بنت عمي سرقت جوزي ج٢ منى السيد

حداشر بالليل لما العربيات دخلت من البوابات الجمركية المخصوصة للمنطقة الحرة في مينا إسكندرية.
ريحة اليود والمية المالحة ممزوجة بريحة السولار كانت مالية الجو. الأوناش العملاقة كانت واقفة زي الديناصورات في الضلمة، والموج بيخبط في جدار الرصيف الخرساني پعنف. قدام سفينة شحن ضخمة لونها أزرق غامق رافعة علم بنما، كان فيه أربع عربيات دفع رباعي مركونين، وحواليهم رجالة لابسين جواكت جلد تقيلة ومسلحين واقفين مستنيين تفريغ حاوية معينة متغطية بمشمع كحلي.
وسط الرجالة دول، كان واقف عاصم الرفاعي. راجل في الستينات من عمره، لابس بالطو كشمير تقيل وماسك عكاز أبنوس برأس دهب، وشه صارم بس التوتر كان باين في عينيه اللي بتبص في ساعته كل دقيقة.
الحاوية دي تتشمع وتتحمل على التريلات فوراً وتطلع على مخازن العامرية قبل الفجر! عاصم قالها بصوت بيزعق لمدير الرصيف المرتشي مش عايز غلطة واحدة! عمران الحديدي رجع القاهرة الصبح، ومش هنسيبله فرصة يشم خبر باللي هنا!
عمران مبيشمش خبر يا عاصم بيه… عمران بيصنع الخبر بنفسه.
الصوت جه هادي ورخيم من ورا الضلمة، مسبوق بصوت خطوات أقدام ثابتة على الأرض الأسمنتية المبلولة.
عاصم اتجمد مكانه، ولما لف وشه، لقى كشافات العربيات الجيب ولعت كلها مرة واحدة وعمت عينيه.
ومن وسط النور، ظهر عمران الحديدي، وجمبه فريدة التهامي… لابسة بالطو جلد أسود، عينيها قاطعة زي حد السيف، ومفيهاش ذرة خوف واحدة. وحواليهم في ثواني معدودة، انتشرت قوات مشتركة من مباحث الموانئ والأمن الوطني وقوات مكافحة التهريب الدولي، محاوطين الرصيف بالكامل من كل المنافذ، ورشاشاتهم موجهة مباشرة لعاصم ورجالته.
رجالة عاصم نزلوا سلاحهم في الأرض تلقائياً من غير ما ينطقوا بحرف.
عاصم وشه بقى لونه أبيض زي الورق، وسند على عكازه عشان ميقعش عمران؟! إنت… إنت بتعمل إيه هنا؟! دي بضاعة أجهزة طبية ومعدات بترولية مرخصة رسمياً!
فريدة قربت منه، ووقفت على بعد خطوتين بس، وبصت في عين الراجل اللي خان أبوها سنين أجهزة طبية يا أونكل عاصم؟ ولا 12 طن من المواد الكيماوية المحظورة وشحنات أسلحة غير مشروعة جاية لحساب شبكات تهريب دولية كان هشام بيدخلها بأوراق شركات بابا عشان لما تتكشف… التهمة تلبس في اسم جلال التهامي بعد مۏته وتتشوه سمعة عيلتنا؟
عاصم صوته اتخنق، وبص لفريدة بذهول فريدة؟! إنتي… إنتي إزاي وصلتي للفايلات دي؟!
وصلت لأن اللي بيبيع لحمه ودمه بيسيب وراه خيوط بتفضحه يا عاصم بيه، فريدة شاورت للمستشار رفعت الديب، اللي تقدم ومعاه العقيد طارق من مباحث الموانئ تسجيلات صوتية بينك وبين هشام، إيميلاتك المتبادلة مع البنك السويسري لتحويل العمولات بتاعة اغتيال بابا وتسميمه بالبطيء، وحسابات غسيل الأموال اللي اتفتحت باسم بنت عمي نورهان… كلها اتسلمت للنيابة العامة من ساعتين.
عاصم رمى عكازه في الأرض وصړخ پجنون أنا عاصم الرفاعي! مفيش حد يقدر يحبسني في البلد دي! أنا ساند ركاب بيزنس في مصر كلها!
عمران الحديدي حط إيده على كتف عاصم وضغط عليه بقوة خلت عاصم يوطي ركبته للأرض من الألم، وهمس له في ودنه بصوت واطي وبارد السوق اللي إنت سانده ده… أنا اللي بانيلك قواعده من تلاتين سنة يا عاصم. وجلال التهامي مكنش مجرد شريك، جلال كان خط أحمر… وإنت عديت الخط ده بإيدك. دلوقتي بقى هتدخل القفص جمب هشام وجمب نورهان وأمها، وهتقضوا اللي باقي من عمركم تسددوا حق الډم والمال.
الضباط مسكوا عاصم وكلبشوا إيديه ورا ضهره، وسحبوه مع بقية عصابته على عربيات الترحيلات وسط صفارات الإنذار اللي ملت سماء مينا الإسكندرية.
بعد
ما الرصيف فضي واتقفلت الحاويات بالشمع الأحمر، وقف عمران وفريدة على حافة الرصيف، قدام البحر الواسع اللي المطر بدأ يهدى عليه وبانت في الأفق أول خيوط نور الفجر الړصاصي.
فريدة طلعت من جيبها التليفون القديم الصغير… الجهاز اللي كان طوق نجاتها، وبصت له للحظة، وبعدين رمته بإيدها في قلب البحر المالح.
سمعت صوت نزوله في المية واختفائه تحت الموج.
رميتيه ليه؟ سأل عمران وهو باصص للأفق والسېجارة في إيده.
فريدة لفت وبصت له، وابتسامة راضية وهادية منورة وشها، عيونها مكنش فيها أي حزن ولا تردد، بل كانت عينين ست عارفة قوتها وقيمتها كويس جداً
رميته لأني خلاص مبقتش محتاجة رقم اتصل بيه وأقول تعال خدني… أنا بقيت أقدر أقف، وأواجه، وأحمي حقي بنفسي وبإيدي.
عمران بصلها، ولأول مرة ابتسم ابتسامة واضحة وصريحة، ومد إيده ليها
أبوكي لو كان عايش وشافك الليلة دي… كان هيرفع راسه بالسما ويقول دي بنتي فريدة جلال التهامي.
فريدة حطت إيدها في إيد عمران بقبضة قوية ومتماسكة
وبنت جلال مش هتسيب حقه ولا هتنكسر تاني يا عمران… والنهاردة، بنبدأ الصفحة البيضا اللي هنبني بيها إمبراطورية تليق باسم العيلة من جديد.
طلعوا مع بعض، ركبوا العربية ومشيوا مع أول طلوع لشمس النهار الجديد، سايبين وراهم كل الخېانة والظلم تحت تراب السجون، وماشيين في طريق النفوذ والحق والقوة اللي محدش هيقدر يهزها بعد الليلة دي.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *