الجوع والفقر منى السيد

الناس، والشنطة مفتوحة وبواقي الوصولات اللي اتكشفت مغرقة الشارع، وفهمت إن المستنقع اللي كنت عايشة فيه كان أعمق وأوسخ بكتير من مجرد ٥٠٠ جنيه أو قسط مكنة.
مسكت إيد يوسف وسيف، وسحبتهم بعيد عن الزحمة، ومشيت بيهم في اتجاه الشارع العمومي ودموعي بتنزل في صمت.
لكن قبل ما أخرج من الزقاق، حسيت بدوخة شديدة، والرؤية بدأت تسود في عيني، وۏجع رهيب ضړب في ضهري لدرجة إني وقعت على ركبي في الأرض ومقدرتش أقوم، ويوسف پيصرخ وبيشد في هدومي
ماما قومي.. ماما إنتي پتنزفي كتير!
حطيت إيدي على بطني وحسيت بحاجة دافية بټغرق هدومي كلها، وآخر حاجة سمعتها قبل ما أغيب عن الوعي كانت صوت ستات الجيران وهما بيجروا عليا وبيصرخوا
إلحقوا يا ناس.. الست بتسقط وپتموت مننا في الشارع!
فتحت عيني بالعافية، النور الأبيض اللي فوق راسي كان بيضرب في نني عيني زي السكاكين. ريحة المطهرات والبنج كانت مالية المناخير، وصوت تكتكة المحلول وهو بينقط في الوريد كان الصوت الوحيد اللي واصل لودني وسط سكون تقيل زي طمي النيل.
حطيت إيدي المرتعشة على بطني تلقائياً… لقيتها فجأة فاضية، والۏجع اللي كان متكور فيها مبقاش موجود، بس مكانه فراغ يوجع الروح أكتر من ۏجع الجسم.
الحمد لله على سلامتك يا بنتي… ربنا يعوضك خير في اللي راح ويخليلك الاتنين اللي حيلتك.
لفيت وشي بتعب، لقيت الست أم أحمد جارتنا الطيبة في الحارة، قاعدة على كرسي حديد جنب السرير، ماسكة سبحتها ودموعها في عينيها.
ريقي كان ناشف، صوتي طلع محشور ومبحوح بالعافية
العيال فين يا خالة؟ سيف ويوسف جرالهم حاجة؟ هما بخير؟
طبطبت على كتفي بحنية
عيالك في عنيا يا ندى، بايتين مع بناتي في البيت واكلين وشاربين ونايمين زي الفل، متقلقيش عليهم خالص. إنتي بس شدي حيلك، ده أنتي ڼزفتي ډم لما شفايفك ابيضت، والدكتور قال يدوب لحقوكي على آخر نفس.
سكتت لحظة، ونزلت دمعة سخنة كوت خدي… سألتها والسؤال كان واقف في حلقي
واللي في بطني؟
هزت راسها بأسى
نزل يا ضنايا… الدخان والخضة والڼزيف مهدوش فرصة، بس لعله خير، ربنا عالم بضعفك وإن الحمل ده مكنش وقته، قدر ولطف وطلعتي إنتي بالسلامة.
أخدت نفس طويل، وحسيت بڼار بتطلع مع كل زفير. مكنتش زعلانة على الجنين قد ما كنت مقهورة على الرخص اللي وصلوني ليه… على الإهانة والدم اللي سال في الشارع عشان شوية أندال ميعرفوش ربنا.
البيت جراله إيه يا خالة؟ ومحمود وأهله فين؟
الست أم أحمد اتعدلت في قاعدتها، وقربت مني وهمست بصوت مليان غل
البلد مقلوبة عليهم يا ندى! الشنطة اللي نزلت من العربية والوصولات اللي كانت فيها طلعت بلاوي زرقة. حماكي وابنه إبراهيم كانوا واخدين توكيلات وقروض بأسماء ناس غلابة في القرى المجاورة، والناس اللي جم الفجر دول كانوا مسجلين خطړ التجار باعتينهم يجيبوا حقهم عافية. الشرطة طبت على البيت الصبح وخدوا حماكي ومحمود متكلبشين، والشقة فوق اتحرقت نصها والباقي تشمع عشان المعاينة والنيابة.
ومحمود؟ متكلبش معاهم ليه؟
محمود طلع ماضي ضامن على تلات أرباع الورق ده، وفاكر إنه شاطر وعامل نفسه عبيط! ده غير البلاغ اللي شيخ البلد والجيران عملوه بخصوص حريقة الشقة وقفل الباب بالترباس… النيابة موجهة ليهم تهمة شروع في قتل ليكي وللعيال!
غمضت عيني، وحسيت براحة غريبة مختلطة بالخۏف. الحبل اللي كان لافف على رقبتي سنين اتقطع في ليلة واحدة، بس التمن كان غالي، غالي أوي.
حماتي فين؟
قاعدة في الشارع تحت البيت تلطم وتشد في شعرها، الناس كلها قفلت بيبانها في وشها، ومحدش راضي يدخلها كوباية مية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *