«أنا هتجوز أي واحدة من بناتك.» قالها الملك ويليام أشرف بمنتهى الهدوء، كأنه بيطلب فنجان قهوة، مش بيقرر مصير بنت من بنات أكبر عيلة في البلد. القاعة كلها سكتت. حتى صوت المعلقة اللي كانت بتخبط في فنجان الشاي وقف. فيكتور الديب، صاحب أكبر شركات مقاولات في القاهرة، فضل قاعد مكانه مش قادر يستوعب اللي سمعه. بص قدامه للراجل اللي كان اسمه لوحده كفاية يخلي رجال أعمال وسياسيين كبار يقوموا له من مكانهم. ويليام أشرف. راجل في أواخر التلاتينات، طويل، عريض المنكبين، لابس بدلة سودا بسيطة، من غير أي بهرجة. لكن هيبته كانت مالية المكان. مش محتاج يرفع صوته. نظرة واحدة منه كانت كفاية. فيكتور بلع ريقه وقال بسرعة: «طبعًا يا باشا… ده شرف كبير لينا.» ويليام رفع حاجبه. «أنا ما قلتش إنك توافق.» «أمال؟» «أنا قلت إني هتجوز أي واحدة من بناتك.» فيكتور اتعدل في قعدته. كان فاهم كويس إن الجوازة دي مش جوازة عادية. دي هتربط اسم عيلة الديب بأقوى راجل في البلد. صفقة تخلي نفوذهم يكبر عشر مرات. قام فيكتور بسرعة ونادى: «بناتي!» ثواني، ودخلت التلات بنات الكبار. نورا، وسارة، وداليا. التلاتة كانوا متجهزين من بدري. فساتين غالية، شعر متظبط، ومكياج كامل. نورا كانت أكبرهم، واثقة من نفسها لدرجة الاستفزاز. وقفت قدام ويليام وقالت بابتسامة: «أهلاً بحضرتك.» ويليام بص لها ثانيتين. «بتشتغلي؟» «عندي شركة ديكور.» هز راسه. «كويس.» سارة تقدمت. «وأنا دكتورة أسنان.» «كويس.» أما داليا فابتسمت بثقة وقالت: «وأنا بشتغل مع بابا في الشركة.» «كويس.» ثلاث مرات. كويس. بس. ولا ابتسامة. ولا انبهار. ولا حتى سؤال زيادة. فيكتور بدأ يتوتر. فقال بسرعة: «نورا معاها ماجستير من لندن، وسارة خريجة جامعة كبيرة، وداليا بتدير فرع من فروع الشركة لوحدها.» ويليام كان لسه ساكت. لحد ما عينه راحت بعيد عنهم. وراهم. عند باب البلكونة. هناك كانت واقفة بنت. مش شبههم. ولا حتى بتحاول تبان. كانت لابسة بنطلون جينز غامق، وبلوزة قطن واسعة، وفوقها كارديجان رمادي قديم شوية. شعرها البني مربوط بتوكة بسيطة. وفي إيدها صينية عليها فناجين قهوة. كانت بتحاول تتحرك على أطراف صوابعها عشان محدش ياخد باله منها. لكن ويليام أخد باله. بص لها شوية. وبعدين قال: «مين دي؟» الكل بص وراه. فيكتور اتنحنح. «دي؟» «أيوه.» «دي كلير.» سكت لحظة. وبعدين قال بنبرة مختلفة تمامًا: «آخر العنقود.» كلير أول ما سمعت اسمها، وطت عينيها. ويليام سأل: «آخر العنقود؟» «آه.» «ليه واقفة بعيد؟» فيكتور ضحك ضحكة قصيرة. «أصلها بتحب العزلة.» كلير قبضت إيدها على الصينية. فيكتور كمل: «يعني… مش اجتماعية أوي.» نورا ضحكت من جنبها. «دي مش اجتماعية خالص يا ويليام بيه.» سارة قالت: «أصلها غريبة شوية.» داليا ابتسمت بسخرية: «هي أصلًا مش بتعرف تتكلم قدام الناس.» ويليام بص لكلير. وبعدين قال: «عندها مشكلة في الكلام؟» فيكتور رد: «أيوه.» كلير رفعت عينيها للحظة. فيكتور كمل: «من وهي صغيرة وهي بتتلعثم. والدكاترة قالوا مفيش حاجة خطيرة، بس… يعني، الكلام عندها صعب.» ويليام ما ردش. فضل باصص لها. كلير كانت عايزة تختفي. كانت حاسة بنظراتهم كلها فوق وشها. حطت الصينية على الترابيزة وهمت تمشي. لكن صوت ويليام وقفها. «تعالي.» كلير وقفت. بصت وراها. «أنا؟» «أيوه. إنتِ.» نورا همست لأختها: «يا نهار أبيض.» سارة كتمت ضحكتها. كلير قربت بخطوات مترددة. وقفت قدامه. ويليام قال: «اسمك إيه؟» كلير حاولت ترد. «كـ… كـ…» اتوترت أكتر. فيكتور ضرب كف على كف بعصبية. «يا بنتي ما تتكلمي عدل!» وش كلير احمر. حاولت تاني. «كـ… كلير.» فيكتور زفر بضيق. «ما إحنا عارفين إن اسمك كلير! هو بيسألك عشان يسمع صوتك.» كلير وطت راسها. ويليام لف ببطء ناحية فيكتور. وصوته بقى بارد جدًا. «إنت بتتكلم معاها كده ليه؟» فيكتور اتلخبط. «أنا؟ لا طبعًا، أصل…» «أصل إيه؟» «أصل البنت محتاجة حد يشد عليها.» ويليام رجع بص لكلير. «بترجفي ليه؟» كلير ما ردتش. «خايفة مني؟» هزت راسها بسرعة. «لأ.» «أمال؟» بصت ناحية أبوها. ويليام فهم. وسكت. ثواني عدت تقيلة. وبعدين قال: «ابوكي مخوفك؟» كلير ما ردتش. بس عينيها قالت كل حاجة. فيكتور اتعصب. «كلير!» ويليام رفع إيده. «خليها.» وبعدين بص لكلير. «إنتِ عايزة تتجوزيني؟» القاعة كلها اتجمدت. نورا فتحت بوقها. سارة بصت لداليا. وفيكتور حس إن الأرض اتسحبت من تحته. كلير نفسها ما صدقتش السؤال. بصت لويليام. وبعدين لأبوها. وبعدين لأخواتها. إيدها كانت بتترعش. لكن لأول مرة، ما وطتش عينيها. رفعت راسها. حاولت تتكلم. الصوت خرج متقطع. «لـ… لأ.» فيكتور شهق: «إنتِ بتقولي إيه؟!» كلير فضلت ساكتة. ويليام كان لسه باصص لها. ملامحه ما اتحركتش. وبعدين قال: «ليه؟» كلير بلعت ريقها. «عـ… عشان…» صوتها وقف. ويليام استناها. «عشان إيه؟» كلير بصت لأبوها. وبصوت ضعيف قالت: «عشان… مش عايزة أبقى صفقة.» الصمت وقع على القاعة. ولا حد عرف يتكلم. ويليام فضل باصص لها. ولأول مرة من ساعة ما دخل البيت، ظهرت على وشه ابتسامة صغيرة. مش ابتسامة فرح. ابتسامة واحد لقى حاجة كان بيدور عليها. لف ناحية فيكتور وقال: «كويس.» فيكتور اتوتر. «كويس إيه؟» ويليام وقف. «أنا اخترتها.» فيكتور اتسمر مكانه. «مين؟» ويليام بص ناحية كلير. «كلير.» صرخة صغيرة خرجت من نورا: «إيه؟!» داليا قالت بانفعال: «بس دي مش مناسبة ليك!» سارة قربت من أبوها: «بابا، مستحيل!» لكن ويليام ما بصش لأي واحدة فيهم. عينيه كانت ثابتة على كلير. «هي الوحيدة اللي قالت لأ.» وبعدين قرب خطوة منها. وقال بهدوء: «وأنا عمري ما وثقت في حد قال لي نعم بسرعة.» كلير رفعت عينيها له. ولأول مرة في حياتها، حسّت إن حد شافها فعلًا. مش شاف عجزها. ولا تلعثمها. ولا لبسها القديم. شافها هي. لكنها ما كانتش تعرف إن اللحظة دي… هتكون أول يوم في أخطر حكاية في حياتها. لأن ويليام أشرف ما كانش مجرد راجل غني داخل يطلب إيد بنت. كان داخل بيت عيلة الديب وهو شايل سر خطير. وسرّه ده… كان متعلق بكلير من قبل حتى ما يشوفها لأول مرة. حكايات شروق خالد فيكتور قام من مكانه مرة واحدة، والكرسي اتزحلق ورا بصوت عالي. «إنت بتقول إيه يا ويليام؟» ويليام ما رمش حتى. «سمعتني.» «كلير؟!» «أيوه، كلير.» فيكتور قرب منه، وصوته نزل لكنه كان مليان غضب: «يا ويليام بيه، أنا عندي تلات بنات كبار، وكل واحدة فيهم تليق بمقامك أكتر من كلير عشر مرات.» ويليام بص له ببرود. «أنا ما سألتكش مين تليق بيا.» «دي بنت ما بتعرفش تتكلم!» كلير انتفضت مكانها. الكلمة دخلت قلبها زي السكينة. لكن ويليام اتحرك خطوة ناحية فيكتور. «عيدها.» فيكتور سكت. «قلتلك عيدها.» «أنا قصدي إنها…» «كلير عندها مشكلة في الكلام، مش مشكلة في العقل. إنت فاهم الفرق؟» نورا دخلت في الكلام وهي متعصبة: «بس حضرتك أكيد مش هتتجوز واحدة زي دي!» ويليام لف ناحيتها. «واحدة زي دي؟» نورا اتوترت. «أنا… قصدي إنها مش مناسبة.» «وأنتِ اللي بتحددي المناسب ليا؟» نورا بلعت ريقها. ويليام رجع بص لكلير. كانت واقفة في مكانها، عينيها مليانة دموع، لكنها بتحاول بكل قوتها ما تعيطش. قال لها: «إنتِ عندك كام سنة؟» «تـ… تـ… تمانية وعشرين.» «بتشتغلي؟» هزت راسها. «بـ… بشتغل من البيت.» فيكتور قاطعها: «بتشتغل إيه يعني؟ بتقعد ترسم شوية حاجات على الكمبيوتر.» كلير بصت للأرض. ويليام قال: «أنا سألتها، مش إنت.» فيكتور سكت. «بتشتغلي إيه يا كلير؟» كلير رفعت عينيها. «بـ… بعمل تصميمات… وببيعها أونلاين.» «وشغلك ناجح؟» سكتت لحظة. وبعدين هزت راسها. «آه.» ويليام ابتسم. «حلو.» داليا ضحكت باستخفاف. «هي أصلًا بتبيع حاجات بسيطة على الإنترنت.» ويليام بص لها. «وإنتِ بتكسبي كام من شغلك؟» داليا اتخرست. «أنا…» «ولا مش مهم.» وبعدين رجع لكلير. «إنتِ ليه موافقة إن أبوكي يقلل منك قدام الناس؟» كلير شهقت. «أـ… أنا مش…» «إنتِ فاهمة قصدي.» كلير سكتت. ويليام قرب منها شوية. «لو أنا اتجوزتك، محدش هيقدر يهينك قدامي.» كلير رفعت عينيها بسرعة. «بس…» «بس إيه؟» «أـ… أنا مش عايزاك تتجوزني عشان تـ… تنقذني.» لأول مرة، ويليام ابتسم بوضوح. «أنا مش منقذ يا كلير.» «أمال؟» «راجل شاف واحدة عايشة طول عمرها وهي بتستخبى، وقرر يسألها هي عايزة إيه.» كلير قلبها دق بسرعة. لكن قبل ما ترد، فيكتور ضرب بإيده على الترابيزة. «الجوازة دي مش هتحصل!» ويليام لف له. «هتحصل.» «دي بنتي!» «وعشان كده أنا بطلب إيدها منك.» «وأنا بقولك لأ.» ويليام قرب منه. «يبقى هطلبها منها هي.» فيكتور اتصدم. «إيه؟» ويليام بص لكلير. «لو إنتِ رفضتي، الموضوع ينتهي هنا.» القاعة كلها سكتت. كلير كانت عارفة إن دي أول مرة حد يحط القرار في إيدها. مش أبوها. مش أخواتها. هي. قالت بصوت مرتعش: «مـ… موافقة.» فيكتور اتجمد. ويليام فضل باصص لها. «متأكدة؟» كلير أخدت نفس طويل. «مـ… موافقة.» ويليام هز راسه. «تمام.» وبعدين بص لفيكتور. «هنحدد معاد كتب الكتاب.» فيكتور صرخ: «استنى!» لكن ويليام كان خلاص بيتحرك ناحية الباب. قبل ما يخرج، وقف لحظة. من غير ما يلف قال: «وعلى فكرة يا فيكتور…» الكل بص له. «أنا عارف بنتك كلير من قبل النهارده.» كلير عقدت حواجبها. ويليام خرج. الباب اتقفل وراه. والقاعة انفجرت. نورا قربت من كلير وقالت بعصبية: «إنتِ عملتي إيه؟! » سارة مسكت دراعها. «إنتِ اتجننتي؟ ده واحد محدش يعرف عنه حاجة!» داليا قربت منها وقالت بسخرية: «مبروك يا كلير… أخيرًا عرفتي تعملي حاجة في حياتك.» كلير سحبت دراعها منها. ولأول مرة، بصت لأخواتها من غير خوف. «على الأقل… عملتها بنفسي.» وسابتهم ومشيت. لكن أول ما دخلت أوضتها وقفلت الباب، سندت ضهرها عليه. وحطت إيدها على قلبها. كانت مرعوبة. لأنها عارفة إن ويليام ما اختارهاش صدفة. وعارفة إن جملته الأخيرة ما كانتش هزار. «أنا عارف بنتك كلير من قبل النهارده.» فتحت درج مكتبها بإيد مرتعشة. طلعت منه صورة قديمة جدًا. صورة ليها وهي طفلة. وفي ظهر الصورة كان مكتوب بخط والدها: «ممنوع حد يعرف الحقيقة.» كلير بصت للجملة. وبعدين همست: «هو عرف إزاي؟» وفي نفس اللحظة… تليفونها رن. رقم غريب. ردت وهي مترددة. «ألو؟» جالها صوت ويليام من الناحية التانية. «بصي وراكي.» كلير اتجمدت. بصت ناحية الشباك. وكان واقف تحت البيت، في الشارع، لوحده. رفع عينه للدور بتاعها. وقال: «السر اللي أبوكي مخبيه عنك من تمانية وعشرين سنة… أنا الوحيد اللي أقدر أقولك عليه.» كلير شهقت. «إنت… إنت عارف إيه؟» سكت ثانيتين. وبعدين قال: «عارف مين أمك الحقيقية.» الصوت انقطع. والتليفون وقع من إيدها. لأن كلير طول عمرها كانت فاكرة إن أمها ماتت وهي بتولدها. لكن ويليام كان بيقول لها دلوقتي… إن أمها عايشة. حكايات شروق خالد كلير فضلت واقفة مكانها، والتليفون واقع على الأرض جنب رجلها. «أمي… عايشة؟» قالتها لنفسها كأنها خايفة تسمع صوتها. الباب اتفتح فجأة. فيكتور دخل. «إنتِ بتكلمي مين؟» كلير بصت له. ولأول مرة، ما خافتش من نظراته. «ماما عايشة؟» وش فيكتور اتغير. ثانية واحدة بس. لكن كلير شافت. شافتها بوضوح. ارتباك. خوف. وبعدين رجع وشه جامد. «مين قالك الكلام ده؟» «رد عليا.» «كلير، بطلي هبل.» «ماما عايشة؟» فيكتور قرب منها. «مين قالك؟» كلير رجعت خطوة. «ويليام.» الصمت نزل بينهم. فيكتور بص لها كأنه شاف شبح. «ويليام قالك إيه؟» «قال إن ماما عايشة.» فيكتور شد على فكه. وبعدين قال: «الراجل ده بيلعب بأعصابك.» «يعني مش عايشة؟» «أمك ماتت من زمان.» «إنت متأكد؟» «أيوه.» «ليه إيدك بتترعش؟» فيكتور بص لإيده بسرعة. كانت فعلًا بتترعش. اتعصب وقال: «نامي يا كلير.» ولف عشان يخرج. لكن صوتها وقفه. «بابا.» وقف. «أنا هتجوز ويليام.» لف لها. «لو فكرتي تتجوزيه عشان تعرفي الحقيقة، يبقى إنتِ أغبى مما كنت فاكر.» كلير اتصدمت. «يعني في حقيقة؟» فيكتور سكت. وهنا كلير فهمت. الحقيقة موجودة. وأبوها خايف منها. في مكان تاني، ويليام كان قاعد في عربيته قدام البيت. مساعده مروان كان جنبه. «متأكد إنك عايز تعمل كده؟» ويليام بص قدامه. «أيوه.» «الجوازة دي هتفتح عليك أبواب جهنم.» «الأبواب دي مفتوحة من زمان.» مروان سكت شوية. وبعدين قال: «ولو كلير عرفت الحقيقة؟» ويليام أخد نفس طويل. «لازم تعرف.» «وإنت؟» «أنا إيه؟» «هتقول لها إن أمها مش بس عايشة…» مروان سكت. ويليام كمل بنفسه: «إن أمها موجودة في مصر من تمانية وعشرين سنة، وإن أبوها هو اللي مخبيها.» مروان بص له بصدمة. «وإن أمها هي السبب في موت أبوك.» ويليام عينه ضاقت. «بالظبط.» تاني يوم الصبح، البيت كله كان مقلوب. فيكتور منع كلير من الخروج. منع عنها تليفونها. حتى الخدامين اتقال لهم ما حدش يقرب منها. لكن كلير ما كانتش ناوية تستسلم. فتحت الشباك. بصت تحت. الدور التاني. مش عالي أوي. ربطت ملاية في ملاية. ونزلت بهدوء. أول ما رجليها لمست الأرض، سمعت صوت من وراها. «كنت عارف إنك هتعملي كده.» اتجمدت. لفت. ويليام كان واقف قدامها. كلير شهقت. «إنت؟!» «إنتِ فاكرة إني هسيبك محبوسة؟» «أبويا…» «أبوكي مش هيقدر يمنعك مني.» كلير بصت له بحدة. «أنا مش ملكك.» ويليام ابتسم. «عارف.» «ومش هتجوزك عشان أهرب من البيت.» «عارف.» «ومش هسمحلك تستخدم حكايتي عشان تنتقم من أبويا.» الابتسامة اختفت من على وشه. «إنتِ ذكية أكتر مما بيقولوا.» كلير قربت منه. «قولي الحقيقة.» «أي حقيقة؟» «أمي.» ويليام سكت. «عايشة؟» «أيوه.» قلب كلير وقع. «فين؟» «قبل ما أقولك… لازم تعرفي حاجة.» «إيه؟» «أمك مش ضحية زي ما إنتِ فاكرة.» كلير عقدت حواجبها. «يعني إيه؟» ويليام بص في عينيها وقال: «أمك كانت السبب في أكبر خيانة حصلت في تاريخ عيلتي.» كلير رجعت خطوة. «مش فاهمة.» «وهتفهمي.» مد إيده لها بمظروف بني. «ده ليكي.» كلير أخدته. إيدها كانت بتترعش. فتحت المظروف. طلعت صورة قديمة. صورة ست شابة جميلة، واقفة جنب راجل أصغر سنًا. كلير بصت للصورة. وبعدين اتجمدت. لأن الراجل اللي جنب الست… كان فيكتور. أما الست… فكانت شبه كلير بشكل يخوف. وفي أسفل الصورة، كان مكتوب: «ليلى الديب… قبل ما تختفي بأسبوع واحد.» كلير رفعت عينيها لويليام. «دي أمي؟» ويليام هز راسه. «أيوه.» «اختفت ليه؟» «لأن أبوكي قال لكل الناس إنها ماتت.» «وهي كانت فين؟» ويليام سكت. ثم قال: «في نفس اليوم اللي اختفت فيه أمك… أبويا اتقتل.» كلير شهقت. «إيه علاقة أمي بموت أبوك؟» ويليام قرب منها وقال: «دي أكتر حاجة هتوجعك لما تعرفيها.» «إيه؟» «أمك ما اختفتش لوحدها.» سكت لحظة. «أمك كانت هربانة… ومعاها طفل.» كلير بصت له. «طفل؟» ويليام عينه ثبتت عليها. «أخوكي.» المظروف وقع من إيدها. «أنا… عندي أخ؟» ويليام قال بهدوء: «كان عندك أخ.» كلير حست الدنيا بتلف بيها. «كان؟» «أخوكي مات من سنين.» دموعها نزلت من غير ما تحس. «إنت بتقول إيه؟» ويليام قرب منها، لكن ما لمسهاش. «كلير… أخوكي مات بسبب أمر واحد.» «إيه؟» نظر ناحية بيت الديب. وقال: «أبوكي.» وفي اللحظة دي، دوّى صوت فرامل عربية بعنف عند آخر الشارع. ويليام لف بسرعة. عربية سودا وقفت. بابها اتفتح. ونزل منها راجل ملثم. وفي إيده مسدس. وجهه ناحية كلير. ويليام صرخ: «انزلي!» واندفع عليها في اللحظة نفسها. ودوّى صوت الرصاصة في الشارع. حكايات شروق خالد صوت الرصاصة شقّ الهوا، وكل حاجة حصلت في ثانية. ويليام اندفع ناحية كلير ورماها على الأرض، وجسمه غطاها بالكامل. الرصاصة عدّت جنب كتفه، وخرمت باب العربية اللي وراهم. كلير صرخت: “ويليام!” ماروان كان أسرع من أي حد. طلع مسدسه، وبدأ يضرب ناحية العربية السودا وهي بتتحرك بأقصى سرعة. لكن العربية اختفت في آخر الشارع. ويليام فضل ثواني ساكت، عينه على الطريق، وبعدين بص لكلير. “إنتِ كويسة؟” كلير كانت بتترعش. “أيوه… بس إنت…” حط إيده على كتفه، ولما شالها كانت مليانة دم. وشها اتغير. “إنت اتصبت!” “خربوش.” “ده مش خربوش!” حاول يقوم، لكنه اتألم غصب عنه. كلير سندته. “اقعد.” ويليام بص لها باستغراب. “بتأمريني؟” قالتها وهي بتحاول تمنع دموعها: “آه… دلوقتي بآمرك.” ولأول مرة، ظهر على وش ويليام شبه ابتسامة. “طلعتِ مش ضعيفة زي ما أبوكي فاكر.” كلير سكتت لحظة، وبعدين قالت: “مين اللي ضرب النار؟” ويليام بص لماروان. ماروان قرب منهم وقال بصوت واطي: “الراجل كان عارف إنها هتكون هنا.” كلير بصت له. “يعني إيه؟” “يعني حد بلّغه.” سكت ويليام. وبعدين قال: “مش بس كده.” رفع عينه لكلير. “الراجل كان مستني الظرف.” قلبها وقع. “الظرف؟” “أيوه.” ويليام مد إيده ناحية الأرض. الظرف البني كان واقع على بعد خطوات منهم. كلير جريت وجابته. فتحت الظرف بإيدين بتترعش، لكن الصورة القديمة كانت لسه جواه. صورة أمها. ليلى. وتحتها ورقة صغيرة. كلير قرأت بصوت متقطع: “لو الصورة وصلت لكلير… يبقى في حد قرر يفتح القبر اللي أبوها دفن فيه الحقيقة.” بصت لويليام. “مين كتب الكلام ده؟” ويليام ما ردش. “ويليام… مين كتب الكلام ده؟!” قال بهدوء: “أمك.” كلير شهقت. “أمي؟” هز راسه. “ليلى عايشة.” دموع كلير نزلت من غير ما تحس. “فين؟” ويليام قرب منها. “قبل ما أقولك مكانها، لازم تعرفي حاجة.” “إيه؟” “أمك مش هربت من أبوكي.” كلير عقدت حواجبها. “أمال هربت من مين؟” ويليام سكت ثواني. وبعدين قال: “من أبويا.” كلير اتجمدت. “أبوك؟” “أيوه.” “بس إنت قلت إن أبوك اتقتل يوم ما هي اختفت.” “وده صحيح.” “يبقى كانت بتجري منه ليه؟” ويليام بص في عينيها. “لأن أبويا كان عايز يقتلها.” كلير حطت إيدها على بوقها. “ليه؟” قبل ما يرد، صوت عربية وقف فجأة قدام البيت. ماروان بص ناحية الطريق. “في ناس جاية.” ويليام قال: “خدي كلير وادخلي العربية.” ماروان هز راسه. لكن كلير وقفت. “لا.” ويليام بص لها. “كلير.” “مش هتحرك خطوة.” “دلوقتي مش وقت العند.” “وأنا مش بعاند.” قربت منه وقالت: “أنا طول عمري آخر واحدة في البيت. محدش بيسألني، محدش بيسمعني، وكل ما أفتح بُقي يقولوا عندي مشكلة في الكلام.” مسحت دموعها. “بس من النهارده… أنا هسمع كل حاجة.” سكت ويليام. كلير كملت: “عايزة أعرف أمي فين.” “هتعرفي.” “وعايزة أعرف أخويا مات إزاي.” ملامح ويليام اتغيرت. “هتعرفي.” “وعايزة أعرف أبويا عمل إيه.” ويليام قرب منها لدرجة إنها اضطرت ترفع عينيها له. وقال: “ولو الحقيقة طلعت أسوأ من اللي في دماغك؟” كلير ردت من غير تردد: “تبقى الحقيقة.” في اللحظة دي، باب البيت اتفتح. وظهر فيكتور الديب. لكن المرة دي، ما كانش لوحده. ورا ضهره ستة رجالة مسلحين. فيكتور بص لويليام، وبعدين لكلير. وشه كان مليان غضب. “ابعد عن بنتي.” ويليام ابتسم ابتسامة باردة. “دلوقتي افتكرت إنها بنتك؟” فيكتور صرخ: “إنت جبتها برا البيت ليه؟!” كلير بصت لأبوها. “بابا…” فيكتور سكت. “ماما عايشة؟” وش فيكتور شحب. ويليام قال: “جاوبها.” فيكتور بص لكلير. ثواني طويلة عدّت. وبعدين قال: “أيوه.” كلير حسّت الأرض بتتحرك تحت رجليها. “فين؟” فيكتور بلع ريقه. “مش هتقدري تروحي لها.” “ليه؟” “لأنهم لو عرفوا إنها عايشة، هيقتلوها.” ويليام اتقدم خطوة. “مين هم؟” فيكتور بص له بخوف. ولأول مرة، كلير شافت الخوف الحقيقي في عيني أبوها. قال بصوت مكسور: “الناس اللي قتلت أبوك.” ويليام سكت. فيكتور كمل: “والناس اللي قتلت ابنك قبل ما تعرف حتى إنه موجود.” كلير بصت لويليام. “ابنك؟” ويليام وشه اتجمد. فيكتور بص له وقال: “أيوه يا ويليام…” ثم أشار لكلير. “أخوها ما كانش ابن ليلى لوحدها.” سكت لحظة. “كان ابن أبوك.” ويليام اتراجع خطوة. وكلير حطت إيدها على صدرها. لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية. لأن في اللحظة دي، موبايل فيكتور رن. بص للشاشة. ووشه اتحول للون الأبيض. كلير قالت: “مين؟” فيكتور ما ردش. ويليام خطف الموبايل من إيده. وسمع صوت ست كبيرة بتبكي من الطرف التاني: “فيكتور… هما وصلوا لي.” ويليام قرب الموبايل من ودنه. والصوت قال: “قول لكلير إني آسفة…” ويليام اتجمد. لأن الصوت اللي سمعه… كان صوت ليلى. أم كلير. حكايات شروق خالد “قولّي يا ويليام… إنت سمعت صوت مين؟” ويليام فضل ماسك الموبايل، وعينه ثابتة قدامه. الصوت رجع تاني من الناحية التانية، أضعف المرة دي: “ويليام… لو كلير معاك، متخليهاش ترجع لأبوها.” كلير قربت منه. “ماما؟” الصوت سكت. كلير خطفت الموبايل من إيد ويليام. “ماما! أنا كلير!” نفس طويل اتسمع من الطرف التاني، وبعده صوت ليلى وهي بتعيط: “كلير…” ركبها خانتها، وقعدت على الأرض. “إنتِ عايشة؟” “أيوه يا بنتي.” “ليه سبتيـني؟” ليلى انفجرت في العياط. “أنا ما سبتكيش… أبوكي هو اللي خدك مني.” كلير بصت لفيكتور. “بابا؟” فيكتور نزل عينه للأرض. “قول الحقيقة!” فيكتور ما ردش. ويليام قرب منه، وصوته كان هادي بشكل يخوف: “اتكلم.” فيكتور قال: “كنت خايف.” “من مين؟” “من أبوك.” ويليام شد فكه. “وأخوها؟” فيكتور عينه دمعت. “كنت فاكر إني بحميكم.” كلير صرخت: “تحمينا؟! إنت حرمتني من أمي وأخويا!” فيكتور قال بصوت مكسور: “أخوك ما ماتش زي ما قلتلك.” كلير اتجمدت. “إيه؟” ويليام بص له. “إنت قلت إنه مات.” فيكتور رفع عينه. “كذبت.” كلير قربت منه. “أخويا عايش؟” فيكتور هز راسه ببطء. “أيوه.” الصمت نزل على المكان. حتى ويليام ما اتكلمش. كلير حطت إيدها على بوقها، والدموع نزلت على وشها. “فين؟” فيكتور قال: “في القاهرة.” ويليام قرب منه بسرعة. “اسمه إيه؟” فيكتور بص له. “آدم.” ويليام رجع خطوة. “آدم؟” فيكتور هز راسه. “أمك خبته عنهم. وأنا ساعدتها.” كلير قالت: “طب ليه قلت إنه مات؟” فيكتور بص لها بحزن. “عشان الناس اللي كانوا بيدوروا عليه كانوا أقرب لنا مما تتخيلي.” فجأة، موبايل ويليام رن. ماروان رد. ثواني، وبعدين ملامحه اتغيرت. “باشا…” ويليام أخد الموبايل. “إيه؟” ماروان قال: “لقينا العربية اللي ضربت علينا النار.” “فين؟” “قدام مستشفى في المعادي.” ويليام سكت. “وفي حاجة تانية.” “قول.” “العربية مسجلة باسم شركة من شركات… فيكتور الديب.” كل العيون اتوجهت لفيكتور. فيكتور صرخ: “والله ما أعرف!” ويليام قرب منه. “حد من رجالتك هو اللي حاول يقتل كلير.” “مش أنا!” كلير بصت لأبوها، ولأول مرة ما شافتش فيه الراجل القوي اللي كانت بتخاف منه. شافت راجل مكسور. ويليام قال: “أنا هجيب أمها وأخوها، وبعدها هعرف مين اللي حاول يقتلها.” كلير مسكت إيده. “أنا جاية معاك.” بصلها. “الموضوع خطر.” “وأنا تعبت من إني أفضل مستخبية.” سكت لحظة. وبعدين قال: “خلاص. من النهارده محدش هيخبيكي تاني.” بعد ساعات، وصلوا للمستشفى. كلير كانت قاعدة جنب ويليام في العربية، ماسكة الصورة القديمة. وفجأة شافت شاب خارج من باب المستشفى. وقف مكانه أول ما شاف فيكتور. وشه اتغير. وبعدين بص لكلير. كلير همست: “هو ده؟” فيكتور نزل دموعه. “آدم.” الشاب قرب ببطء. وعينه ما فارقتش كلير. “إنتِ… كلير؟” هي ما قدرتش تتكلم. هو ابتسم وسط دموعه. “أنا أخوكي.” كلير جريت عليه. حضنته بكل قوتها، وفضلت تعيط. “كنت فاكرة إني لوحدي…” آدم شد عليها. “وأنا كنت مستني اليوم ده من وأنا صغير.” ويليام وقف بعيد، بيتفرج عليهم. لكن فجأة، موبايله رن. رسالة واحدة ظهرت على الشاشة: “الحكاية لسه مبدأتش… أبوك مش هو اللي قتلناه.” ويليام رفع عينه. وفي اللحظة نفسها، وصلت رسالة تانية: “القاتل الحقيقي موجود جوه عيلتك.” بص ويليام ناحية فيكتور. ثم ناحية كلير وآدم. وفهم إن اللي فات كله ما كانش غير بداية. بعد شهور… الحقيقة ظهرت كاملة. أبو ويليام ما كانش بريئًا، وفيكتور ما كانش ملاكًا، لكن الاتنين كانوا ضحايا لرجل واحد من داخل العائلة، رجل قتل، وخان، ولفّق الجرائم عشان يوصل للسلطة. أما ليلى، فكانت عايشة في مكان آمن، ولما شافت بنتها بعد السنين دي كلها، ما كانش بينهم غير حضن طويل ودموع كتير. كلير رفضت في البداية تتجوز ويليام. وقالت له: “أنا مش هتجوزك عشان تنقذني.” ابتسم وقال: “وأنا مش عايزك تتجوزيني عشان تنقذي نفسك.” “أمال ليه؟” مسك إيدها. “عشان أنا حبيتك قبل ما أعرف إنك بنت ليلى، وقبل ما أعرف إنك أخطر سر في العيلة.” ضحكت لأول مرة من قلبها. “يعني كل الحكاية بدأت لما قلت لأ؟” قال: “أيوه.” “ولو كنت قلتلك آه من الأول؟” ضحك. “كنت هرفض.” “ليه؟” “عشان أنا وقعت في حب البنت الوحيدة اللي ما كانتش عايزاني.” وبعد سنة، في نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية، وقفت كلير بفستان أبيض بسيط. المرة دي ما كانتش مستخبية ورا شجرة. ولا قاعدة في آخر الترابيزة. ولا حد بيتكلم بدلها. كانت واقفة في النص، واثقة، ووشها منور. ويليام بص لها وقال: “مستعدة؟” ابتسمت. “المرة دي… أنا اللي بقول آه.” ومسك إيدها قدام الكل. أما فيكتور، فوقف بعيد، ودموعه في عينه. كان عارف إن بنته أخيرًا أخدت حياتها بإيدها. كلير ما بقتش البنت اللي كانوا بيحاولوا يخبّوها. بقت الست اللي كل العيلة اضطرت تسمع صوتها. والأهم… إن ويليام ما اختارش واحدة من بنات فيكتور عشان جمالها أو اسمها. اختار كلير… لأنها كانت الوحيدة اللي امتلكت الشجاعة تقول له: “لأ.” ومن يومها، الكلمة دي كانت أول صفحة في قصة حب ما حدش قدر يكسرها. «اختار البنت اللي قالت له لأ» حكايات شروق خالد “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”