اختيار البنت اللى قالت لاء
شروق خالد
ويليام بص لها.
“كلير.”
“مش هتحرك خطوة.”
“دلوقتي مش وقت العند.”
“وأنا مش بعاند.”
قربت منه وقالت:
“أنا طول عمري آخر واحدة في البيت. محدش بيسألني، محدش بيسمعني، وكل ما أفتح بُقي يقولوا عندي مشكلة في الكلام.”
مسحت دموعها.
“بس من النهارده… أنا هسمع كل حاجة.”
سكت ويليام.
كلير كملت:
“عايزة أعرف أمي فين.”
“هتعرفي.”
“وعايزة أعرف أخويا مات إزاي.”
ملامح ويليام اتغيرت.
“هتعرفي.”
“وعايزة أعرف أبويا عمل إيه.”
ويليام قرب منها لدرجة إنها اضطرت ترفع عينيها له.
وقال:
“ولو الحقيقة طلعت أسوأ من اللي في دماغك؟”
كلير ردت من غير تردد:
“تبقى الحقيقة.”
في اللحظة دي، باب البيت اتفتح.
وظهر فيكتور الديب.
لكن المرة دي، ما كانش لوحده.
ورا ضهره ستة رجالة مسلحين.
فيكتور بص لويليام، وبعدين لكلير.
وشه كان مليان غضب.
“ابعد عن بنتي.”
ويليام ابتسم ابتسامة باردة.
“دلوقتي افتكرت إنها بنتك؟”
فيكتور صرخ:
“إنت جبتها برا البيت ليه؟!”
كلير بصت لأبوها.
“بابا…”
فيكتور سكت.
“ماما عايشة؟”
وش فيكتور شحب.
ويليام قال:
“جاوبها.”
فيكتور بص لكلير.
ثواني طويلة عدّت.
وبعدين قال:
“أيوه.”
كلير حسّت الأرض بتتحرك تحت رجليها.
“فين؟”
فيكتور بلع ريقه.
“مش هتقدري تروحي لها.”
“ليه؟”
“لأنهم لو عرفوا إنها عايشة، هيقتلوها.”
ويليام اتقدم خطوة.
“مين هم؟”
فيكتور بص له بخوف.
ولأول مرة، كلير شافت الخوف الحقيقي في عيني أبوها.
قال بصوت مكسور:
“الناس اللي قتلت أبوك.”
ويليام سكت.
فيكتور كمل:
“والناس اللي قتلت ابنك قبل ما تعرف حتى إنه موجود.”
كلير بصت لويليام.
“ابنك؟”
ويليام وشه اتجمد.
فيكتور بص له وقال:
“أيوه يا ويليام…”
ثم أشار لكلير.
“أخوها ما كانش ابن ليلى لوحدها.”
سكت لحظة.
“كان ابن أبوك.”
ويليام اتراجع خطوة.
وكلير حطت إيدها على صدرها.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
لأن في اللحظة دي، موبايل فيكتور رن.
بص للشاشة.
ووشه اتحول للون الأبيض.
كلير قالت:
“مين؟”
فيكتور ما ردش.
ويليام خطف الموبايل من إيده.
وسمع صوت ست كبيرة بتبكي من الطرف التاني:
“فيكتور… هما وصلوا لي.”
ويليام قرب الموبايل من ودنه.
والصوت قال:
“قول لكلير إني آسفة…”
ويليام اتجمد.
لأن الصوت اللي سمعه…
كان صوت ليلى.
أم كلير.
حكايات شروق خالد
“قولّي يا ويليام… إنت سمعت صوت مين؟”
ويليام فضل ماسك الموبايل، وعينه ثابتة قدامه.
الصوت رجع تاني من الناحية التانية، أضعف المرة دي:
“ويليام… لو كلير معاك، متخليهاش ترجع لأبوها.”
كلير قربت منه.
“ماما؟”
الصوت سكت.
كلير خطفت الموبايل من إيد ويليام.
“ماما! أنا كلير!”
نفس طويل اتسمع من الطرف التاني، وبعده صوت ليلى وهي بتعيط:
“كلير…”
ركبها خانتها، وقعدت على الأرض.
“إنتِ عايشة؟”
“أيوه يا بنتي.”
“ليه سبتيـني؟”
ليلى انفجرت في العياط.
“أنا ما سبتكيش… أبوكي هو اللي خدك مني.”
كلير بصت لفيكتور.
“بابا؟”
فيكتور نزل عينه للأرض.
“قول الحقيقة!”
فيكتور ما ردش.
ويليام قرب منه، وصوته كان هادي بشكل يخوف:
“اتكلم.”
فيكتور قال:
“كنت خايف.”
“من مين؟”
“من أبوك.”
ويليام شد فكه.
“وأخوها؟”
فيكتور عينه دمعت.
“كنت فاكر إني بحميكم.”
كلير صرخت:
“تحمينا؟! إنت حرمتني من أمي وأخويا!”
فيكتور قال بصوت مكسور:
“أخوك ما ماتش زي ما قلتلك.”
كلير اتجمدت.
“إيه؟”
ويليام بص له.
“إنت قلت إنه مات.”
فيكتور رفع عينه.
“كذبت.”
كلير قربت منه.
“أخويا عايش؟”
فيكتور هز راسه ببطء.
“أيوه.”
الصمت نزل على المكان.
حتى ويليام ما اتكلمش.
كلير حطت إيدها على بوقها، والدموع نزلت على وشها.
“فين؟”
فيكتور قال:
“في القاهرة.”
ويليام قرب منه بسرعة.
“اسمه إيه؟”
فيكتور بص له.
“آدم.”
ويليام رجع خطوة.
“آدم؟”
فيكتور هز راسه.
“أمك خبته عنهم. وأنا ساعدتها.”
كلير قالت:
“طب ليه قلت إنه مات؟”
فيكتور بص لها بحزن.
“عشان الناس اللي كانوا بيدوروا عليه كانوا أقرب لنا مما تتخيلي.”
فجأة، موبايل ويليام رن.
ماروان رد.
ثواني، وبعدين ملامحه اتغيرت.
“باشا…”
ويليام أخد الموبايل.
“إيه؟”
ماروان قال:
“لقينا العربية اللي ضربت علينا النار.”
“فين؟”
“قدام مستشفى في المعادي.”
ويليام سكت.
“وفي حاجة تانية.”
“قول.”
“العربية مسجلة باسم شركة من شركات… فيكتور الديب.”
كل العيون اتوجهت لفيكتور.
فيكتور صرخ:
“والله ما أعرف!”
ويليام قرب منه.
“حد من رجالتك هو اللي حاول يقتل كلير.”
“مش أنا!”
كلير بصت لأبوها، ولأول مرة ما شافتش فيه الراجل القوي اللي كانت بتخاف منه.
شافت راجل مكسور.
ويليام قال:
“أنا هجيب أمها وأخوها، وبعدها هعرف مين اللي حاول يقتلها.”
كلير مسكت إيده.
“أنا جاية معاك.”
بصلها.
“الموضوع خطر.”
“وأنا تعبت من إني أفضل مستخبية.”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“خلاص. من النهارده محدش هيخبيكي تاني.”
بعد ساعات، وصلوا للمستشفى.
كلير كانت قاعدة جنب ويليام في العربية، ماسكة الصورة القديمة.
وفجأة شافت شاب خارج من باب المستشفى.
وقف مكانه أول ما شاف فيكتور.
وشه اتغير.
وبعدين بص لكلير.
كلير همست:
“هو ده؟”
فيكتور نزل دموعه.
“آدم.”
الشاب قرب ببطء.
وعينه ما فارقتش كلير.
“إنتِ… كلير؟”
هي ما قدرتش تتكلم.
هو ابتسم وسط دموعه.
“أنا أخوكي.”
كلير جريت عليه.
حضنته بكل قوتها، وفضلت تعيط.
“كنت فاكرة إني لوحدي…”
آدم شد عليها.
“وأنا كنت مستني اليوم ده من وأنا صغير.”
ويليام وقف بعيد، بيتفرج عليهم.
لكن فجأة، موبايله رن.
رسالة واحدة ظهرت على الشاشة:
“الحكاية لسه مبدأتش… أبوك مش هو اللي قتلناه.”
ويليام رفع عينه.
وفي اللحظة نفسها، وصلت رسالة تانية:
“القاتل الحقيقي موجود جوه عيلتك.”
بص ويليام ناحية فيكتور.
ثم ناحية كلير وآدم.
وفهم إن اللي فات كله ما كانش غير بداية.
بعد شهور…
الحقيقة ظهرت كاملة.
أبو ويليام ما كانش بريئًا، وفيكتور ما كانش ملاكًا، لكن الاتنين كانوا ضحايا لرجل واحد من داخل العائلة، رجل قتل، وخان، ولفّق الجرائم عشان يوصل للسلطة.
أما ليلى، فكانت عايشة في مكان آمن، ولما شافت بنتها بعد السنين دي كلها، ما كانش بينهم غير حضن طويل ودموع كتير.
كلير رفضت في البداية تتجوز ويليام.
وقالت له:
“أنا مش هتجوزك عشان تنقذني.”
ابتسم وقال:
“وأنا مش عايزك تتجوزيني عشان تنقذي نفسك.”
“أمال ليه؟”
مسك إيدها.
“عشان أنا حبيتك قبل ما أعرف إنك بنت ليلى، وقبل ما أعرف إنك أخطر سر في العيلة.”
ضحكت لأول مرة من قلبها.
“يعني كل الحكاية بدأت لما قلت لأ؟”
قال:
“أيوه.”
“ولو كنت قلتلك آه من الأول؟”
ضحك.
“كنت هرفض.”
“ليه؟”
“عشان أنا وقعت في حب البنت الوحيدة اللي ما كانتش عايزاني.”
وبعد سنة، في نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية، وقفت كلير بفستان أبيض بسيط.
المرة دي ما كانتش مستخبية ورا شجرة.
ولا قاعدة في آخر الترابيزة.
ولا حد بيتكلم بدلها.
كانت واقفة في النص، واثقة، ووشها منور.
ويليام بص لها وقال:
“مستعدة؟”
ابتسمت.
“المرة دي… أنا اللي بقول آه.”
ومسك إيدها قدام الكل.
أما فيكتور، فوقف بعيد، ودموعه في عينه.
كان عارف إن بنته أخيرًا أخدت حياتها بإيدها.
كلير ما بقتش البنت اللي كانوا بيحاولوا يخبّوها.
بقت الست اللي كل العيلة اضطرت تسمع صوتها.
والأهم…
إن ويليام ما اختارش واحدة من بنات فيكتور عشان جمالها أو اسمها.
اختار كلير…
لأنها كانت الوحيدة اللي امتلكت الشجاعة تقول له:
“لأ.”
ومن يومها، الكلمة دي كانت أول صفحة في قصة حب ما حدش قدر يكسرها.
«اختار البنت اللي قالت له لأ»
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”