غيرنا الخطط وهنخرج نتعشى برا
الجزء الثالث
أول حاجة لازم تعرفيها.. تيتا لم تكن فقط تعرف أنكِ
ستبقين في البيت.. هي كانت تعتزم الأمر من الأساس.
قلبي انقبض
يعني إيه؟
يعني لما طلبت منكِ تعملي العزومة عندك، كانت عارفة من البداية إنها هتغير المكان.. وإنكِ هتكوني في البيت لوحدكِ.
لم أستطع استيعاب الكلام فوراً
وليه؟ ليه تعمل كده؟!
عشان اجتماعها في المطعم ده كان لشخص محدد.. شخص ما كانتش عاوزة يشوفه هنا.. ولا حتى يعرف إنه موجود في نفس المكان اللي أنتِ فيه.
سكت شريف لحظات كأنه يجمع شجاعته ثم قال
السيدة اللي كانت معاها في المطعم.. اسمها نادية.
اسم غريب لا أعرفه.. لكن وقع في أذني كصوت حجر يسقط في بئر عميقة
ومين دي؟
تردد شريف ثم قال بصوت بالكاد أسمعه
كانت صديقة بابا.. من قبل ما يتعرف على ماما.
شعرت ببرودة غريبة تسري في جسدي كله
وبابا.. هو كان يعرفها؟
أكيد.. وأكتر من كده يا داليا.. نادية دي ليها ارتباط ببابا بشكل مش عادي.. وبسر كبير كان بينهم، توفى بابا وما أخبر به أحد غيري أنا.
اقترب شريف أكثر وكأنه يخشى أن يسمعنا أحد
قبل ما ېموت بابا بيومين.. دعاني لغرفته وقعد معايا وقالي كلام غريب.. قالي يا شريف، لو حصل أي حاجة وأنا مشيت، احفظ سر نادية.. واعرف إنها ليها حق في كل ما أملك زي ما ليكم أنتم.
حدقت فيه بلا فهم
حق؟ إيه يعني حق؟ هي قرابتنا؟
مش قرابة ډم يا داليا.. لكنها أقرب من كده بكتير.. وهي السبب الحقيقي في الخلاف اللي كان بين بابا وماما طول السنين.. واللي ماما كانت پتخاف منه يطلع للنور أبداً.
بدأت الصورة تتشكل ببطء مخيف في ذهني.. أمي التي عشت أخدمها وأرضيها طوال عمري لم تكن تكرهني فقط لأنني نكدية.. كانت تكرهني لأنني أذكرها بمنافسة طالتها طوال حياتها.. وربما أكثر.
وأنتَ عرفت كل ده وسكت؟! صړخت بصوت مرتجف.
كنت وعدت بابا.. وكنت خاېف على البيت يتفرق.. وخاېف عليكِ ټجرحي.. بس النهاردة شفتها بتكذب عليكي وتشوه سمعتك قدام الكل.. فعرفت إن الصمت ده غلط تاني.
في تلك اللحظة سمعنا صوت الباب يفتح.. ودخل طارق بوجه متغير، ومعه ورقة مطوية بيده.
الجزء الرابع
داليا.. لازم أتكلم معاكِ دلوقتي حالاً. قال طارق وهو ينظر لي بعينين مليئتين بالقلق.
تقدمت منه وأنا ما زالت في حالة صدمة
في إيه يا طارق؟
مد لي الورقة وقال
دي وصلتني من صديق يعمل في مصلحة الأحوال المدنية.. طلب مني أديهالك
بنفسي ويقولك إنها وثيقة رسمية وموثقة.
فتحت الورقة بيدين مرتجفتين.. وقرأت الكلمات ببطء.. ثم قرأتها مرة أخرى.. ولم أصدق ما تراه عيناي.
وثيقة ميلاد.. اسم الأم نادية عبد الرحمن.. اسم الأب كمال الدين.. اسم المولودة داليا كمال الدين.
سقطت الورقة من يدي وكأنها تحترق.. طارق أمسك بكتفي
داليا.. اسمعيني.. أنا لم أصدق في البداية.. بس بحثت وتأكدت.. هدى.. أمك التي ربيتكِ.. هي خالتك الكبرى.. ليست والدتك الحقيقية.
عالمي كله انهار في تلك اللحظة.. كل شيء.. كل تضحية.. كل شعور بالذنب والواجب.. كل كلمة يا ماما قلتها طوال 38 سنة.. كانت موجهة لامرأة لم تكن أمي أصلاً.
شريف اقترب مني وهو يبكي
أنا عرفت من زمان.. بابا قال لي قبل ما ېموت.. قال إنك بنت نادية.. وأن هدى رفضت تسلمكِ.. ورفضت تعترف بوجود أمك الحقيقية.. وسطت عليكِ باعتبارك بنتها.. عشان تورث كل حاجة بدلاً منكِ.
دموعي تجمدت في عيني
وليه.. ليه تعمل فيا كده؟!
لأن نادية كانت تمتلك نصاً من ميراث أبوكم.. وبموتها انتقل كل حقها ليكِ أنتِ.. هدى كانت خاېفة تفضح الحكاية فيسقط كل شيء من إيدها.. فقررت تحبس الحكاية كلها.. وتعاملكِ كبنتها.. وتبقيكِ تحت سيطرتها طول العمر عشان ما تعرفي الحقيقة أبداً.
تذكرت كل شيء الآن.. لماذا كانت دائماً تنظر لي بنظرة غريبة.. لماذا كل ما أبدعت أو نجحت كانت تقلل مني.. لماذا لم تكن تحب أن أكون محبوبة من الناس.. لم تكن أمّاً تغار على ابنتها.. بل كانت امرأة تمسك بكنز لا يخصها، وتخاف أن يسترد منها يوماً.
وطوال السنين دي.. وهي بتعاملني كخادمة عندها.. وتأخذ مجهودي وطاقتي.. وتنسب كل حاجة لنفسها.. وتقول للناس إنني مريضة عشان لو تكلمت حد ما يصدقني..
كلماتي انقطعت وبكيت بصوت لم أسمعه من نفسي من قبل.. بكيت طفولتي التي سُلبت.. وشبابي الذي أُهدر.. وحبي الذي أُعطي لمن لا يستحقه.
وفجأة.. سمعنا صوتاً من الباب.. صوت رقيق مهتز يقول
سامحيني يا بنتي.. سامحيني لو عرفتِ متأخرة.
التفتنا جميعاً.. ووقفت هناك امرأة في أواخر الستينات، شعرها أبيض وعيناها تفيضان بالدمع.. وبمجرد أن نظرت إليها شعرت بشيء لا أستطيع وصفه.. دفء غريب.. واشتياق لم أعرفه قط.