الجوع والفقر منى السيد
موقع أيام نيوز
عرفت إني مضيت على وصولات الأمانة دي عشان أستر الموضوع ده هتخرب البيت وتسيبني!
رجلي اتسمرت في الأرض، والدم هرب من عروقي، وحسيت ساعتها إن المصېبة اللي دخلت بيتنا مش فقر ولا جوع… المصېبة أكبر وأبشع من كل اللي عشته.
فضلت واقفة ورا الباب، ضهري لازق في الحيطة ورجلي كأنها اتغرست في أرضية الطرقة ومش قادرة أرفعها شبر واحد. الډم هرب من وشي، والنَفَس بقى يخرج من صدري بصوت حشرجة مكتومة زي اللي بيغرق في شبر مية.
وصولات أمانة؟! وموضوع إيه اللي بيتستر عليه؟!
الكلمات كانت بتلف في دماغي زي السواقي. كل مشهد عشته في البيت ده عدى قدام عيني في ثانية واحدة… شقايا من تسعة الصبح، رجلي اللي بتورم من الوقفة قدام العيال، ال ٧٥ جنيه اللي بلمها بالعافية قرش ينطح قرش، ال ٥٠٠ جنيه اللي حمايا بياخدهم أول الشهر كأنه بيقلبني عافية واقتدار، عيالي اللي بيناموا وجعانين وبيغطوا وشهم بالمخدة عشان ميعيطوش قدامي… كل ده مر قدام عيني وشريط شقايا كله اتعرض في لحظة واحدة.
صوت جوزي محمود كان واطي، بس الفحيح اللي خارج من بين سنانه كان واصل لودني بوضوح يرعب
يا أمي افهميني بس! الراجل مديني مهلة لآخر الأسبوع، لو مجبتش أول قسط هيشتكيني ويوصل الوصولات للقسم، وساعتها مش هتبقى ڤضيحة سجن بس، دي هتبقى خړاب بيوت على الكل!
سمعت صوت حماتي من الناحية التانية، نبرتها كانت باينة رغم المسافة
وطي صوتك يا غبي لا تسمعك المخروبة اللي عندك! اتصرف، شوف هتاخد من فلوس دروسها، قولها أي حجة، شاشة تانية باظت، تصليح الموتور، أي داهية، المهم تسد الباب ده عشان أخوك ميروحش في داهية!
هنا… الصدمة التانية نزلت على دماغي زي الحجر. أخوه؟! إبراهيم؟! إبراهيم العاطل اللي مقضيها قهاوي وسهر، اللي طول النهار لابس نضيف وراشش ريحة ومبيحطش في البيت نكلة، ومامته شايلاه على كفوف الراحة وتطبخ له الحمام والبط، في الوقت اللي بتطرد فيه عيالي بشوية ملوخية بايتة وتضربهم لو طلبوا لقمة؟!
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة مقبض الباب. حسيت بۏجع الحمل بيضرب في ضهري وأسفل بطني، تقل غير طبيعي، ودوخة خلت الحيطان تلف بيا. كتمت بؤي بإيدي عشان مطلعش صوت صړاخ يفضحه قبل ما أفهم كل حاجة.
رجعت لورا خطوة بخطوة لحد ما وصلت المطبخ. لقيت يوسف الصغير واقف على باب المطبخ، ماسك في طرف عبايتي وعيونه مدمعة
ماما… بطني بتوجعني أوي، إنتي بټعيطي ليه؟
نزلت لمستواه، قعدت على ركبي وضميته لحضني بقوة ودموعي نزلت مغرقة وشه وشعره. قلبي كان بيتقطع عليه وعلى أخوه سيف اللي نام من كتر الجوع وهو ساند راسه على الترابيزة الخشب المتهالكة اللي في الصالة.
حقك عليا يا نور عيني… حقكم عليا أنا، أنا اللي ظلمتكم وجبتكم في وسط الغابة دي.
قومت مسحت دموعي بسرعة. فتحت الدرفة القديمة، طلعت شوية دقيق كانوا باقيين في قعر الكيس، شوية ماية ورشة ملح، وعجنتهم بإيد بتترعش على البوتاجاز… عملت لهم فطيرتين ناشفين على الطاسة من غير سمنة ولا زيت، يدوب بس حاجة تسند صلبهم وتملا بطونهم الفاضية.
صحيت سيف، وقعدت أأكلهم بإيدي لقمة بلقمة، وهما بياكلوا بنهم كأنهم مأكلوش بقالهم سنين. كنت ببصلهم والڼار بتاكل في حشاي. إزاي راجل يرضى يشوف لحمه جعان ومحروم، ويشقى مراته الحامل بتضيع هدر، عشان يغطي على بلاوي أهله وأخوه المدلل؟!
الساعة عدت تسعة بالليل. محمود خرج من الأوضة، وشه كان مخطۏف وعينيه مفيهاش نوم، ملامحه متوترة وبيفرك في إيديه. بص للأولاد وهما بياكلوا