اختيار البنت اللى قالت لاء
شروق خالد
«أنا هتجوز أي واحدة من بناتك.» قالها الملك ويليام أشرف بمنتهى الهدوء، كأنه بيطلب فنجان قهوة، مش بيقرر مصير بنت من بنات أكبر عيلة في البلد. القاعة كلها سكتت. حتى صوت المعلقة اللي كانت بتخبط في فنجان الشاي وقف.
فيكتور الديب، صاحب أكبر شركات مقاولات في القاهرة، فضل قاعد مكانه مش قادر يستوعب اللي سمعه.
بص قدامه للراجل اللي كان اسمه لوحده كفاية يخلي رجال أعمال وسياسيين كبار يقوموا له من مكانهم.
ويليام أشرف.
راجل في أواخر التلاتينات، طويل، عريض المنكبين، لابس بدلة سودا بسيطة، من غير أي بهرجة.
لكن هيبته كانت مالية المكان.
مش محتاج يرفع صوته.
نظرة واحدة منه كانت كفاية.
فيكتور بلع ريقه وقال بسرعة:
«طبعًا يا باشا… ده شرف كبير لينا.»
ويليام رفع حاجبه.
«أنا ما قلتش إنك توافق.»
«أمال؟»
«أنا قلت إني هتجوز أي واحدة من بناتك.»
فيكتور اتعدل في قعدته.
كان فاهم كويس إن الجوازة دي مش جوازة عادية.
دي هتربط اسم عيلة الديب بأقوى راجل في البلد.
صفقة تخلي نفوذهم يكبر عشر مرات.
قام فيكتور بسرعة ونادى:
«بناتي!»
ثواني، ودخلت التلات بنات الكبار.
نورا، وسارة، وداليا.
التلاتة كانوا متجهزين من بدري.
فساتين غالية، شعر متظبط، ومكياج كامل.
نورا كانت أكبرهم، واثقة من نفسها لدرجة الاستفزاز.
وقفت قدام ويليام وقالت بابتسامة:
«أهلاً بحضرتك.»
ويليام بص لها ثانيتين.
«بتشتغلي؟»
«عندي شركة ديكور.»
هز راسه.
«كويس.»
سارة تقدمت.
«وأنا دكتورة أسنان.»
«كويس.»
أما داليا فابتسمت بثقة وقالت:
«وأنا بشتغل مع بابا في الشركة.»
«كويس.»
ثلاث مرات.
كويس.
بس.
ولا ابتسامة.
ولا انبهار.
ولا حتى سؤال زيادة.
فيكتور بدأ يتوتر.
فقال بسرعة:
«نورا معاها ماجستير من لندن، وسارة خريجة جامعة كبيرة، وداليا بتدير فرع من فروع الشركة لوحدها.»
ويليام كان لسه ساكت.
لحد ما عينه راحت بعيد عنهم.
وراهم.
عند باب البلكونة.
هناك كانت واقفة بنت.
مش شبههم.
ولا حتى بتحاول تبان.
كانت لابسة بنطلون جينز غامق، وبلوزة قطن واسعة، وفوقها كارديجان رمادي قديم شوية.
شعرها البني مربوط بتوكة بسيطة.
وفي إيدها صينية عليها فناجين قهوة.
كانت بتحاول تتحرك على أطراف صوابعها عشان محدش ياخد باله منها.
لكن ويليام أخد باله.
بص لها شوية.
وبعدين قال:
«مين دي؟»
الكل بص وراه.
فيكتور اتنحنح.
«دي؟»
«أيوه.»
«دي كلير.»
سكت لحظة.
وبعدين قال بنبرة مختلفة تمامًا:
«آخر العنقود.»
كلير أول ما سمعت اسمها، وطت عينيها.
ويليام سأل:
«آخر العنقود؟»
«آه.»
«ليه واقفة بعيد؟»
فيكتور ضحك ضحكة قصيرة.
«أصلها بتحب العزلة.»
كلير قبضت إيدها على الصينية.
فيكتور كمل:
«يعني… مش اجتماعية أوي.»
نورا ضحكت من جنبها.
«دي مش اجتماعية خالص يا ويليام بيه.»
سارة قالت:
«أصلها غريبة شوية.»
داليا ابتسمت بسخرية:
«هي أصلًا مش بتعرف تتكلم قدام الناس.»
ويليام بص لكلير.
وبعدين قال:
«عندها مشكلة في الكلام؟»
فيكتور رد:
«أيوه.»
كلير رفعت عينيها للحظة.
فيكتور كمل:
«من وهي صغيرة وهي بتتلعثم. والدكاترة قالوا مفيش حاجة خطيرة، بس… يعني، الكلام عندها صعب.»
ويليام ما ردش.
فضل باصص لها.
كلير كانت عايزة تختفي.
كانت حاسة بنظراتهم كلها فوق وشها.
حطت الصينية على الترابيزة وهمت تمشي.
لكن صوت ويليام وقفها.
«تعالي.»
كلير وقفت.
بصت وراها.
«أنا؟»
«أيوه. إنتِ.»
نورا همست لأختها:
«يا نهار أبيض.»
سارة كتمت ضحكتها.
كلير قربت بخطوات مترددة.
وقفت قدامه.
ويليام قال:
«اسمك إيه؟»
كلير حاولت ترد.
«كـ… كـ…»
اتوترت أكتر.
فيكتور ضرب كف على كف بعصبية.
«يا بنتي ما تتكلمي عدل!»
وش كلير احمر.
حاولت تاني.
«كـ… كلير.»
فيكتور زفر بضيق.
«ما إحنا عارفين إن اسمك كلير! هو بيسألك عشان يسمع صوتك.»
كلير وطت راسها.
ويليام لف ببطء ناحية فيكتور.
وصوته بقى بارد جدًا.
«إنت بتتكلم معاها كده ليه؟»
فيكتور اتلخبط.
«أنا؟ لا طبعًا، أصل…»
«أصل إيه؟»
«أصل البنت محتاجة حد يشد عليها.»
ويليام رجع بص لكلير.
«بترجفي ليه؟»
كلير ما ردتش.
«خايفة مني؟»
هزت راسها بسرعة.
«لأ.»
«أمال؟»
بصت ناحية أبوها.
ويليام فهم.
وسكت.
ثواني عدت تقيلة.
وبعدين قال:
«ابوكي مخوفك؟»
كلير ما ردتش.
بس عينيها قالت كل حاجة.
فيكتور اتعصب.
«كلير!»
ويليام رفع إيده.
«خليها.»
وبعدين بص لكلير.
«إنتِ عايزة تتجوزيني؟»
القاعة كلها اتجمدت.
نورا فتحت بوقها.
سارة بصت لداليا.
وفيكتور حس إن الأرض اتسحبت من تحته.
كلير نفسها ما صدقتش السؤال.
بصت لويليام.
وبعدين لأبوها.
وبعدين لأخواتها.
إيدها كانت بتترعش.
لكن لأول مرة، ما وطتش عينيها.
رفعت راسها.
حاولت تتكلم.
الصوت خرج متقطع.
«لـ… لأ.»
فيكتور شهق:
«إنتِ بتقولي إيه؟!»
كلير فضلت ساكتة.
ويليام كان لسه باصص لها.
ملامحه ما اتحركتش.
وبعدين قال:
«ليه؟»
كلير بلعت ريقها.
«عـ… عشان…»
صوتها وقف.
ويليام استناها.
«عشان إيه؟»
كلير بصت لأبوها.
وبصوت ضعيف قالت:
«عشان… مش عايزة أبقى صفقة.»
الصمت وقع على القاعة.
ولا حد عرف يتكلم.
ويليام فضل باصص لها.
ولأول مرة من ساعة ما دخل البيت، ظهرت على وشه ابتسامة صغيرة.
مش ابتسامة فرح.
ابتسامة واحد لقى حاجة كان بيدور عليها.
لف ناحية فيكتور وقال:
«كويس.»
فيكتور اتوتر.
«كويس إيه؟»
ويليام وقف.
«أنا اخترتها.»
فيكتور اتسمر مكانه.
«مين؟»
ويليام بص ناحية كلير.
«كلير.»
صرخة صغيرة خرجت من نورا:
«إيه؟!»
داليا قالت بانفعال:
«بس دي مش مناسبة ليك!»