ورث مراتي ج٣
اماني السيد
ما اتنططتش ولا فرحت، بالعكس.. نظرتها كانت نظرة القاضي اللي حكم بالنفاذ. سحبت العلبة، فتحتها وأتأكدت إن كل قطعة موجودة، وقفت وقالتلي بصوت واطي ومفهوم:— “كده الحساب الأولاني اتقفل يا معلم.. الفلوس والدهب رجعوا مكانهم. لكن عشان تصليح اللي اتكسر جوة البيت ده؟ قدامك مشوار طويل أوي.. وأول خطوة فيه إنك تنسى فكرة الورث دي تماماً، وتبدأ تشتغل وتعرف يعني إيه راجل بيصرف على بيته بحلاله، مش بالنذالة والخسة!
“سابتني واقف مسمار في المطبخ، ودخلت أوضتها، وأنا بقيت واقف في بيت فاضي، مفلس، ومكسور العين.. وعرفت إن اللي يلعب مع ست أذكى منه، لازم يدفع الثمن غالي ومن كرامه قبل جيبه!عدت الأيام، والشقة بقت زي قبر مقفول عليا.. الهدوء اللي فيها كان أشد وأقسى من كل الدوشة والمواليد اللي عملتها أمي وإخواتي.
بقيت أدخل البيت زي الغريب، أمشي على أطراف صوابعي، خايف أعمل أي صوت أو أفتح بوقي بكلمة. هي ما كانتش بتتخانق، ولا بترفع صوتها، ولا حتى بتكشر في وشي.. كانت بتعاملني ببرود أبرد من التلج، تجيب الأكل وتحطه قدامي بسكوت، وتنضف البيت بسكوت، ولما أطلب حاجة ترد على قد الكلمة بالضبط، ومن غير ما عيونها تتقابل مع عيوني.
الكسرة اللي حسيتها قدام أبو خطيبتي القديمة والدهب اللي أخدته بقلة قيمة كانت لسه بتأكل في قلبي، بس القهرة الأكبر كانت إني حاسس إني صغرت قدام نفسي.. بقيت حاسس إني عيل ملوش كلمة ولا قيمة في بيته. في يوم، قعدت على الكنبة في الصالة بعد ما رجعت من الشغل مهدود، وكانت هي طالعة من المطبخ ومقاطعة السكة.
ناديت عليها بصوت واطي ومكسور:— “يا بنت الحلال.. لحد إمتى هنفضل عايشين كدا؟ أنا أهو سمعت الكلام، ورجعت الدهب والشبكة، ونهيت موضوع الجوازة التانية خالص، وأمي وإخواتي مشيوا وما بقاش حد يدخل بيتك.. مش كفاية بقى العقاب ده؟”وقفت مكانها، وبصتلي بنظرة طويلة، خالية تماماً من أي مشاعر.. لا فيها غضب، ولا فيها حزن، ولا حتى شفقة.
قربت خطوات هادية، وقفت قدامي وهي ساندة إيدها على سفرة الصالة، وقالت بنبرة حاسمة:— “عقاب؟ أنت فاكر إن اللي بيحصل ده عقاب يا معلم؟ لأ أنت فاهم غلط.. أنا مش بعاقبك، أنا بس بقيت بتعامل معاك على قد حجمك الجديد عندي. أنت كنت فاكر إنك لما تسلّط عليا أهلك، وتخنقني في بيتي، وتستغفلني عشان تاخد ورثي تجوز بيه واحدة تانية.