قبضت جمعيه ١٠٠ الف جنيه ج١
منى السيد
والناس كلها عارفة.. هيقولوا عليا إيه لو اتفسخت دلوقتي؟ هيقولوا معيوبة؟ هيقولوا كبرت وعنست؟
بابا مسك وشي بين إيديه الخشنين اللي شقيوا عليا، وبص في عيني بصرامة ما شفتهاش منه قبل كده يقولوا اللي يقولوه يا نهى! جزمة بنتي برقبة أي حد يتكلم! الناس هتتكلم تلات أيام ويسكتوا، لكن لو رميتي نفسك في التهلكة دي ودخلتي البيت ده وانتي مكسورة، هتعيشي تلاتين سنة مدفونة بالحيا! الراجل اللي يبدأ حياته معاكي بالطمع واللوي دراع، بكرة لما تتقفل عليكم باب شقة هياخد منك قرشك بالعافية وهيذلك على لقمة عيشك! الفلوس دي شقاكي وعرقك، ولا هو ولا أمه ولا حتى أنا ليا حق أمد إيدي على جنيه واحد منها!
كلام بابا نزل على قلبي زي المية الباردة على حريق. سألته طب هعمل إيه بكرة؟ هو قايلي هيجيلي المحل الساعة اتناشر عشان ياخد الفلوس.
بابا ابتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة فيها ثقة وتحدي سيبيه يجي.. وماتفتحيش بوقك بكلمة. نامي دلوقتي يا بنتي، وريحي بالك.. بكرة ربنا هيعمل اللي فيه الخير، وأنا معاكي ومش هسيبك ثانية واحدة.
تاني يوم، صحيت الصبح وجسمي كله مهدود كأني كنت في معركة. نزلت المحل الساعة تسعة، كنت بحاول أركز في الشغل وفي الزباين، بس كل دقيقة عيني كانت بتروح على عقارب الساعة اللي بتجري ناحية الساعة اتناشر. الفلوس ما كنتش خدتها معايا طبعاً، سبتها في البيت تحت عين بابا.
الساعة حداشر وخمسة وأربعين دقيقة، لقيت طارق داخل المحل. كان لابس قميص جديد، ورابط شعره بجيل، ولابس النضارة الشمس، وماشي بخطوات واثقة كأنه داخل يستلم أرباح شركة هو شريك فيها. بصلي وابتسم ابتسامة النصر، الابتسامة اللي بتقول شوفتي بقى إنك ملكيش غيري وإنك هتسمعي الكلام.
قرب من الكاشير اللي كنت واقفة وراه، وقال بصوت واطي ومسبسب صباح الخير يا قمر.. عاملة إيه النهاردة؟ إن شاء الله تكوني رايقة وهادية كده زي ما أنا شايفك؟
بصيتله بجمود تام عايز إيه يا طارق؟
كشر حاجبيه بخفة وقال عايز إيه إزاي؟ إحنا مش متفقين؟ الأمانة جاهزة؟ عشان الصنايعية مستنيني في الشقة ومعايا عربية نص نقل رايحة تجيب السيراميك والدهانات.
فتحت بقي عشان أرد، وأقوله الفلوس مش معايا، لكن قبل ما أنطق بحرف، سمعت صوت فتحة باب المحل، والجرَس اللي فوق الباب رن. بصيت.. ولقيت المفاجأة اللي خلت طارق يتسمر مكانه وتطير من وشه كل علامات الثقة.
بابا داخل المحل.. ومش لوحده! كان معاه عمي الكبير الحاج إبراهيم، وخالي عصام.. الاتنين كبار العيلة، والاتنين ليهم هيبة تقطع المية والنور. بس الصدمة الأكبر ما كانتش فيهم.. الصدمة كانت في الست اللي دخلت وراهم، بتجري وتنهج وشكلها متوتر جداً.. حماتي! أم طارق!
طارق رجع خطوة لورا، وعينه وسعت بذهول وبص لأمه وقال بربكة ماما؟! إيه اللي جابك هنا؟ وفين بابا؟ وإيه الجمع ده؟!
بابا قرب بخطوات هادية ووقف قدام طارق، بينما عمي وخالي وقفوا وراه سادين باب المحل تقريباً. حماتي كانت واقفة وشها جايب ألوان، بتبص للأرض ومش قادرة تحط عينها في عين بابا.
بابا بص لطارق بمنتهى البرود وقال أهلاً يا عريس.. مامتك كانت بتشرب معانا شاي في بيتنا من نص ساعة، ونزلنا سوا وجينا على هنا عشان نعمل الحسبة اللي إنت جيت تقبضها بنفسك.
طارق بدأ يعرق، ووشه بقى شاحب زي الأموات ح.. حسبة إيه يا عمي؟ هو في إيه بالظبط؟ نهى، إنتِ حكيتي إيه؟!
بابا خبط بإيده خبطة خفيفة على ترابيزة الكاشير، صوتها كان كافي يرعب المحل كله نهى ما حكتش إلا الأصول اللي إنت وأمك نسيتوها! بنتي مش لحمة رخيصة، ولا جاية من الشارع عشان تبتزها بكسر التلاتين وتلوي دراعها بفسخ الخطوبة عشان تنهب شقاها وتشطب بيه شقة أبوك!
حماتي اتكلمت بصوت مرتعش بتحاول تلم الموضوع يا حاج أحمد صلي على النبي بس، إحنا كنا بنهزر والولية عشم.. يعني العشم ما يفسدش للود قضية..
عمي إبراهيم قاطعها بصوت جهوري هز أركان المحل هزار وعشم؟! لما تقولي لبنتنا إوعي تقولي لأبوكي عشان ما تهزيش صورة ابني، وتبعتي ابنك يهددها بفسخ الجوازة ويفضحها، ده تسموه هزار وعشم في عرف مين؟! إنتوا فاكرين بنات الناس ملهمش أهالي يكسروا رقبة اللي يفكر يدوس على طرفهم؟!
الزباين اللي كانوا في المحل بدأوا يبصوا، وصاحب المحل طلع من مكتبه مخضوض، بس لما شاف بابا وعمي وعلم بالموضوع من النظرات، انسحب باحترام وسابنا نقفل الحساب.
طارق لقى نفسه محاصر، الوش الحنين والواثق راح خالص، وطلع وشه الحقيقي، وش المستقوي لما بيتحشر في زاوية. بصلي بحقد وعينه بتطق شرار وقال بقى كده يا نهى؟ دخلتي أهلك في وسطينا؟ فضحتيني وجيبتي كباراتك عشان مية ألف جنيه؟! ده إنتِ طلعتي ناكرة للجميل، وأنا اللي كنت راضي بيكي وبسنك وكنت هلمك وأسترك!
أول ما نطق الكلمة دي، بابا ما استحملش، رفع صباعه في وش طارق وكان هيمد إيده، بس خالي مسكه. أنا بقى في اللحظة دي، حسيت بقوة غريبة دخلت قلبي.. الخوف اللي كان كابس على نفسي طول الليل اتبخر. حسيت إني لأول مرة شايفة طارق بحجمه الحقيقي.. قزم.. قزم مادي وحقود ومعقد.
طلعت من ورا الكاشير، ووقفت قصاده بالظبط، وبصيت في عينه من غير ما يتهز مني رمش تسترني من إيه يا طارق؟ إنت