عيون معصوبه دفنا عمر

نوفيلا عيون معصوبة
بقلم دفنا عمر
الفصل الرابع
_________

الفرحة تتقافز بأحداق بناته الصغار وهم ذاهبون لاستعادة والدتهن كما وعد أبيهم.. وقفت السيارة أما البناية فهبطوا متوجهين سريعا لشقة الجد وراحوا يطرقون على بابها بصخب محبب، ليستقبلهم الأول بلهفة وسعادة غامرة:

_ يا أهلا بحابيب قلب جدو.. وحشتوني ياقمرات.
حفصة: أنت أكتر يا جدوا
رهف: جبنالك معانا حاجات حلوة ليك انت وتيتة
أبرار: وكمان هناخد ماما معانا، مش كده يا بابا؟

تبادل الجد النظرات مع يونس في صمت قبل ان يهتف:

_ حمد لله علي السلامة يا ابني..

قالها مرحبا دون أن يشير لأي شيء أو يعاتبه ولو بنظرة كأنه لا يعلم شيء، ثم قال: ادخل جوه لمراتك في أوضتها وسيبني مع أحفادي شوية.. وبعدين يبقوا يدخلوا لأمهم بعدين.
ثم رمقه بنظرة ذات مغزي أدركها يونس:
_ أكيد عايز تقول لرضوي كلام مهم..
……… ..
اقترب ليصطدم بوالدتها تغادر غرفتها، فمنحته نظرة عاتبة ثم أشاحت عنه ومضت في طريقها لترحب بأحفادها..

لمحها فور دخوله إليها تقف مستندة بمرفقيها تنظر للأفق بشرود حزين..ترتدي منامة أكسبتها هيئة طفوليه مع نحافتها المستحدثة التي ذكرته بما عانت فوخزت قلبه، سار نحوها حتى لم يعد يفصل ظهرها عن صدره شيء.. ضمها برفق فاستشعر عزوفها محاول الفرار لكنه لم يستسلم وهو يجذبها بقوة.. أدارها إليه بإجبار، رمقته بعين دامعة يملأها اللوم والخزلان منه، فما كان منه إلا أن دنى يقبلها ويغمس رأسها علي صدره لتستكين هي دون كلمة تاركة العنان لدموعها تنهمر وهو يتلقاها بصبر رابتا برفق على ظهرها كأنه يهدهد إحدي صغاره..بدأ صوت نحيبها يعلو.. فهمس لها:

_ اششش.. أهدي عشان خاطري.. حقك عليا يا رضوي..عارف اني ظلمتك وجيت عليكي كتير عشان أمي وأهلي..عارف اني كان لازم اسمعلك واحترم نصايحك.. عارف انك صعب تنسي اللي حصل ليكي انتي والبنات ..بس عارف كمان اني لازم اعيد حساباتي من تاني لأن مش هسمح حد يأذيكم مرة تانية مهما حصل ومهما كانت قيمته عندي..

صمت ليقبل رأسها بحنان ثم قال: بس كان لازم تعرفيني يا رضوى اللي بيحصل معاكي..

_ كنت هتصدقني يا يونس؟

همست عبارتها وهي ترفع رأسها إليه فأطرق بغمغمة: لأ..للأسف ماكنتش هصدق..ثقتي في أمي كانت عامية.. لكن دلوقت خلاص عيوني فتحت يا رضوي..محدش هيخدعني تاني.. بس انتي سامحيني وارجعي بيتك اللي مالوش حس ولا لازمة من غيرك.. أنا والبنات زي اليتامي في غيابك..

أهتز قلبها لقوله فاندست بين ذراعيه ليستقبل جودها بعناق جارف روي به شوقه قبل يهمس: كل حاجة امي أخدتها من شقتك هجيبهالك..ألبسي ولمي هدومك عشان هنروح نشتريها ونرجع بيتنا..

عادت تطالعه بحنان هاتفة وهي تحاول توضيح الصورة له كي تصل لبغيتها التي تحملت لأجلها تلك التجربة: مش قبل ما تسمعني الأول.. أنا كانت مشكلتي التصرف نفسه يا يونس.. خصوصيتي كانت منتهكة بشكل كبير، وأنت حبك لأمك وأهلك كان فعلا أعمي..خلى المطبات قدامك وانت مش قادر تشوفها لأنك ماشي معصوب بثقتك وحبك ليهم..

واستطردت لتلقي مافي جعبتها وتدعم وجهة نظرها أكثر وتريه الصورة علي حقيقتها:

فاكر الأجازة اللي فاتت أما شكيتلك من اختك رندا اللي دخلت أوضة نومي وفتحت شنطة هدومي بدون استأذان واختارت من حاجتي اقيم عباية واخدتها؟
وقتها قولتلي معلش اختي أديها اللي نفسها فيه وهجيبلك وانا نازل افضل منها.سكت وقلت هعديها عشان انت بتراضيني وحنين.

ومرة تانية عملت نفسها بتروق الشقة رغم انها كانت زي الفل عشان تشوف برفاناتي وتحرجني وتطلب منها وهي متأكدة انها لو قالتلك هتيجي تقولي وتخليني أديها…ضايقني احساس ان حاجاتي في شقتي مرصودة وكل واحد بيشوف اللي عاجبه وبيشاور عليه لأنهم عارفين انك ما بتقولش لحد فيهم لأ..وفي نفس الأجازة أخوك وائل لمح تلاجتنا الصغيرة اللي انت شحنتها عشان تتحط في غرفة بناتنا للمية والفاكهة لأنهم كانو بيخافو يروحوا المطبخ بالليل يشربوا..وائل عجبته وطلبها منك وانت ببساطة اديتهاله ولما حفصة زعلت قولتلها هجيبلك غيرها بس مش هقدر اكسف عمك..كل ده كان قاهرني منك بس كنت اقول لنفسي ومالوا جوزك حنين وجدع وبيعتبر نفسه أبوهم..وبعدين ماهو بيحب اهلك وبيقدرهم ويحترمهم.. مش مهم فوتي عشان خاطره..

لكن توصل ان شقتي تتفتح وانا مش موجودة وتتاخد منها أكبر سجادة ومروحة وهدوم وحاجات كتير من النيش لقيتها ناقصة.. وانا معرفش بده.. ولما اجي ارجعها مامتك تمنعني بالقوة وتقريبا كانت هت*ض*ربن*ي هي واختك وانت كمان بعدها تزعقلي في التليفون وتهون من فداحة الموضوع وتقولي ما تعمليش مشاكل عشان كوبايتين؟.. ده كان كتير عليا وفوق طاقتي يا يونس.. ومع كده برضو سكت.. لكن كمان تبعت فلوس بناتك لوالدتك وتحسسني اني…

أوقفتها غصة لكنها واصلت بوحها الباكي:
عشان كده سكت في موضوع الشهرية اللي والدتك بتاخدها وبتوصلي منها الفتات عشان تشوف بنفسك اللي حصل فيا وفي بناتك من أقرب الناس ليك.. وإلا مهما قلت ليك كنت برضو هتكدبني تاني و… .

كمم فمها بإحدي أنامله ليوقف سيل كلمات وضعته أمام صورة مخجلة لنفسه وحرجا من أهله لما كان يحدث ولم يراه على حقيقته، فغمغم بحزن مقرون بخزيه من سذاجته: كفاية يا رضوي كفاية..كلامك بيوجعني ويصغرني قدام نفسي وقصادك أكتر..انا خلاص فهمت واتعلمت الدرس.. وأوعدك خصوصيتك محدش هيتعدي عليها ابدا بعد كده ولا يطمع في قشاية في شقتنا..ده حقك ومش هفرط فيه بعد كده.

ثم لثم جبهتها طويلا بحب وقال: يلا بقي عمري اجهزي خلينا نمشي مع بناتنا.. هسهركم برة بعد ما نشتري اللي نقدر عليه من اللي اتاخد منك وزعلك..وفي مفاجأة كمان بس هتعرفيها واحنا بره.. اتفقنا؟

هزت رأسها مبتسمة رضا: اتفقنا يا ابو أبرار.
________

أوقف سيارته أمام محل صائغ، فتسائلت بدهشة: انت واقف هنا ليه يا يونس؟
_ أنزلي وهتعرفي..

هبطت هي والصغيرات وعبروا للداخل وسمعته يهتف بالبائع: عايز تشكيلة حلقان حلوة لبناتي يختاروا منها.. وكمان هات أساور مناسبة للمدام عشان تشوف اللي يعجبها هي كمان..

هللت الصغيرات بينما رمقته هي بريبة ثم تنحت به للخارج لتفهم ما يحدث، فاقحمها داخل السيارة ليتحدثا بخصوصية!
_ في ايه يا رضوي؟
_ أنت اللي في ايه يا يونس؟. هو القرش اللي وفرته بعد نزولنا جاي تفرتكه كده؟
ابتسم ونظر لصغاره من خلال زجاج النافذة ليطمئن عليهم ثم عاد يناظرها قائلا: أنا صحيح نزلتك انتي وبناتنا عشان اوفر قرشين ونختصر الغربة.. بس اكتشفت إن مهما وفرت مافيش حاجة تساوي بعدكم
عني، انا اتبهدلت لما سكنت مع ناس تانية.. كنت تعبان ومش واخد راحتي لا في نومة ولا لقمة ولا قاعدة هادية.. وفي نفس الوقت انتي والبنات عشتوا تجربة صعبة بسبب امي..لازم اعوضكم اللي فات..عشان كده قررت من هنا ورايح مش هفارقكم وهترجعوا معايا تاني..

حملقت به غير مصدقة: بتقول ايه يا يونس؟؟ هتاخدنا معاك تاني بجد؟

لثم كفها مع قوله: أيوة يا رضوي هاخدكم تاني، الحمد لله إقامتكم لسه سارية.. هنرجع سوا وحتي لو حوشنا نص اللي كنت هحوشه مش مهم مادام هتكونوا تحت جناحي.. ها ايه رأيك في المفاجأة بقى؟

صاحت وهي تجفف دموعها من فرط تأثرها: احلى مفاجأة في الدنيا، انت محيت كل زعلي ربنا مايحرمني منك يا يونس ويخليك ليا ولبناتنا..
_ ولا منكم ياحبيبتي، يلا ننزل بقي البنات شكلها اختارت اللي عجبها..
_ طب مابلاش انا ووفر قرشين، كفاية فرحت بناتك.
_ والله ابدا.. هتنزلي تختاري أسورة حلوة زي ما كان نفسك قبل كده بعد ما أسورتك ضاعت..

مكثت تنظر له بحب، فهمس بأذنيها: وفري النظرات الحلوة دي لما نروح بيتنا ويلا ننزل للبنات.
___________________

تنتظر عودته بفارغ الصبر لتستميله إليها مرة أخري..غضبه منها يسلب النوم من عيناها ولا تشعر براحة..يونس أول فرحتها.. أحن وأبر أبنائها عليها.. لم يعصاها يوما.. وفي المقابل ماذا فعلت؟ كسرته وضللته وحرمت بناته من عزه.. وذلت زوجته التي للعجيب لم تحاول الثأر لكرامتها والتزمت الصمت.. سترمم علاقتها بهم مرة أخري.. ستكف عن ما كانت تفعل..لن تؤذيهم ثانيا..

لفحتها نسمة برد أرجفتها وهي تنتظرهم أمام النافدة، فذهبت تحضر وشاحها الصوف لتضعه علي كتفيها، وأثناء مرورها سمعت كلمة لفتت نظرها بصوت وائل، اقتربت لتنصت لحديثه لتتسع عيناها محملقة أمامها بصدمة لما يقول أبنها المدلل..

( شوفتي بقى ازاي خليتك احسن من اختك اللي خطيبها جبلها خاتم دهب في عيد ميلادها.. أنا جبتلك غويشة زيادة عشان تتبسطي يا ياقلبي.. لأ وحاجة تقيلة ومعتبرة وتملى العين..)
صمت برهة لتسمعه يستطرد( لا منا عملت حوار على امي وقولتلها تاجرت في المبلغ اللي بعته يونس وخسرت.. وانتي عارفة امي بتحبني ازاي.. هتتصرف وتاخد من اخويا مبلغ تاني.. بس المرة دي بلاش تزنقيني في حاجة تاني عايزين نوضب الشقة ونتجوز ياعصفورتي.

