تحليل قلب حياتي

دخلت مكتب الحاج فريد وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
كان قاعد ورا مكتبه الكبير، رجل في أواخر الستينات، ملامحه جامدة وهيبة السنين باينة في عينيه.
حطيت قدامه التليفون.
قبل ما تحكم عليا شوف الفيديو ده.
شغلت التسجيل.
فضل ساكت.
كل كلمة قالتها سعاد كانت بتوصل له كأنها ضربة.
التانية م تهمنيش مرات ابني لما ييجي وقتها هبقى أتصرف معاها.
وشه بدأ يتغير.
ولما انتهى الفيديو، رفع عينيه ليّ.
إنتِ متأكدة إن نتيجة التحليل دي صحيحة؟
طلعت الورقة وحطيتها قدامه.
عملتها في معمل خاص، وبسرية كاملة.
قرأها مرة.
وبعدين مرة تانية.
إيده بدأت ترتعش.
يعني حازم مش ابني؟
هزيت راسي.
ده اللي التحليل بيقوله.
فضل ساكت ثواني طويلة.
وفجأة قال
سعاد لازم تيجي هنا.
بعد أقل من ساعة، دخلت سعاد المكتب مع حازم.
أول ما شافتني واقفة جنب المكتب، وشها اتقلب.
لكن فريد ما اداهاش فرصة تتكلم.
حط نتيجة التحليل قدامها.
إيه ده يا سعاد؟
اتجمدت مكانها.
حازم قرب من الورقة.
دي نتيجة إيه؟
فريد رد بصوت منخفض لكنه كان أخطر من الصراخ
نتيجة تحليل DNA.
حازم قرأ أول سطر.
وبعدين بص لأبوه.
يعني إيه؟
فريد رفع عينيه لسعاد.
يعني إنك مش ابني.
سعاد انهارت على الكرسي.
فريد اسمعني.
هسمعك.
سكتت.
بس المرة دي من غير كذب.
حازم بص لها.
ماما؟
كانت بتبكي ومش عارفة تنطق.
فريد ضرب بإيده على المكتب.
ابني مات صح؟
سعاد رفعت وشها بسرعة.
والصمت اللي حصل بعدها كان كفاية إنه يجاوب.
حازم اتراجع خطوة.
إيه اللي بيقوله؟
فريد كمل
أنا فاكر يوم ولادتك يا حازم. فاكر إن سعاد خرجت من المستشفى وهي منهارة. قالت لي إن الطفل مات.
سعاد بدأت تهز راسها وهي بتعيط.
أنا كنت خايفة!
خايفة من إيه؟
قالتها وهي بتختنق من البكاء
خايفة إن كل اللي بنيته يضيع.
فريد قرب منها.
اتكلمي.
سعاد مسحت دموعها.
الدكاترة قالولي إن الطفل مات بعد الولادة.
حازم شهق.
أنا؟
كان ابني أنا ابني الحقيقي.
صمتت لحظة، ثم قالت
بس بعد وفاته عرفت إن إخواتك كانوا مستنيين موت أبوك عشان يدخلوا في الميراث والشركات.
فريد اتجمد.
إيه علاقة ده بولادك؟
كنت عارفة إن لو ابني مات أنت هتعيش بعدها من غير وريث مباشر. وأنا كنت عارفة إن إخواتك هيطالبوا بحقهم في أملاكك.
بصت لحازم.
فأنا عملت حاجة غلط حاجة فضلت أخبيها خمسة وثلاثين سنة.
حازم كان وشه أبيض.
عملتي إيه؟
سعاد غمضت عينيها.
في نفس اليوم كان فيه طفل تاني اتولد في المستشفى طفل أهله رفضوا استلامه بسبب ظروفهم، وكان لسه موجود تحت رعاية المستشفى.
فريد قال بصوت مخنوق
إنتِ بدّلتي الأطفال؟
هزت راسها.
أيوه.
حازم وقع على الكرسي.
يعني أنا مش ابنك؟
فريد رد
أنت مش ابني بالدم لكنك عشت ابني خمسة وثلاثين سنة.
سعاد انفجرت في البكاء.
أنا ما كنتش عايزة أؤذيك! كنت عايزاك تفضل ابني وكنت عايزة أحمي مستقبلك.
فريد بص لها بصدمة
حميتي مستقبله؟
ثم أشار إلى نتيجة التحليل.
ولا حميتي نفسك من خسارة السلطة والفلوس؟
لم ترد.
أنا كنت واقفة ساكتة.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد.
والطفل الحقيقي مات فعلًا؟
سعاد رفعت عينيها لي.
أيوه.
وعندك إثبات؟
هنا فريد تدخل.
هنعرف.
أخرج هاتفه واتصل بمدير المستشفى القديم.
عايز كل سجلات الولادة اللي كانت موجودة في اليوم ده حتى لو محتاجين نفتش الأرشيف كله.
وبعد ساعات من البحث، ظهرت الحقيقة الأغرب.
سجل المستشفى أثبت إن طفل سعاد بالفعل توفي بعد الولادة.
لكن الطفل الذي أخذته سعاد لم يكن مجهول النسب كما ادعت.
كان له ملف كامل.
وكانت هناك عائلة تبحث عنه منذ خمسة وثلاثين عامًا.
سعاد كانت تعرف ذلك.
وفجأة فهمت أنا ليه كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان تمنع ظهور نتيجة ال.
هي لم تكن تخاف فقط من خسارة حازم لميراثه.
كانت تخاف من انكشاف جريمة قديمة.
فريد طلب حضور المحامي فورًا.
وبص لحازم وقال
من النهارده، كل حاجة هتتوقف لحد ما نعرف الحقيقة كاملة.
حازم بص لي.
كانت عينيه مليانة صدمة وندم.
ندى
ما رديتش.
أنا ظلمتك.
فضلت ساكتة.
أمي قالتلي إنك بتكدبي وأنا صدقتها.
بصيت له لأول مرة.
أنا مش محتاجة اعتذار دلوقتي.
أمال محتاجة إيه؟
رديت بهدوء
الحقيقة.
في اللحظة دي دخل المحامي بسرعة.
وفي إيده ملف قديم.
حطه قدام فريد.
الحاج فريد لقينا مستند تاني.
فتح الملف.
وبعد ثواني، تغيرت ملامحه.
إيه ده؟
المحامي قال
فيه ورقة تثبت إن الطفل اللي أخذته سعاد من المستشفى كان له قريب حي، وكان من حقه قانونيًا يبحث عنه.
سعاد صرخت
لا!
فريد رفع عينيه إليها.
لسه بتقولي لا؟
المحامي وضع ورقة أخرى على المكتب.
وفيه حاجة أخطر.
الجميع سكت.
الطفل اللي سعاد أخدته له عيلة معروفة، وأحد أفراد العيلة دي موجود لحد النهارده.
حازم سأله
مين؟
المحامي بص لفريد.
هو موجود في القاهرة.
ثم وضع صورة قديمة فوق المكتب.
بصيت للصورة
واتجمدت مكاني.
لأن الرجل اللي فيها
كنت أعرفه.
وكان آخر شخص في الدنيا ممكن أتوقع إن له علاقة بالموضوع.
رفعت عيني لفريد.
ده
فريد قال بصوت مرتعش
أيوه.
ثم نظر إلى حازم.
الشخص ده هو المفتاح الوحيد لمعرفة مين أنت أصلًا.
سعاد بدأت تصرخ
محدش يقرب منه! محدش يكلمه!
فريد وقف لأول مرة بعنف.
إنتِ سكتّي خمسة وثلاثين سنة.
ثم أشار للشرطة التي كانت قد وصلت إلى المكتب بعد بلاغ الخطف.
المرة دي هتتكلمي.
سعاد انهارت.
أما أنا
فخرجت من المكتب وأنا عارفة إن قصتي مع العيلة دي لسه م خلصتش.
لأن الحقيقة الجديدة كانت أخطر من كل اللي اكتشفته.
أنا كنت فاكرة إني اكتشفت إن حازم مش ابن فريد.
لكن اللي ما كنتش أعرفه
إن السؤال الحقيقي لم يكن
مين أبو حازم؟
كان
مين هو حازم

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *