كل حاجه بدأت ب تليفون ج١ منال علي
الجزء الاول
كل حاجة بدأت بتليفون.. وبعده زيارة مكنتش على البال خالص، خلت “ندى” أعصابها بايظة بقية اليوم.
العصر كان ماشي عادي جداً.. هدوء، كسل، والمطر بيرش خفيف برا، وريحة شمعة الفانيليا مالية الشقة.
لكن أول ما الجرس رن.. المود كله اتغير.
— «هتفتحي إنتِ يا ندى؟»
قالها “أحمد” وهو ممدد على الكنبة ولا في دماغه.
ندى كانت واقفة قدام البوتاجاز بتقلّب في الطاسة، فقالت من غير ما تبصله:
— «افتح إنت، إيدي فيها زيت ومبهدلة.»
أحمد قام وهو بيأفف، وخرج ناحية الباب.
بعد أقل من دقيقة، سمعِت صوت أكياس بتخبط في بعضها وصوت ست معروف جداً.. عالي، قوي، ومليان أوامر:
— «يا أحمد خد الأكياس بسرعة يا ابني.. ضهري هيتكسر!»
ندى غمضت عينيها بلحظة.
مش النهارده.. والنبي مش النهارده.
حتى ما بصّتش ناحية الصالة.
عدّت لحد تلاتة في سرها، وحست بكهرباء التوتر بتنتشر في الشقة كلها.
زيارات حماتها “الحاجة سامية” في نص الأسبوع دي عمرها ما كانت بتعدي على خير أبداً.
— «يا ماما كنتِ قولتي بس، كنا جبنالك أوبر أو نزلنا جبنالك بالعربية.»
قالها أحمد.
ردّت سامية بسرعة وهي داخلة زي الإعصار:
— «وأقول ليه؟ هو أنا جاية أزور ابني ولا داخلة مقابلة في بنك؟»
ظهرت عند باب المطبخ بنفس اللوك بتاعها المعتاد.. شياكة زيادة عن اللزوم، طرحة ستان، بلوزة نبيتي غامقة، وخاتم دهب كبير بتحبه من أيام ما كان جوزها عايش ومغرقها.
وعلى وشها ابتسامة فيها عتاب خفيف كده يغيظ.
— «مساء الخير يا نودي.»
ندى مسحت إيديها في فوطة المطبخ وقالت بهدوء:
— «مساء النور يا طنط سامية.. اتفضلي. تحبي تاكلي حاجة؟»
سامية قعدت وهي بتنفخ بضيق كأنها شايلة هموم الدنيا كلها على كتافها.
— «آه يا بنتي.. والله ما دوقت لقمة من الصبح. طول اليوم شقى ومشورات.»
دخل أحمد شايل كيسين كبار جداً.
— «يا نهار أبيض يا ماما! كل ده إيه؟ الأكياس تقيلة بشكل!»
رفعت سامية إيديها باستنكار:
— «ده كله عشانكم! إنتو الجيل الجديد ده عايشين على الاندومي والمكرونة. جبتلكم شوية فراخ بلدي وجبنة قريش.. بدل الأكل اللي بيبوظ معدتكم ده.»
ندى ما ردتش.
طلعت الأطباق وحطتها على السفرة، وهي عارفة إن ده كله مجرد “تمهيد” للموضوع الكبير اللي جاي.
أحمد حاول يفك الجو:
— «هقوم أعملك كوباية شاي يا ماما.»
— «لا يا حبيبي، خليني أنا هعمله.»
قالتها ندى وهي بتحط قدام سامية كوباية الشاي.
سامية بصتلها من فوق لتحت بضيق:
— «فين طقم الصيني اللي جبتهولكم في الجواز؟ ده جايباه من فرنسا مخصوص!»
ندى ردت ببرود وهدوء:
— «متحوش يا طنط.. مش حضرتك اللي قولتي خليه للعزومات والمناسبات؟»
سامية ضمت شفايفها وقالت:
— «أيوه.. متشال. زي كل اهتمامكم بيا كده، اللي بقى متشال هو كمان.»
سكتوا خالص.
صوت المعلقة وهي بتخبط في الكوباية هو اللي كان مسموع.
ندى خدت نفس عميق وقالت دغري:
— «طنط سامية.. خلينا ندخل في الموضوع على طول. حضرتك أكيد ماجيتيش المشوار ده كله عشان تسلمي علينا وبس. في إيه؟»
أحمد اتحرك بتوتر:
— «ندى، مالوش لزوم الأسلوب ده. ماما جاية تزورنا عادي.»
سامية قاطعته وهي بتمسح بقها بالمنديل بطريقة درامية:
— «سيبك يا حبيبي.. أنا خلاص اتعودت إني تقيلة على قلوبكم. بس بما إنك سألتي يا نودي.. أنا بعت البيت.»
سكت الكل.
حتى صوت الغلاية سكت.
أحمد بص لها مصدوم:
— «بيت إيه؟ قصدك بيت إسكندرية؟»
— «هو أنا عندي كام بيت يعني؟ أيوه طبعاً. البيت القديم. بقى حمل عليا، ومصاريفه كتير. ولو كنتوا بتزوروني أكتر من كده.. يمكن ماكنتش بعته.»
— «بس ليه ما قولتيش يا ماما؟ كنا اتصرفنا وساعدنا في تصليحاته.»
هزت كتفها ببرود:
— «على ما تتحركوا كان البيت وقع فوق دماغي. بعته وخلاص، والناس اللي اشترته ناس محترمة.»
ندى كانت بتراقبها بتركيز.
— «طيب.. وهتعيشي فين دلوقتي؟ عند دينا؟»
أول ما اتقال اسم بنتها، ملامح سامية لانت شوية.
— «يا بنتي شقة دينا ضيقة، ووراها عيلين وجوزها عصبي طول الوقت. هبقى مزنوقة عندهم ومش واخدة راحتي.»
أحمد سأل بحذر: حكايات منــال عـلـي
— «طيب وفلوس البيع يا ماما؟ ما كنتِ اشتريتي شقة صغيرة تلمك؟»
سامية بصت بعيد وقالت بهدوء مستفز:
— «اديت الفلوس لدينا. كانت محتاجاهم أكتر. عليهم أقساط شقة والعيال بيكبروا ومصاريفهم كترت.. قلت أريحهم.»
أحمد فضل باصصلها كأنه مش مستوعب.
— «استني.. يعني بعتي بيت العيلة كله، واديتي الفلوس لدينا.. ودلوقتي جاية تقولي هعيش فين؟»
سامية بصتله باستغراب كأن الموضوع مش محتاج شرح:
— «هعيش هنا معاك يا أحمد.. أمال فين؟ الشقة واسعة، ومفيش أطفال تديقني، والأوضة الفاضية اللي عندكم تكفيني.»
ندى ما اتفاجئتش.
كانت حاسة إن ده اللي هيحصل من أول ما سمعت صوتها على الباب.
بصتلها وقالت بصوت ثابت:
— «طنط سامية.. حضرتك بإرادتك اديتي مبلغ كبير لبنتك، وسيبتي نفسك من غير بيت.. ودلوقتي جاية تعيشي في الشقة اللي أنا دافعة تمنها وشقيانة فيها؟»
سامية فردت ضهرها واتضايقت:
— «يعني حتى ركن صغير ما بقاش ليا في بيت ابني؟»
ندى بصت في عينيها مباشرة وقالت:
— «اللي أقصده إن كل واحد بيشيل نتيجة قراراته. حضرتك ساعدتي دينا، وده حقك.. لكن مش من حقك تفرضي المسؤولية دي علينا إحنا.»
أحمد سكت.حصري علي صفحه روايات واقتباسات
وسامية لأول مرة فهمت إن دور “الضحية” اللي الكل بيجري يطبطب عليها.. المرة دي مش هيعمل نتيجة.
والجو اتكهرب في لحظة تقيلة.. قبل عاصفة شكلها لسه هتبدا
د درهم