلنا نبص لها. قالت بسرعة بس يا عمي... الشقة اللي حضرتك بتقول عليها لمحمود ستين متر بس! أوضتين وصالة، وإحنا عندنا طفل... هنعيش إزاي؟ وبعدين أشارت ناحية أحمد. والشقة التانية أصلًا أربعين متر وشوية... أبويا قاطعها لو مش عاجباكي... متاخديهاش. منى سكتت فورًا. محمود رفع راسه أخيرًا. بابا... طب ما نتفاهم شوية؟ يعني ممكن نعيد التقسيمة... أبويا بص له. امبارح على السفرة، لما مراتك كانت بتحاسب أمك على الفلوس اللي بتصرفها... حد فيكم قال نتفاهم؟ محدش رد. حتى محمود نزل عينه. بعد لحظات، أحمد اتكلم بتردد طب يا بابا... إنت وماما هتفضلوا في البيت القديم ده؟ أيوه. بس البيت بقى قديم جدًا. الكهربا نفسها محتاجة تتغير، والمرة اللي فاتت حصل ماس في المطبخ. يعني على الأقل ممكن إنت وماما تاخدوا الشقة الأحسن... أبويا رد بثلاث كلمات لسه مش هنموت. وبعدها قام. أخد كباية الشاي، ومشى ناحية البلكونة. وخلاص. التقسيمة اتحسمت. بالسهولة دي. أو على الأقل... إحنا كنا فاكرين إنها اتحسمت. منى كان وشها أخضر من الغيظ. قامت من على السفرة، مسكت محمود من دراعه ودخلت بيه الأوضة. الباب اتقفل. لكن صوتها كان واصل. كانت بتتكلم بسرعة جدًا وبصوت واطي، كأنها بتحاول تقنعه بحاجة. ومحمود كان كل شوية يرد حاضر. أو ماشي. أو هشوف. وقفت في الصالة وبصيت ناحية باب أوضتهم. مكنتش سامعة منى بتقول إيه بالضبط. لكن كان عندي إحساس غريب جدًا إن موضوع كيلو الجمبري وتقسيم البيوت... مكنش غير البداية. الجزء الثاني عدّى حوالي نص ساعة، وباب أوضة محمود ومنى اتفتح. خرج محمود الأول. وشه كان متغير. مش غاضب. ولا مكسوف. لكن كان واضح إنه داخل يقول كلام هو نفسه مش مرتاح له. منى خرجت وراه، وقعدت على الكنبة وهي ماسكة موبايلها. أبويا كان لسه في البلكونة. وأمي في المطبخ بتلم الأطباق. محمود نادى يا بابا... ممكن نتكلم؟ أبويا دخل، حط كباية الشاي على الترابيزة، وقال اتكلم. محمود بلع ريقه. بص يا بابا... أنا مش معترض على إننا نستقل. بالعكس، ده حقك. بس التقسيمة نفسها محتاجة مراجعة. أبويا رفع حاجبه. مراجعة من أي ناحية؟ منى دخلت في الكلام بسرعة يعني مثلًا البيت القديم ده أكبر وأغلى من الشقتين بكتير. وسارة بنت، وبكرة تتجوز وتروح بيت جوزها... قبل ما تكمل، أبويا بص لها. بس. نظرة واحدة. سكتت. قال لها كملي. منى اتلخبطت. أنا... قصدي يعني محمود وأحمد ولادك، وكل واحد فيهم عنده بيت وأسرة وأطفال. طبيعي هما اللي ياخدوا النصيب الأكبر. أبويا سألها الطبيعي عند مين؟ عند الناس كلها. الناس كلها مين؟ منى اتضايقت. يا عمي ما إحنا مش هنقف على كل كلمة. أبويا قرب الكرسي وقعد. لأ، هنقف. وبص لمحمود. الكلام ده رأيك أنت؟ محمود اتردد ثواني. وبعدين قال بصراحة... آه. وقتها حسيت إن حاجة جوايا وقعت. مش عشان البيت. أنا أصلًا مكنتش بفكر في ميراث ولا ملكية. لكن عشان الطريقة. أمي كانت لسه واقفة عند باب المطبخ. أول ما سمعت كلام محمود، بصت له بصّة طويلة. وبعدين رجعت تكمل شغلها كأنها مسمعتش. أبويا قال طيب. وبعدين قام، دخل أوضته، ورجع بعد دقيقتين شايل ملف بلاستيك أزرق. حطه قدامنا. منى بصت له بفضول. أبويا فتح الملف. طلع منه أوراق قديمة. إيصالات. عقود. دفاتر. وكشف حساب بنكي. قال قبل ما نقسم البيوت، خلونا نقسم الحكاية من أولها. محدش اتكلم. مسك أول ورقة. الشقة اللي قلت هتبقى لمحمود... تعرفوا اتجابت إزاي؟ محمود قال من تحويشة حضرتك وماما. أبويا ضحك ضحكة خفيفة مفيهاش أي فرحة. تحويشة؟ وقلب الورقة ناحية محمود. دي ورقة بيع دهب أمك. أمي رفعت راسها بسرعة. قالت يا جلال، خلاص... أبويا قال لأ يا فاطمة. مش خلاص. وبص لنا. سنة 2012 لما اشترينا الشقة، كان ناقصنا مبلغ كبير. وأشار لأمي. أمكم باعت الغوايش بتاعتها كلها. منى بصت في الورقة. أبويا كمل والغوايش دي كانت آخر حاجة معاها من جهازها. محمود سكت. أبويا طلع ورقة تانية. دي إيصالات جمعيات كانت أمكم داخلة فيها. ورقة تالتة. ودي فلوس مكافأة نهاية خدمتي. وبعدين طلع دفتر صغير قديم، لونه أخضر. رماه قدام محمود. وده دفتر مصاريف البيت من سنة 2015. منى مدّت إيدها. فتحت أول كام صفحة. كل صفحة فيها أرقام صغيرة، وتواريخ، وملاحظات بخط أمي. دواء محمود. مصروف مدرسة يوسف. قسط التلاجة. كهربا. لحمة الجمعة. سلفة لمحمود. منى بدأت تقلب أسرع. فجأة وقفت. بصت لمحمود. إيه ده؟ محمود قرب منها. وشه اتغير. منى قالت إيه سلفة محمود 4000... ودفعة بطاقة محمود 6800... وقسط عربية محمود 2500؟ بصت له. إنت كنت بتاخد فلوس من البيت؟ محمود قال بسرعة كانت ظروف قديمة. أبويا قال قديمة؟ طلع كراسة تانية. طب دي جديدة. فتحها. الشهر اللي فات 3000 لمحمود. الشهر اللي قبله 4500 لمحمود. قبلهم 2000. منى بدأت تبص له وهي مصدومة بجد. إنت بتاخد من مامتك فلوس كل شهر؟ محمود اتعصب. يا منى ما تكبريش الموضوع! أبويا قال سيبها تكبره. وبص لمنى مباشرة. إنتِ امبارح كنتِ بتقولي لفاطمة إنتِ ماسكة مصروف البيت لينا كلنا. صح؟ منى ماردتش. وقلتي لها حرام تبعزقي الفلوس. منى وشها احمر. أبويا كمل طب تحبي تعرفي أكتر واحد في البيت ده أخد فلوس من أم محمود مين؟ محمود ضرب بإيده على الترابيزة. خلاص يا بابا! الصوت دوّى في الصالة. أمي خرجت من المطبخ. وأحمد وقف. لكن أبويا فضل قاعد. وقال بهدوء ليه خلاص؟ مراتك كانت بتحاسب أمك على كيلو جمبري قدامنا كلنا. يبقى الحساب يتم قدامنا كلنا. محمود كان نفسه عالي. قال أنا ابنك! أبويا رد وهي أمك. الجملة نزلت زي الحجر. منى كانت لسه ماسكة الدفتر. وبعدين قالت محمود... هو الكلام ده أنا مكنتش أعرفه؟ محمود لف لها. دي فلوس بسيطة. بسيطة؟ رفعت الدفتر. إنت من كام شهر بتقولي إن مرتبك كله بيروح في البيت! محمود سكت. فهمت في اللحظة دي ليه وش منى كان بيتغير. هي كانت فاكرة إن كل فلوس جوزها بتدخل بيتهم. وفاكرة إن أمي بتصرف كتير من الفلوس المشتركة. لكن الحقيقة إن جوزها نفسه كان بيسحب من أمي من وراها. منى قالت بعصبية ليه؟! محمود انفجر عشان عندي أقساط! أقساط إيه؟ حاجات! حاجات إيه يا محمود؟ فضل ساكت. أبويا دخل إيده في الملف. طلع كشف حساب. وحطه قدام منى. اسأليه عن دي. منى مسكت الورقة. قرأت. وبعدين بصت له كأنها مش فاهمة. تحويلات؟ بدأت تعد بعينيها. 12 ألف... 8 آلاف... 15 ألف... 10 آلاف... وبصت له. الفلوس دي راحت فين؟ محمود قال دي حاجة تخصني. منى قامت واقفة. تخصك؟! وإنت كل شهر بتقولي مفيش فلوس؟ وبتخليني أقول لمامتك نقلل المصاريف؟ أمي قالت لأول مرة يا منى، اهدي يا بنتي. منى لفت لها فجأة. لا يا طنط، متدافعيش عنه! سكتت لحظة. وبعدين قالت بصوت مكسور أنا كنت فاكرة إنكم بتصرفوا من مرتبه! بصيت لها. لأول مرة من امبارح، حسيت إن الحكاية مش بالشكل البسيط اللي كنت متخيلاه. أبويا قال التحويلات دي راحت لصاحب محمود. منة سألته صاحبك مين؟ محمود ما ردش. أبويا كمل داخل معاه تجارة بقاله سنة. أحمد قال بدهشة تجارة إيه؟ أجهزة مستعملة. محمود رفع صوته وأنا كنت بحاول أحسن دخلي! أبويا رد بفلوس أمك؟ أنا كنت هرجعها! إمتى؟ محمود اتخرس. أبويا قال وكل مرة كنت تيجي تقول لأمك محتاج. مرة قسط. مرة دواء للولد. مرة العربية. مرة المدرسة. وهي تديك. أمي قاطعته بسرعة يا جلال، أنا كنت بديه برضاي. أبويا بص لها. عارف. وبعدين قال الجملة اللي خلتنا كلنا نسكت ودي مشكلتك يا فاطمة. أمي بصت له. طول عمرك بتدي لحد ما اللي قدامك يفتكر إن ده حقه. محمود قال لا يا بابا، متقولش كده. أبويا رفع صوته لأول مرة أمال أقول إيه؟! سكت البيت كله. مراتك امبارح واقفة بتقول لأمك متشتريش جمبري! وإنت قاعد ساكت! وفي نفس الوقت إنت واخد من الست دي في آخر سنة لوحدها أكتر من تمن اللي بتكسبه! منى نزلت عينيها. أبويا رجع هدي. عشان كده من النهارده مفيش مصروف بيت مشترك. ومفيش حد ماسك فلوس حد. ومفيش حد يحاسب أمكم على جنيه. منى قالت بخجل أنا... أنا آسفة يا طنط. أمي ابتسمت لها. خلاص يا بنتي. لكن أبويا قال لأ. كلنا بصينا له. خلاص دي هي اللي وصلتنا لهنا. وبص لمنى. الاعتذار يبقى لما الواحد يفهم غلطه، مش عشان خايف يخسر شقة. منى اتلسعت من الكلمة. قالت أنا مش طمعانة في شقة. أبويا رد كويس. وقفل الملف. يبقى سهل عليكي تخرجي منها. من نفس اليوم، بدأت الفوضى. منى رفضت تكلم محمود. ومحمود اتقلب على أبويا. شايف إنه فضحه قدام مراته. أما أحمد، ففضل ساكت أغلب الوقت. بس في الليل دخل لأبويا. أنا كنت قاعدة في الصالة، وسمعت جزء من كلامهم. أحمد قال يا بابا، أنا مش عايز الشقة. أبويا رد ليه؟ خلّيها ليك إنت وماما. وأنا هتدبر. أبويا قال وإنت تختلف عن أخوك في إيه لو قبلت حاجة أمك تعبت فيها؟ أحمد سكت. أبويا كمل أنا مش بديكم صدقة. أنا بقسم وأنا عايش عشان بعد ما أموت متتخانقوش. خُد نصيبك واشكر أمك. أنا مكنتش متعودة أشوف أبويا بيتكلم عن الموت. الجملة ضايقتني. لكن اللي معرفناش وقتها إن الكلام عن بعد ما أموت كان هيبقى قريب أكتر مما تخيلنا. بعد أسبوع، محمود ومنى نقلوا شوية حاجات للشقة الجديدة. الشقة كانت مقفولة من سنين. اتنضفت واتدهنت بسرعة. منى بقت أهدى. اعتذرت لأمي كذا مرة. لكن العلاقة بينها وبين محمود كانت اتشققت. أما البيت القديم، فبقى أهدى. لأول مرة من سنين، أمي دخلت السوق واشترت حاجة لنفسها. سمكتين. قالت نفسي فيهم من زمان. ضحكت وقلت جيبي أربعة يا ماما. ضحكت هي كمان. لكن أبويا، وهو واقف جنبنا، قال هاتي اللي نفسك فيه يا فاطمة. الفلوس معمولة عشان نعيش بيها، مش عشان نموت وإحنا بنعدها. بعدها بيومين... أبويا وقع في البلكونة. كنت أول واحدة شوفته. كان ماسك صدره، ووشه أصفر. صرخت. أحمد جري. طلبنا إسعاف. وأمي كانت واقفة مكانها، لا عارفة تصرخ ولا تتحرك. أبويا فتح عينه بصعوبة. وبص لأمي. وقال متخافيش. دي كانت آخر كلمة قالها قبل ما يغمى عليه. في المستشفى، الدكتور قال إنها أزمة قلبية حادة. دخل العناية. ومحمود جه يجري. منى كانت معاه. وقفنا الساعات كلها قدام الباب. أمي ما قعدتش. ولا دقيقة. كل شوية تقول جلال هيطلع. هو بس تعبان. جلال عمره ما سابني لوحدي. بعد ست ساعات، الدكتور خرج. وأنا من وشه عرفت. قبل ما يتكلم. أبويا مات. الجنازة عدت كأنها حلم أسود. البيت اتملى ناس. وبعدين الناس مشيت. وفضلنا إحنا. أمي قاعدة على نفس الكنبة القديمة. ساكتة. الكنبة اللي أبويا كان بيقول سيبوها... أنا اتعودت عليها. حسيت إن البيت كله بقى فاضي. حتى وهو مليان. بعد تلات أيام، وإحنا قاعدين، محمود قال لازم نبص في الورق. أنا رفعت راسي. أحمد بص له. منى زقته بخفة. مش وقته يا محمود. قال أنا مش قصدي حاجة وحشة، بس لازم نعرف الوضع. أمي كانت ساكتة. سألته وضع إيه؟ قال التركات والعقود والحسابات. اتجمدت. أبويا مكملش أسبوع تحت التراب. ومحمود بيتكلم عن التركة. أحمد قال بعصبية إنت مستعجل على إيه؟ محمود انفجر وأنا قلت إيه؟! دي إجراءات طبيعية! أمي قامت ببطء. دخلت أوضتها. ورجعت شايلة ظرف بني كبير. وحطته قدام محمود. قالت أبوك كان عارف إنك هتسأل. محمود بص لها. يعني إيه؟ أمي قالت قبل ما يموت بأسبوعين، خلّص كل حاجة. فتحنا الظرف. وكان جواه عقود مسجلة. الشقة الأولى باسم محمود بالفعل. الشقة التانية باسم أحمد. أما البيت القديم... فمكانش باسمي. ولا باسم أبويا. ولا باسم سارة. العقد كان باسم شخص تاني. قعدنا نبص لبعض. محمود قال مين الاسم ده؟ أمي ردت أبوكم باع البيت. صرخت من غير ما أحس باعه؟! قالت من تلات شهور. الدنيا لفت بيا. طب إحنا قاعدين فين؟ أمي قالت في بيت صاحبه الجديد سامح لنا نقعد فيه ست شهور. محمود وقف. باع البيت ليه؟! أمي بصت له. وبهدوء قالت عشان يسدد ديونك. محمود اتسمر مكانه. منى حطت إيدها على بقها. أمي كملت صاحبك اللي دخلت معاه التجارة نصب عليك، صح؟ محمود نزل عينه. أبوك عرف. عرف إن عليك شيكات. وإنك ممكن تدخل قضية. وراح دفع اللي عليك. محمود قعد على الكرسي كأن رجله مقدرتش تشيله. أمي قالت باع البيت اللي عاش فيه عمره كله عشان ينقذك. دموع محمود نزلت. أول مرة أشوف أخويا الكبير بيعيط. قال هو... هو ليه مقاليش؟ أمي ردت عشان ميفضلكش جميل في رقبتك. سكتت شوية. وبعدين مدت له ورقة أخيرة. بس ساب لك دي. محمود فتحها. كانت بخط أبويا. قرأ أول سطر. وبعدها إيده بدأت تترعش. خدت الورقة منه. وكان مكتوب يا محمود، البيت اللي مراتك كانت خايفة فلوسه تتبعزق، اتباع عشان أسدد غلطتك. أنا مش زعلان على البيت. البيت طوب، والفلوس بتتعوض. أنا زعلان إني ربيت راجل شاف أمه بتتهان على سفرة وسكت. محدش فينا نطق. آخر سطر كان لو عايز ترد لي الدين، متردش فلوس. رد لأمك عمرها اللي ضاع في خدمتكم. محمود غطى وشه بإيديه. ومنى بدأت تعيط. أما أمي... فبصت ناحية الكنبة الفاضية. وقالت أبوكم طول عمره قلبه كان قاسي في كلامه... وسكتت. وبعدين نزلت دموعها لأول مرة قدامنا. بس عمره ما كان قاسي علينا. وهنا... عرفنا إن تقسيم البيوت مكنش نهاية الحكاية. كان آخر درس أبويا حاول يديهولنا قبل ما يمشي. الجزء الثالث والأخير بعد موت أبويا، حياتنا كلها اتغيرت. أمي كان قدامها ست شهور وتسيب البيت القديم. وأنا كنت متأكدة إنها هتيجي تعيش معايا. لكنها رفضت. قالت أنا مش هتنقل من بيت ولد لبيت ولد كأني شنطة. منى قالت لها طب تعالي عندنا يا طنط. أمي بصت لها بابتسامة هادية. شقتكم صغيرة يا بنتي. ربنا يهنيكم بيها. أحمد قال طب أنا هاخد الشقة الصغيرة وأسيب لك الكبيرة. رفضت برضه. اللي أبوكم قسمه ميتغيرش. سألتها طب هتعملي إيه؟ قالت هأجر لي شقة صغيرة. ضحكت من الصدمة. تأجري؟ وإنتِ عندك ولدين كل واحد عنده شقة؟ قالت أيوه. وبعدين قالت جملة فضلت فاكرها ساعات الواحد لازم يعيش لوحده شوية عشان يعرف هو كان عايش لنفسه ولا للناس. بعد شهرين، أمي أخدت شقة إيجار صغيرة. أوضة وصالة. في دور تالت من غير أسانسير. أول يوم دخلناها، أنا عيطت. قلت ماما... البيت القديم كان أحسن. قالت بس البيت ده بتاعي أنا. تقريبًا لأول مرة في حياتها، اشترت ستاير على ذوقها. كنبة صغيرة لونها فاتح. طقم كوبايات محدش مسموح يشرب فيه غيرها إلا لما تحب. حتى التليفزيون حطته في المكان اللي هي عايزاه. محدش قال لها غيري القناة. وطي الصوت. اعملي شاي. فين الأكل؟ منى كانت بتجيلها كتير. في البداية كنت فاكرة ده بسبب تأنيب الضمير. لكن مع الوقت، حسيت إنها فعلًا اتغيرت. بقت لما تدخل على أمي، تجيب معاها حاجة. حتى لو بسيطة. فاكهة. كيكة. ورد. وأحيانًا تيجي من غير حاجة وتقعد معاها. في يوم قالت لها يا طنط... أنا كنت قليلة الأدب معاكي. أمي قالت حصل خير. منى هزت راسها. لأ، محصلش خير. وقالت وهي بتعيط أنا اتربيت إن مرات الابن لازم تمسك البيت من إيد حماتها قبل ما حماتها تمسكها هي. أمي كانت طول عمرها تقول لي لو سكتّي، هيصرفوا فلوس جوزك على إخواته. دخلت بيتكم وأنا مستعدة لحرب محدش أصلًا كان بيحاربني فيها. أمي مدت إيدها ومسكت إيدها. كل بيت غير التاني يا بنتي. منى قالت عارفة. وبصت لها. عرفت متأخر. أما محمود... فهو كان أكتر واحد اتغير. ساب مشروع التجارة نهائيًا. وباع عربيته. وسدد كل قرش كان واخده من أمي على قد ما قدر. لكن أمي كانت بترفض. في يوم حط لها ظرف فيه فلوس. قالت خدهم يا ابني. قال دي فلوسك. مش عايزاهم. بس أنا مدين لك. أمي ردت أبوك قال لك رد لي عمري؟ محمود سكت. قالت يبقى اقعد معايا نص ساعة من غير ما تبص في موبايلك. ضحك وهو بيعيط. وقعد. ومن اليوم ده، بقى يروح لها كل يوم جمعة. مش عشان ياكل. هو اللي كان بيطبخ لها أحيانًا. وأول مرة دخل المطبخ يعمل لها غدا، حرق الرز. أمي فضلت تضحك عليه لدرجة دموعها نزلت. أنا كنت واقفة عند الباب ببص عليهم. وحسيت إن أبويا لو كان موجود... كان هيبقى مبسوط. عدت سنة. وفي يوم، جالي اتصال من واحد اسمه عم حسين. كان صاحب أبويا من أيام الشغل. قال لي سارة، فيه حاجة تخص والدك لازم أديها لكم. تقابلنا. طلع لي مفتاح. ومظروف صغير. قال أبوكي سلّمني دول قبل ما يتوفى بحوالي شهر. قلت مفتاح إيه؟ قال روحي العنوان المكتوب وهتعرفي. رجعت ناديت إخواتي وأمي. ورحنا كلنا. العنوان كان لعمارة جديدة نسبيًا في منطقة هادية. طلعنا الدور الرابع. المفتاح فتح شقة. دخلنا. كانت فاضية. لكن نضيفة جدًا. ثلاث أوض وصالة واسعة. أمي وقفت عند الباب. قالت إحنا جايين هنا ليه؟ فتحت الظرف. وكان فيه عقد. العقد باسم... فاطمة جلال عبد الرحيم. أمي. قريت مرة. واتنين. مش مصدقة. قلت ماما... الشقة باسمك. أمي قعدت على أقرب كرسي. محمود قال بابا اشتراها إمتى؟ عم حسين اللي كان معانا قال من أربع سنين. بصينا له كلنا. قال الحاج جلال كان حاطط فلوس مكافآت وودايع، واشترى الشقة دي بالتقسيط. أمي قالت وليه مقاليش؟ عم حسين ابتسم. كان بيقول عايز أعمل لفاطمة بيت عمرها ما حد يقول لها فيه إنتِ بتصرفي ليه، وإنتِ اشتريتي إيه. أنا مقدرتش أمسك نفسي. عيطت. منى بصت في الأرض. ومحمود خرج للبلكونة. أمي فضلت قاعدة ساكتة. وبعدين قالت الراجل ده كان بيخبّي عني كتير أوي. عم حسين ضحك. كان مخبي لك كمان رسالة. فتحناها. خط أبويا. يا فاطمة، لو قريتي الورقة دي وأنا مش موجود، متزعليش إني خبيت عليكي. طول عمرك كل حاجة معاكي كانت للبيت والعيال. مرة واحدة بس كنت عايز يبقى عندك حاجة ليكي إنتِ. أمي حطت إيدها على بقها. كملنا الشقة دي ملكك. متكتبيهاش لحد. متبيعيهاش عشان ولد. متدخليش جمعية عشان حفيد. ومتديش مفتاحها لحد إلا لما تكوني إنتِ عايزة. منة ضحكت وسط دموعها. وأنا كملت آخر سطر ويا فاطمة... لو نفسك في الجمبري، اشتري اتنين كيلو. أمي انفجرت في العياط. وإحنا كلنا عيطنا معاها. حتى محمود، اللي كان واقف في البلكونة، لف وضهره لينا عشان محدش يشوفه. بعد شهر، أمي نقلت للشقة. وأول عزومة عملتها لينا... عملت ملوخية. ورقاق. ولحمة. وسمك. وفي نص السفرة... طبق كبير جدًا من الجمبري. منى أول ما شافته، سكتت. أمي لاحظت. ابتسمت وقالت مالك يا منى؟ منى ضحكت بخجل. ولا حاجة يا طنط. أمي زقت طبق الجمبري ناحيتها. كلي. منى أخدت واحدة. وبعدين قالت الكيلو بكام دلوقتي؟ السفرة كلها سكتت ثانية. منى بصت لنا. وبعدين انفجرت في الضحك. بهزر والله! ضحكنا كلنا. حتى أمي. ومحمود أخد واحدة جمبري وحطها في طبق أمه. وقال كلي إنتِ الأول. أمي بصت له. الجملة بسيطة جدًا. لكن عينيها اتمليت دموع. لأن طول عمرها كانت هي اللي بتحط للناس الأكل. يمكن كانت دي أول مرة حد يقول لها إنتِ الأول. بعد العشا، خرجنا كلنا. أنا اتأخرت شوية. رجعت آخد شنطتي، فلقيت أمي واقفة في البلكونة لوحدها. كانت باصة للسما. وقفت جنبها. قلت بتفكري في بابا؟ ابتسمت. جلال كان غلس. ضحكت. جدًا. قالت وعصبي. جدًا. وعنيد. جدًا جدًا. سكتت. وبعدين قالت بس عمره ما خلاني أحس إني لوحدي. مسكت إيدها. قالت تعرفي يا سارة، الست ساعات تعيش عمرها كله مستنية كلمة شكر. وأنا أبوكي عمره ما كان بيعرف يقول كلام حلو. بصت جوه الشقة. على أولادها. ومراتاتهم. وأحفادها. وبعدين كملت بس طلع سايب لي كلمة شكر على هيئة بيت كامل. قبل ما أمشي، لمحت حاجة معلقة جنب باب المطبخ. كانت المعلقة القديمة بتاعة أبويا. اللي حطها جنب طبقه يوم الخناقة. أمي احتفظت بيها. سألتها محتفظة بالمعلقة دي ليه؟ قالت عشان أفكر نفسي إن في يوم كلمة واحدة وقفِت ناس كتير عند حدهم. وبعدين ضحكت. وعشان لو مرات أخوكي سألتني كيلو الجمبري بكام تاني، أعرف أتصرف. صرخت من الصالة منى والله ما هسأل تاني يا طنط! ضحكنا كلنا. وكان دي أول مرة من بعد وفاة أبويا... أحس إن البيت رجع فيه روح. أبويا كان مات. والبيت القديم اتباع. والعيلة اتفرقت في بيوت مختلفة. لكن الغريب... إن بعد ما كل واحد بقى له بيته... إحنا لأول مرة بقينا عيلة بجد. النهاية.