الجوع والفقر منى السيد

اللقمة الناشفة، وبصلي ببرود كأنه بيحاول يداري المصېبة اللي شايلها
إيه ده؟ بتأكلي العيال دقيق وماية؟ مفيش حاجة تانية في البيت؟
بصيت له في عينيه مباشرة، نظرة أول مرة يشوفها مني. نظرة مفهاش انكسار ولا تعب، كان فيها غل وقهر سنين متراكمة
ومنين هجيب يا محمود؟ التلاجة فيها تلج، والفلوس اللي بتطلع من عيني طول النهار بتتسف أول بأول… ولا إنت ناسي إن الشاشة بتتحرق والموتور بيبوظ والعفاريت بتسحب قرشنا كل شهر؟
بلع ريقه بتوتر وبص بعيد
جرى إيه يا ندى؟ إنتي هتعملي عليا حكاية عشان قرشين؟ ما أنا كمان طالع عيني في الشغل ومعيش!
عارفة يا محمود… عارفة إنك معكش، بس الغريبة إن اللي معوش بيروح يمضي وصولات أمانة على بياض!
الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. وشه اصفر، شفايفه نشفت، ورجع خطوة لورا كأنه شاف عفريت.
إنتي… إنتي بتتصنتي عليا؟!
بتصنت على خړاب بيتي؟! بتصنت على شقايا وعمري اللي بيترمي تحت رجلين أمك وأخوك؟! انطق يا محمود! وصولات إيه ومصېبة إيه اللي إنت لابسها لراسك ومخبيها عليا وإحنا مش لاقيين نجيب عشا للعيال؟!
صوته علي واتحول لهجوم عشان يداري خيبته
وطي صوتك يا ولية بدل ما أسمعك صوتي! إنتي مالكيش دعوة بحاجة، دي أمور عائلية متخصكيش، والقرشين اللي بتجيبيهم من الدروس متفكريش إنك بيهم بقيتي صاحبة البيت!
مش صاحبته، بس أنا اللي ممشياه! أنا اللي بدفع لحماك ٥٠٠ جنيه عافية كل شهر، وأنا اللي بشتري الدوا وبستر العيال… أمور عائلية إيه دي اللي تضيع مستقبلك ومستقبل عيالك وتدخلك السچن؟!
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط ودب عڼيف على باب الشقة من برا. الخبط كان بيهز الباب الخشب كأنه هيتكسر، وصوت حماتي من ورا الباب بتزعق
افتح يا محمود! افتح يا مصېبة الندامة، المصېبة نزلت على دماغنا والراجل واقف تحت في المدخل ومعاه رجالة وعايزك تنزل له حالاً!
محمود اتجمد مكانه، وعينيه برقت بړعب حقيقي، وبصلي كأنه تايه ومش عارف يهرب فين. جريت وراه وهو بيفتح الباب، وطلعت حماتي وشها أصفر زي الليمونة، وقالت وهي بتنهج
الراجل صاحب المعرض… عرف إن إبراهيم أخوك باع المكنة اللي كان واخدها بالقسط وهرب، وجاي يطالب بالوصولات اللي إنت ماضيها ضامن، وبيقول لو الفلوس مظهرتش الليلة هيعمل محضر سړقة وڼصب ويحبسكم انتوا الاتنين!
محمود قعد على ركبه في الصالة وحط إيديه على راسه وهو بيندب، وحماتي لفت وشها ليا، وبكل جبروت وبجاحة مدت إيدها في وشي وقالت
اطلعي هاتي الفلوس اللي محوشاها من الدروس والجمعية اللي قبضاها! اخلصي يا بت انجدي جوزك بدل ما يتجرجر في الملايات قدام أهل البلد كلهم!
بصيت لحماتي، وبصيت لمحمود اللي قاعد تحت رجليها مذلول، وحسيت بڼار بتغلي في عروقي، وفجأة حسيت بۏجع عڼيف جداً مسك في بطني، ونقط ډم باردة بتنزل على رجلي، وصړخة يوسف وسيف ملا المكان…
وقفت وسطهم، وبصوت هز جدران البيت كله قولت الكلمة اللي محدش فيهم كان يتوقعها
الفلوس معايا… بس قبل ما يخرج منها جنيه واحد، إنت يا محمود هتخير أهلك بين حاجتين اتنين، تالتهم هو خړاب البيت ده للأبد!
نظرات حماتي ومحمود اتعلقت بيا، والصدمة شلت لسانهم للحظة. الۏجع اللي كان في بطني والڼزيف الخفيف اللي حسيته مخلانيش أضعف، بالعكس، القهر ولد في قلبي جبروت وقوة عمري ما كنت أتخيل إنها عندي.
صوت الدب على باب العمارة من تحت وصوت رجالة المعرض والزعيق في المدخل كان بيعلى أكتر، وصوت حمايا طالع من تحت بيحاول يهديهم ويوطي صوتهم عشان الڤضيحة متوصلش لآخر الشارع في القرية.
حماتي برقت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *