قبضت جمعيه ١٠٠ الف جنيه ج١

منى السيد

إنتِ.. إنتِ طالعة عينك ماسكة في الفلوس كأنها حتة من كبدك! هو أنا مش جوزك المستقبلي؟! هو أنا مش اللي هستتك؟!
مسكت راسي وحسيت إن الشرايين في صدغي هتفرقع من الضغط تستتني بإيه يا طارق؟! تستتني بمرتبك اللي ما بيكفيكش سجاير ومواصلات؟! هو أنا عمري فتحت بقي؟ عمري عايرتك؟ عمري جيت قولتلك إنت ليه ما بتفسحنيش ولا ليه ما بتجيبليش هدية في المناسبات زي بقية البنات؟! كل ده كنت بلعاه وبقول راجل بيعافر والظروف صعبة، لكن توصل لدرجة إنك تمد إيدك على شقايا وتعتبره حق مكتسب ليك ولمامتك، وتكذبوا وتقولوا وافقت؟!
طارق سكت خالص.. الصمت بتاعه ما كنش ندم، كان صمت واحد بيفكر إزاي يلف الحبل حوالين رقبتي أكتر. وبعدين قال بنبرة واطية مسمومة بصي يا نهى.. من الآخر كده. الصنايعية بتوع السيراميك والنقاشة واقفين على الباب. والشقة واقفة على تسعين ألف جنيه مصاريف خامات ويوميات. لو الفلوس دي ما نزلتش في حسابي بكرة الصبح، الشقة هتتقفل بالضبة والمفتاح، والفرح اللي متحدد كمان شهرين ده.. انسي إنه يتعمل، ومش بس هيتأجل، ده هيتلغي خالص.. ووريني بقى شكلك هيبقى إيه قدام قرايبك وصاحباتك وأنتِ مفسوخة قبل الفرح بشهرين، وانتي كاسرة التلاتين!
الجملة نزلت عليا زي جردل مية مغلية. وانتي كاسرة التلاتين! الكلمة دي.. المعايرة دي.. هو عارف كويس إني كنت بضايق لما حد من طنطات العيلة يلمح بيها، كان عارف نقطة ضعفي، عارف خوفي المدفون من نظرة المجتمع للبنت اللي سنها بيكبر من غير جواز، جه وضغط عليها بكل قسوة وبكل خسة، عشان يلوي دراعي ويسحب مني شقى سنيني وأنا ساكتة وببوس إيده كمان.
لساني اتشل.. معرفتش أرد بحرف. هو افتكر سكوتي ده استسلام وخضوع، فراح مكمل ببرود يغيظ الحجر أنا عارف إنك عاقلة وهتفهمي مصلحتنا فين.. بكرة الساعة اتناشر هعدي عليكي عند المحل، تكوني جهزتي الفلوس في كيس حلو كده، وأنا هروح أشتري البضاعة وأفك زنقتي.. سلام يا روحي.
قفل الخط. تيت.. تيت.. تيت.. الصوت كان بيرن في دماغي كأنه نقرات شاكوش في جمجمتي.
قعدت على الأرض قدام السرير، مش قادرة أطلع السرير تاني. بصيت للرزم الملفوفة بأستك، مية ألف جنيه.. يا الله.. دا كل ألف فيهم كان بساعات وقفة على رجلي في المحل، بمسح أرفف، بتعامل مع زباين تقال الدم بيبهدلوني وأنا ببتسم عشان صاحب المحل ما يخصمش مني.. كنت بوفر في أكلي وشربي، بطلت أشتري هدوم لنفسي من المحل اللي بشتغل فيه وبشوف الهدوم الحلوة بتتباع قدامي لغيري وأنا نفسي فيها.. كنت بركب أرخص مواصلة، وأمشي نص ساعة على رجلي في عز الحر وعز الشتا عشان أوفر جنيهات الجمعية، وفي الآخر أتحول لكيس فلوس بيتصادر بلي دراع وتهديد بالفسخ والمعايرة بسني؟!
دموعي نزلت، سخنة وبتحرق خدي. في اللحظة دي بالذات، الباب خبط خبطتين حنينين. مسحت دموعي بسرعة وحاولت أعدل صوتي مين؟ الباب اتفتح وظهر وش بابا، وشه الطيب اللي الزمان خطط فيه خطوط تعب سنين عشاني أنا وإخواتي. كان شايل كوباية شاي بالنعناع في إيده.
نهى.. لسه صاحية يا بنتي؟ شفت النور من تحت الباب قلت أجيبلك كوباية شاي تروق دمك بعد يوم الشغل الطويل ده. دخل بابا، وعينه أول ما نزلت، نزلت على الفلوس اللي على السرير.. وبعدين بص لوشي، وشاف عيني الحمر ووشي المخطوف.
حط الشاي على الكومودينو وقرب مني، قعد على الكرسي قصادي وبصلي بحنان يوجع القلب مالك يا ضنايا؟ في إيه؟ الفلوس دي اللي قبضاها؟ مش المفروض تبقي طايرة من الفرحة؟ إيه اللي مبكيكي كده؟
الكلمة خلت السد اللي كنت حابساه ينهار. رميت راسي في حجر بابا وقعدت أعيط بحرقة.. عياط واحدة كانت غرقانة ومش لاقية قشة. بابا فضل يطبطب على ضهري ويمسح على شعري وهو بيهديني بس يا حبيبتي.. اهدي واستغفري الله.. إيه اللي حصل؟ حد زعلك؟ طارق كلمك؟ قوليلي يا بنتي ده أنا أبوكي وسرك كله معايا.
افتكرت كلام حماتي في التليفون إوعي تقولي لأبوكي.. عشان شكل ابني مايتهزش قدام أهلك. ضحكت من بين دموعي بسخرية.. شكل ابنها؟! هي خايفة على شكل ابنها، ومش فارق معاها إنها تنهبني وتكسرني وتذلني؟! هو أبويا اللي أفنى عمره عشان يربيني ويكبرني ويسترني، يستاهل مني إني أخبي عليه وأطعنه في ضهره عشان خاطر واحد نرجسي وأمه؟
رفعت راسي، وبصيت في عينين بابا، وحكيتله كل حاجة. كل حرف.. من أول مكالمة حماتي وأمرها إني أدفع المية ألف ومقولش لحد، لحد مكالمة طارق، واتهامه ليا بالبخل، وتهديده بفسخ الخطوبة وإلغاء الفرح ومعايرته ليا بسني وكسري للتلاتين. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
طول ما أنا بحكي، كنت مراقبة وش بابا. ملامحه الطيبة الهادية بدأت تتصلب.. عروق جبهته برزت، وإيده اللي كانت ماسكة طرف الترابيزة اتقبضت لحد ما مفاصل صوابعه ابيضت. بابا راجل طيب ومسالم جداً، لكن لما بتيجي عند كرامة بناته.. بيتحول لجبل مابيهتزش.
لما خلصت كلامي وأنا بنهج، بابا فضل ساكت دقيقة كاملة. دقيقة كانت أطول من عمري كله. بعدها بصلي بصوت واطي جداً، بس فيه هيبة تخوف هو فاكرك مالكيش ضهر يا نهى؟
قلتله وأنا برتعش يا بابا أنا خايفة.. خايفة من الفضيحة، وخايفة من الناس، الفرح متحدد، والبطايق طبعناها،

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *