بيت العيله
بيعيط.
قال
هو… هو ليه مقاليش؟
أمي ردت
عشان ميفضلكش جميل في رقبتك.
سكتت شوية.
وبعدين مدت له ورقة أخيرة.
بس ساب لك دي.
محمود فتحها.
كانت بخط أبويا.
قرأ أول سطر.
وبعدها إيده بدأت تترعش.
خدت الورقة منه.
وكان مكتوب
يا محمود، البيت اللي مراتك كانت خايفة فلوسه تتبعزق، اتباع عشان أسدد غلطتك. أنا مش زعلان على البيت. البيت طوب، والفلوس بتتعوض. أنا زعلان إني ربيت راجل شاف أمه بتتهان على سفرة وسكت.
محدش فينا نطق.
آخر سطر كان
لو عايز ترد لي الدين، متردش فلوس. رد لأمك عمرها اللي ضاع في خدمتكم.
محمود غطى وشه بإيديه.
ومنى بدأت تعيط.
أما أمي…
فبصت ناحية الكنبة الفاضية.
وقالت
أبوكم طول عمره قلبه كان قاسي في كلامه…
وسكتت.
وبعدين نزلت دموعها لأول مرة قدامنا.
بس عمره ما كان قاسي علينا.
وهنا…
عرفنا إن تقسيم البيوت مكنش نهاية الحكاية.
كان آخر درس أبويا حاول يديهولنا قبل ما يمشي.
الجزء الثالث والأخير
بعد موت أبويا، حياتنا كلها اتغيرت.
أمي كان قدامها ست شهور وتسيب البيت القديم.
وأنا كنت متأكدة إنها هتيجي تعيش معايا.
لكنها رفضت.
قالت
أنا مش هتنقل من بيت ولد لبيت ولد كأني شنطة.
منى قالت لها
طب تعالي عندنا يا طنط.
أمي بصت لها بابتسامة هادية.
شقتكم صغيرة يا بنتي. ربنا يهنيكم بيها.
أحمد قال
طب أنا هاخد الشقة الصغيرة وأسيب لك الكبيرة.
رفضت برضه.
اللي أبوكم قسمه ميتغيرش.
سألتها
طب هتعملي إيه؟
قالت
هأجر لي شقة صغيرة.
ضحكت من الصدمة.
تأجري؟ وإنتِ عندك ولدين كل واحد عنده شقة؟
قالت
أيوه.
وبعدين قالت جملة فضلت فاكرها
ساعات الواحد لازم يعيش لوحده شوية عشان يعرف هو كان عايش لنفسه ولا للناس.
بعد شهرين، أمي أخدت شقة إيجار صغيرة.
أوضة وصالة.
في دور تالت من غير أسانسير.
أول يوم دخلناها، أنا عيطت.
قلت
ماما… البيت القديم كان أحسن.
قالت
بس البيت ده بتاعي أنا.
تقريبًا لأول مرة في حياتها، اشترت ستاير على ذوقها.
كنبة صغيرة لونها فاتح.
طقم كوبايات محدش مسموح يشرب فيه غيرها إلا لما تحب.
حتى التليفزيون حطته في المكان اللي هي عايزاه.
محدش قال لها
غيري القناة.
وطي الصوت.
اعملي شاي.
فين الأكل؟
منى كانت بتجيلها كتير.
في البداية كنت فاكرة ده بسبب تأنيب الضمير.
لكن مع الوقت، حسيت إنها فعلًا اتغيرت.
بقت لما تدخل على أمي، تجيب معاها حاجة.
حتى لو بسيطة.
فاكهة.
كيكة.
ورد.
وأحيانًا تيجي من غير حاجة وتقعد معاها.
في يوم قالت لها
يا طنط… أنا كنت قليلة الأدب معاكي.
أمي قالت
حصل خير.
منى هزت راسها.
لأ، محصلش خير.
وقالت وهي بتعيط
أنا اتربيت إن مرات الابن لازم تمسك البيت من إيد حماتها قبل ما حماتها تمسكها هي.
أمي كانت طول عمرها تقول لي لو سكتّي، هيصرفوا فلوس جوزك على إخواته.
دخلت بيتكم وأنا مستعدة لحرب محدش أصلًا كان بيحاربني فيها.
أمي مدت إيدها ومسكت إيدها.
كل بيت غير التاني يا بنتي.
منى قالت
عارفة.
وبصت لها.
عرفت متأخر.
أما محمود…
فهو كان أكتر واحد اتغير.
ساب مشروع التجارة نهائيًا.
وباع عربيته.
وسدد كل قرش كان واخده من أمي على قد ما قدر.
لكن أمي كانت بترفض.
في يوم حط لها ظرف فيه فلوس.
قالت
خدهم يا ابني.
قال
دي فلوسك.
مش عايزاهم.
بس أنا مدين لك.
أمي ردت
أبوك قال لك رد لي عمري؟
محمود سكت.
قالت
يبقى اقعد معايا نص ساعة من غير ما تبص في موبايلك.
ضحك وهو بيعيط.
وقعد.
ومن اليوم ده، بقى يروح لها كل يوم جمعة.
مش عشان ياكل.
هو اللي كان بيطبخ لها أحيانًا.
وأول مرة دخل المطبخ يعمل لها غدا، حرق الرز.
أمي فضلت تضحك عليه لدرجة دموعها نزلت.
أنا كنت واقفة عند الباب ببص عليهم.
وحسيت إن أبويا لو كان موجود…
كان هيبقى مبسوط.
عدت سنة.
وفي يوم، جالي اتصال من واحد اسمه عم حسين.
كان صاحب أبويا من أيام الشغل.
قال لي
سارة، فيه حاجة تخص والدك لازم أديها لكم.
تقابلنا.
طلع لي مفتاح.
ومظروف صغير.
قال
أبوكي سلّمني دول قبل ما يتوفى بحوالي شهر.
قلت
مفتاح إيه؟
قال
روحي العنوان المكتوب وهتعرفي.
رجعت ناديت إخواتي وأمي.
ورحنا كلنا.
العنوان كان لعمارة جديدة نسبيًا في منطقة هادية.
طلعنا الدور الرابع.
المفتاح فتح شقة.
دخلنا.
كانت فاضية.
لكن نضيفة جدًا.
ثلاث أوض وصالة واسعة.
أمي وقفت عند الباب.
قالت
إحنا جايين هنا ليه؟
فتحت الظرف.
وكان فيه عقد.
العقد باسم…
فاطمة جلال عبد الرحيم.
أمي.
قريت مرة.
واتنين.
مش مصدقة.
قلت
ماما… الشقة باسمك.
أمي قعدت على أقرب كرسي.
محمود قال
بابا اشتراها إمتى؟
عم حسين اللي كان معانا قال
من أربع سنين.
بصينا له كلنا.
قال
الحاج جلال كان حاطط فلوس مكافآت وودايع، واشترى الشقة دي بالتقسيط.
أمي قالت
وليه مقاليش؟
عم حسين ابتسم.
كان بيقول عايز أعمل لفاطمة بيت عمرها ما حد يقول لها فيه إنتِ بتصرفي ليه، وإنتِ اشتريتي إيه.
أنا مقدرتش أمسك نفسي.
عيطت.
منى بصت في الأرض.
ومحمود خرج للبلكونة.
أمي فضلت قاعدة ساكتة.
وبعدين قالت
الراجل ده كان بيخبّي عني كتير أوي.
عم حسين ضحك.
كان مخبي لك كمان رسالة.
فتحناها.
خط أبويا.
يا فاطمة، لو قريتي الورقة دي وأنا مش موجود، متزعليش إني خبيت عليكي. طول عمرك كل حاجة معاكي كانت للبيت والعيال. مرة واحدة بس كنت عايز يبقى عندك حاجة ليكي إنتِ.
أمي حطت إيدها على بقها.
كملنا
الشقة دي ملكك. متكتبيهاش لحد. متبيعيهاش عشان ولد. متدخليش جمعية عشان حفيد. ومتديش مفتاحها لحد إلا لما تكوني إنتِ عايزة.
منة ضحكت وسط دموعها.
وأنا كملت آخر سطر
ويا فاطمة… لو نفسك في الجمبري، اشتري اتنين كيلو.
أمي انفجرت في العياط.
وإحنا كلنا عيطنا معاها.
حتى محمود، اللي كان واقف في البلكونة، لف وضهره لينا عشان محدش يشوفه.
بعد شهر، أمي نقلت للشقة.
وأول عزومة عملتها لينا…
عملت ملوخية.
ورقاق.
ولحمة.
وسمك.
وفي نص السفرة…
طبق كبير جدًا من الجمبري.
منى أول ما شافته، سكتت.
أمي لاحظت.
ابتسمت وقالت
مالك يا منى؟
منى ضحكت بخجل.
ولا حاجة يا طنط.
أمي زقت طبق الجمبري ناحيتها.
كلي.
منى أخدت واحدة.
وبعدين قالت
الكيلو بكام دلوقتي؟
السفرة كلها سكتت ثانية.
منى بصت لنا.
وبعدين انفجرت في الضحك.
بهزر والله!
ضحكنا كلنا.
حتى أمي.
ومحمود أخد واحدة جمبري وحطها في طبق أمه.
وقال
كلي إنتِ الأول.
أمي بصت له.
الجملة بسيطة جدًا.
لكن عينيها اتمليت دموع.
لأن طول عمرها كانت هي اللي بتحط للناس الأكل.
يمكن كانت دي أول مرة حد يقول لها
إنتِ الأول.
بعد العشا، خرجنا كلنا.
أنا اتأخرت شوية.
رجعت آخد شنطتي، فلقيت أمي واقفة في البلكونة لوحدها.
كانت باصة للسما.
وقفت جنبها.
قلت
بتفكري في بابا؟
ابتسمت.
جلال كان غلس.
ضحكت.
جدًا.
قالت
وعصبي.
جدًا.
وعنيد.
جدًا جدًا.
سكتت.
وبعدين قالت
بس عمره ما خلاني أحس إني لوحدي.
مسكت إيدها.
قالت
تعرفي يا سارة، الست ساعات تعيش عمرها كله مستنية كلمة شكر.
وأنا أبوكي عمره ما كان بيعرف يقول كلام حلو.
بصت جوه الشقة.
على أولادها.
ومراتاتهم.
وأحفادها.
وبعدين كملت
بس طلع سايب لي كلمة شكر على هيئة بيت كامل.
قبل ما أمشي، لمحت حاجة معلقة جنب باب المطبخ.
كانت المعلقة القديمة بتاعة أبويا.
اللي حطها جنب طبقه يوم الخناقة.
أمي احتفظت بيها.
سألتها
محتفظة بالمعلقة دي ليه؟
قالت
عشان أفكر نفسي إن في يوم كلمة واحدة وقفِت ناس كتير عند حدهم.
وبعدين ضحكت.
وعشان لو مرات أخوكي سألتني كيلو الجمبري بكام تاني، أعرف أتصرف.
صرخت من الصالة منى
والله ما هسأل تاني يا طنط!
ضحكنا كلنا.
وكان دي أول مرة من بعد وفاة أبويا…
أحس إن البيت رجع فيه روح.
أبويا كان مات.
والبيت القديم اتباع.
والعيلة اتفرقت في بيوت مختلفة.
لكن الغريب…
إن بعد ما كل واحد بقى له بيته…
إحنا لأول مرة بقينا عيلة بجد.
النهاية.