بيت العيله
مرات أخويا الكبير انتقدت أمي قدامنا كلنا عشان اشترت أكل غالي.
أبويا حط المعلقة من إيده بهدوء، وقال جملة واحدة بس
من بكرة هنقسم البيوت… وكل واحد فيكم يشوف له مكان يعيش فيه.
في اللحظة دي، محدش على السفرة قدر يمد إيده ناحية الأكل تاني.
والابتسامة اللي كانت على وش مرات أخويا اختفت في ثانية.
الليلة دي، الهوا بره كان شديد جدًا.
صوت الشبابيك كان بيتهز مع كل هبة هوا، والهدوم المنشورة في البلكونة كانت بتخبط في بعضها بعنف.
كنا كلنا قاعدين حوالين الترابيزة الصغيرة القابلة للطي في الصالة بنتعشى.
الترابيزة دي أبويا كان اشتراها مستعملة من سوق الأثاث القديم، في نفس السنة اللي طلع فيها على المعاش.
كان فيها شرخ طويل في النص، ورِجل من رجليها أقصر شوية من الباقيين، وعشان كده كل مرة كنا بناكل عليها، أمي كانت بتحط تحتها حتة كرتونة مطوية عشان متتهزش.
كنا عيلة كبيرة عايشة في بيت واحد.
أبويا وأمي، وأخويا الكبير محمود ومراته منى، وأخويا التاني أحمد ومراته هبة، وأنا… اسمي سارة.
أمي، الحاجة فاطمة، كانت ماسكة مصروف البيت كله.
مش لأنها أغنى واحدة فينا.
بالعكس.
لكن لأنها طول عمرها أكتر واحدة بتعرف تدبّر القرش.
الليلة دي، كانت عاملة ضلوع بالصلصة، وبروكلي بالثوم، وشوربة طماطم بالبيض، وفي نص السفرة طبق جمبري.
منى، مرات أخويا الكبير، حطت المعلقة من إيدها، وبصت للأكل اللي على السفرة من فوق لتحت.
وبعدين عينيها وقفت عند طبق الجمبري.
الجمبري ده إنتِ اللي اشتريتيه يا طنط؟
أمي كانت بتمد إيدها تحط لي أكل في طبقي.
إيدها وقفت في نص الطريق.
وقالت ببساطة
أيوه يا بنتي، لقيته طازة في السوق، قلت أجيب كيلو ناكله كلنا.
منى مدت إيدها، مسكت واحدة جمبري بطرف صوابعها، وقعدت تقلبها قدامها كأنها بتفحص حاجة غالية جدًا.
وبعدين قالت
الكيلو ده يعمل له كام؟ مش أقل من خمسمية ولا ستمية جنيه دلوقتي!
أمي سكتت.
لكن منى كملت
إيه يا طنط التبذير ده؟ مش قادرة تلمي إيدك شوية في المصاريف؟ إنتِ ماسكة مصروف البيت لينا كلنا، يعني حرام تبعزقي الفلوس كده!
السفرة كلها سكتت.
أخويا أحمد كان ماسك طبق الأكل قدامه ومقالش كلمة.
أما محمود، جوز منى، فكح كحة خفيفة، وخبط المعلقة مرتين في طرف الطبق.
لكنه هو كمان مقالش حاجة.
أنا بصيت لإيد أمي.
كانت بتسحبها ببطء من فوق طبقي.
إيديها كانت مليانة شقوق.
جلدها ناشف من كتر الميه والمنظفات، ومفاصل صوابعها بارزة ومتغيرة من شغل عشرات السنين.
الإيدين دول لوحدهم كانوا كفاية يحكوا عمر كامل.
غسيل.
وطبخ.
وتنضيف.
وتربية تلات عيال.
وخدمة أبوها وأمها وهما كبار.
وبعدين خدمة أبويا.
وبعدين لما ولادها اتجوزوا، فضلت تخدم ولادها ومراتاتهم وأحفادها كأن عمرها مخلصش.
قلت وأنا بحط طبقي قدامي
يا منى، فيها إيه لما ماما تشتري كيلو جمبري؟ دي طول عمرها بتوفر في كل حاجة، وحتى لما بتجيب حاجة حلوة مش بتاكل منها، بتسيبها لينا إحنا.
منى ابتسمت ابتسامة باردة.
الله! أخت جوزي بدأت تدافع عن مامتها؟
بصيت لها من غير ما أرد.
فقالت
أنا قلت إيه يعني؟ أنا بس بنبهها، ما قلتش لها متشتريش.
وبعدين عدلت قعدتها وكملت
معاش عمي أصلًا يادوب كام ألف جنيه، ومحمود شغال في المصنع ومرتبه على قده. لو كل يوم هنصرف بالشكل ده، آخر الشهر هناكل منين؟
ومدت إيدها، خدت حتة لحمة، وحطتها في طبق محمود.
مش كده يا محمود؟
محمود تمتم
آه… يعني الواحد لازم يحسبها برضه.
أنا بصيت له ومصدقتش.
اللحمة اللي مراته بتحطها في طبقه دي، أمي كانت نازلة مخصوص الصبح بدري عشان تجيبها.
وكان الجزار عنده شوية قطع متبقية من اليوم، فباعها لها أرخص.
عشان كده بس اشترتها.
أما طبق أمي نفسها…
كان فيه رز وخضار.
ولا حتة لحمة واحدة.
ولا حتى مدت إيدها على الجمبري.
أبويا، الحاج جلال، كان قاعد في آخر الترابيزة وضهره للحائط.
بياكل على مهله جدًا.
ياخد لقمة صغيرة، ويفضل يمضغ فيها فترة طويلة.
ولا كلمة.
ولا حتى تعبير واحد على وشه.
ومن وأنا صغيرة، كنت عارفة حاجة عن أبويا محدش يعرفها زيي.
لما الحاج جلال يزعق، الموضوع بيعدي.
لكن لما يسكت بالشكل ده…
يبقى فيه مصيبة جاية.
منى مكنتش تعرف ده.
افتكرت إن سكوت أبويا معناه إنه موافق عليها.
فاتشجعت أكتر وقالت
أصل عندنا في بيت أهلي، الكبير لما بيصرف فلوس لازم الأول يقول لولاده ومراتاتهم.
وبصت لأمي مباشرة.
يا طنط، إحنا عارفين إنك بتحبينا وعايزة تجيبي لنا أحسن حاجة، بس ما دام إنتِ ماسكة مصروف البيت بتاعنا كلنا، يبقى قبل ما تصرفي مبلغ كبير على حاجة زي دي، مش المفروض تقولي لنا الأول؟
أحمد، أخويا التاني، سكت.
مراته هبة كانت قاعدة في الركن ماسكة المعلقة بإيديها الاتنين من التوتر.
هبة كانت متجوزة أحمد من سنتين بس.
بنت هادية جدًا، عمرها ما دخلت نفسها في خناقة عائلية، وكانت حاسة إن أي كلمة منها دلوقتي ممكن تولع الدنيا أكتر.
أمي زقت طبقها لقدام.
وقالت بصوت واطي
خلاص… أنا شبعت.
وبعدين بصت لي.
يا سارة، لما تخلصوا دخلي الأكل المطبخ. اللي يتبقى نسخنه بكرة، حرام يترمي.
شوفت عينيها.
كان حوالينهم احمرار خفيف.
أمي طول عمرها مبتحبش تعيط قدام حد.
حتى يوم ما جدتي ماتت، قفلت على نفسها وعيطت طول الليل.
الصبح خرجت لنا وعينيها وارمة بشكل يخض.
ومع ذلك…
دخلت المطبخ وعملت لنا الفطار.
ولا سابت حاجة من اللي وراها.
كنت لسه هتكلم وأرد على منى، لما أبويا حط المعلقة من إيده.
محطهاش بعنف.
مخبطش الترابيزة.
ولا زعق.
حطها جنب طبقه بهدوء شديد.
لكن الحركة دي خلتني أنا شخصيًا أسكت.
رفع عينيه وقال
محمود.
أخويا الكبير رفع راسه.
نعم يا بابا؟
قال أبويا
من بكرة… هنقسم البيوت.
أربع كلمات بس.
قالهم بنفس النبرة اللي ممكن يقول بيها
الجو بكرة برد، خدوا جاكتاتكم.
منى كانت لسه على وشها نص ابتسامة.
الابتسامة جمدت مكانها.
عمي… حضرتك…
محمود قال بسرعة
بابا، استنى بس…
لكن أبويا شال طبقه وكمل أكله.
وقال
من بكرة، إنت ومراتك تشوفوا بيتكم وتعيشوا فيه.
وش منى ابيض.
قالت بسرعة
يا عمي والله أنا مكنتش أقصد! أنا كلمة طلعت مني وخلاص…
أبويا رفع كف إيده.
منى سكتت فورًا.
باقي العشا عدى من غير كلمة واحدة.
حتى صوت الملاعق اختفى تقريبًا.
وبره…
الهوا كان بيزيد.
دخلت أوضتي بالليل، لكن النوم مجاش.
كنت سامعة صوت الهوا بيصفر حوالين الشبابيك، والهدوم بتخبط في سور البلكونة.
موضوع إن الأب يقسم على ولاده وهو عايش مكانش غريب عندنا.
كل واحد بيتجوز، وفي وقت ما بيستقل.
لكن أبويا اختار اللحظة دي بالذات مش لأنه فجأة قرر إن الوقت جه.
لأ.
أنا كنت عارفة السبب.
منى دست على حاجة عنده مينفعش حد يقرب منها.
أمي.
بعد شوية سمعت صوت جاي من أوضة أبويا وأمي.
صوت أبويا.
كان بيتكلم بصوت واطي جدًا، كأنه مش عايز حد يسمعه.
معرفتش أميز الكلام.
وبعد فترة سمعت أمي بترد عليه بكلمتين.
وبعدين سكتوا.
الصبح، الهوا كان هدي.
صحيت لقيت أبويا في البلكونة بيسقي الزرع كأن مفيش حاجة حصلت.
وأمي في المطبخ بتحضر الفطار.
فول، عيش، جبنة، وشوية من أكل امبارح سخنتهم عشان ميترموش.
كل حاجة طبيعية جدًا.
كأن السفرة امبارح مكانتش على وشك تنفجر.
منى مخرجتش من أوضتها.
أما محمود فكان واقف في البلكونة، مسنود على السور، بيدخن سيجارة ورا سيجارة.
روحت وقفت جنبه.
محمود.
بص لي.
قلت
ناوي تعمل إيه؟
طفى السيجارة في طفاية صغيرة جنب الزرع.
هعمل إيه يعني؟ أبوكي قال كلمته.
قلت باستغراب
أبويا؟ مش أبوك إنت كمان؟
اتنهد.
قصدي بابا يعني.
سكت شوية، فسألته
امبارح لما منى كانت بتقول الكلام ده