_ عصفورتك ولا غرابة خشت علينا بالخراب يا ابن ال…

هكذا هجمت عليه والدته مقتحمة غرفته وهي تنعته بالمسبات البذيئة بعد ما سمعته لتواصل بثورة وهو يطالعها برعب من فرط مفاجأته:
بقي بتستغفلني انت والبرص اللي خاطبها يا وائل؟ بتلبس امك العمة يا واد و تخدعني وتقولي تاجرت مع صاحبي وخسرت وساعديني ياما واتصرفي ياما واتاريك صارفهم علي الصرصارة خطيبتك وجايبلها دهب بفلوس اخوك وشقاه وتعبه ياكلب ياخسيس ياناقص..

انهت ثورتها بصفعة قوية علي وجهه أردته للخلف بضعة خطوات وهو ينظر لها بذهول غاضب، خاصتا وهاتفه مازال مفتوح بينه وبين خطيبته التي تسمع مايحدث، لتلتقط والدته الهاتف هادرة: اسمعي يا بت انتي.. الغويشة اللي المحروس جابهالك بفلوس اخوه تكون عندي انهاردة وإلا قسما عظما لاجي لحد بيتك اشرشحك انتي وأهلك وانتم عارفين أم يونس لما تقول يا شر ممكن تعمل ايه.. سامعة يا بت ولا لأ؟!

ثم أغلقت بوجهها الهاتف والتفتت تنظر لولدها ببغض وعيناها مغرورقة لكنها تماسكت مغمغمة: ياخسارة تربيتي فيك يا وائل.. يونس كان عنده حق أما قالي اني دلعتك لأنك أصغرهم وماشوفتش أبوك لما اتولدت.. بأيدي دي طلعتك أناني مابتحبش غير نفسك.. أنا اللي خليتك تطمع في اخوك وتتركن عليه.. أنا السبب واستاهل ان ابني يزعل مني.. ابني اللي عمره مازعلني ولا اتأخر عني في طلب.. بسببك ظلمته وظلمت بناته وأهانت مراته وذليتها.. بسببك مش قادرة ابص في عيونهم من الخجل.. ودلوقت بلوتي زادات أضعاف بعد اللي عرفته.. الله يسامحك يا وائل.. الله يسامحك يا ابني..الله يسامحك..

_ جرى ايه في الدنيا يعني لما عملت كده.. مش طول عمرك تقولي اللي معاه يدي اللي ممعهوش؟ يونس معاه كتير فيها ايه لو أخدت منه شوية، مش اخويا؟

_ لا يانضري.. لما تاخد من شقاه عشان ترسم نفسك قصاد خطيبتك يبقي تعمل ده من شغلك وتعبك.. ولو يونس حنين ومش بيرفض طلب ده مش معناه اننا نحلبه من غير رحمة.. يقف جمبك ويساعدك لما تكون عملت اللي عليك واشتغلت وعافرت.. لكن انت علي حس اخوك تشتغل يوم وعشرة قاعد ورامي كل الحمل عليه.. بس الغلط مش فيك.. لأ.. كله مني.. وزي ماخليتك كده انا هعرف ازاي اربيك من جديد يا وائل..وبكره تشوف..

واستأنفت بقسوة لم تحدثه بها يوما:
الغويشة هتيجي وتتباع وتمنها هيرجع لأخوك تاني لأن بناته ومراته أولي بفلوسه من خطيبتك.. والجمعية اللي دخلتها عشان اساعدك برضو من فلوس اخوك.. هفضها.. خلاص بح.. مافيش مساعدة تاني.. وانت عايز توضب شقتك ولا تهادي خطيبتك بدهب اشتغل واشقي واتعب واديها ياعنية.. انما أخوك مش هخليك تبص لقرشه تاني طول منا عايشة.. كفايه عليه صرف عليك وكبرك
وعمرك ما حملت هم حاجة بحسه..وشقتك دي أصلا هو اللي دافع فلوسها من جيبه..لكن دلوقت خلاص لازم تتفطم وتطلع للدنيا يا ابن بطني..

_ كده ياما بتتخلي عني؟ وكمان بتصغريني قصاد خطيبتي؟
_ انت اللي صغرت نفسك مش أنا.. وانا مش بتخلي عنك انا بلحق اللي فاضل فيك يا وائل..حرام تعيش كده.. حرام تستحل مال أخوك.. وحرام اساعدك علي كده تاني.. أنا ضميري مش بينيمني ودلوقت تعبانة أكتر بعد ما عرفت انك كنت بتخدعني..أنا مش هسامح نفسي ابدا علي اللي عملته بسبب حبي ليك.. وانت ربنا يسامحك ويهديك..

وتركته واندست بغرفتها ليبدأ نحيبها وجلد ضميرها القاسي وهي تتذكر ما فعلته.. يق*ت*ل*ها الخجل والحزن وتدعوا الله أن يغفر لها وتعود علاقتها بحبيبها يونس كما كانت..
___________

_ اتفضل حاجتك كلها أهي ومعطلكش..

نظر لمصوغات شبكتها بذهول وهو يغمغم: ايه ده يا شادية؟ بترجعي شبكتي ليه؟ كل ده عشان امي اتعصبت عليكي شوية في التليفون؟
طب ومالوا ما حماتك وزي امك برضو..

هدرت بعاصفة غضب: جري ايه يا وائل انت ماسمعتش امك كلمتني ازاي؟ أنا تعاملني كأني حرامية؟
_ ياشوشو كانت متضايقة مني وفشت زعلها فيكي اتحملي عشان خاطري..وبكره اعوضك الغويشة بأحسن منها لما نتجوز..
صاحت بتهكم: نتجوز؟! ماكانش يتعز يا وائل..
كان في وخلص ياروحي..
_ يعني ايه الكلام ده؟!
_ يعني انا مش هتجوز واحد امه هزأته قصادي واتحكمت فيه زي العيال.. انا لما اتجوز اتجوز راجل مش… .

أخرسها بصفعة قوية وهو يهتف بغل: دلوقت بتقولي عليا مش راجل بس لما كنتي تطلبي طلباتك اللي مابتخلصش كنت وقتها حبيبك وسيد الرجالة صح؟
أخص عليكي طلعتي مش بنت أصول وانا اللي مايشرفنيش اتجوزك يا شادية.. وأقسم بالله هاخد ست ستك لأن المرة دي هعرف اختار كويس.

حدجته بحقد وهي تتحسس موضع صفعته ثم بصقت خلفه وهي تهمهم بسخط: في ستين داهية تاخدك، إلهي تنشل في ايدك يابعيد..
______________

_ ده غلطك من الأول يا صاحبي..
قال بحنق: بقولك ايه يا مسعد مش ناقصك
_ يا وائل انا مش بأنبك بس اللي حصل ده في مصلحتك، البت شادية دي ماكانتش كويس ولا داخلة تعمر بيت.. مغرورة وراسمة نفسها علي الفاضي ده ربنا بيحبك انك خلصت منها.

قال بحزن: بس امي غضبت عليا يا مسعد، وأخويا يونس زعلان مني اوي..
_ وجاتلك فرصة من دهب تصلح ده كله
_ ازاي؟
_ روح لأمك ارمي في حجرها الشبكة الدهب اللي رجعتلك وقولها حقك عليا ياما انا كنت غلطان.. والدهب كله اهو مش بس الغويشة.. اتصرفي فيه زي ما يعجبك واختاريلي العروسة المناسبة وانا مش هقول لأ بس ارضي عني.. وقتها هتفرح انك سبت خطيبتك لأن هي من البداية مش حاباها..
غمغم بشك: تفتكر؟ بس حكاية انها تشوفلي عروسة نقاوتها دي ..
_ مالها؟ ما انت اختارت يافالح وشوفت نقاوتك.. سيب امك تختار مهما كان ليها نظرة وهتجيبلك بنت حلال زي اخواتك..
_ طب ويونس؟
_ نفس القصة روح استسمحه واعتذر وقوله انك هتعتمد علي نفسك بعد كده.. صدقني امك واخوك مش هيهون عليهم يخاصموك كتير.. قلت ايه؟
_ هقول ايه؟ مافيش قدامي طريقة تانية.. ادعيلي يامسعد..
_ ربنا ينور بصيرتك يا وائل.. واسمعها نصيحة مني ياصاحبي.. سيبك من شوية العاطلين اللي انت ملموم عليهم وركز في حياتك.. انت اخوك يونس بني البيت وكل واحد فيكم لقي شقة يوضبها ويسكن بدون إيجار.. كتر خيره لحد كده.. وضب شقتك وهات عفشك بشقاك.. والله هتحس بقيمة نفسك وقتها..

ابتسم ورمقه بامتنان: أظاهر اني حتي اصحابي اختارتهم غلط.. ازاي ماكنتش قريب منك من زمان يا مسعد؟
_ كله بمعاد.. يلا روح بيتك واعمل اللي قولته وربنا يصلح الحال.
___________

طرق بابها ودلف ناكس الرأس..
ما أن رآته حتى أعرضت عنه بناظريها فتقدم جاثيا أمامها ووضع علبة المصوغات قائلا: سامحيني ياما انا غلطان.. والشبكة اهي رجعتها وفسخت خطوبتي مع شادية..
ثم بتردد وواصل: لأ مش هكدب تاني.. بصراحة هي اللي فسخت الخطوبة وقالتلي معطلكش..
_ بنت ال “… ” هي كانت تطول ضفرك؟ طب وديني لاروح ابهدلها هي وأهلها..

ابتسم لحميتها لأجله وقبل كفيها وقال: تعيشي ياما.. والله انا الكسبان فعلا ماكنتش داخلة تعمر بيتي.. انسيها ياما ومن هنا ورايح مش هزعلك انتي واخويا تاني والله.. والشبكة اهي عايزة ترجعيها كلها ليونس موافق.. أنا هشتغل ومش هعتمد غير علي نفسي بعد كده.. والعروسة اختاريها انتي..

ابتسمت وجذبته لصدرها بحنان: ربنا يهديك يا وائل وتبقي أحسن الناس كلها..وبكره أجوزك تاج راسها.
_ يعني رضيتي عني؟
_ أنا عمري ما اغضب عليك ابدا ياغالي.. بس لازم تراضي اخوك كمان..
_ من غير ما تقولي والله كنت ناويها..

تنهدت ثم أعتراها الحزن ثانيا وهي تهمس بخفوت: ياريته يرضي عني انا كمان…
_ وهو زعلان منك ليه؟ منا خلاص مش هطلب منه فلوس تاني ايه علاقتك انتي؟

نظرت له بصمت وقالت: كل واحد فينا زعله بطريقته يا وائل..ربنا قادر يصلح ما بنا تاني..
_________

نوفيلا عيون معصوبة
بقلم دفنا عمر
الفصل الأخير
_______

الآن تدفقت الحياة في ثنايا وجوه صغاره وهم يشهدون عودة والدتهم إليهم، كما عاد الدفء والاستقرار لحياته.. تجول معهم في بعض المراكز التسويقية وابتاعو بعضًا من الأشياء التي استباحتها والدته من شقته وأسكنها بحقيبة سيارته.. ثم ذهبوا ليتناولوا العشاء في مطعم أنيق.. عائدين بعدها يحملون معهم ما جلبوه..صعدوا لشقتهم التي تعلوا شقة والدته بطابقان.

أثناء صعودهم وثرثرة البنات المازحة حولهما تخدش سكون البناية بينما كف يونس يحتضن أنامل زوجته بحب وسعادة متلهفا لخلوة وصال تروي شوقه لها.. ظهرت والدته أمامهم مُشرعة بابها تدور في وجوه الجميع.. لم يغيب عن ناظريها عناق كف ولدها بزوجته وفرحته هو وصغاره التي خبؤ بريقها قليلا وهم يطالعوها..كما لاحظت بريق أخر لإسوارة تحوط معصمها.. يبدو أن ولدها حاول بكل الطرق إرضاء زوجته لتعود إليه..

ترقب يونس بقلق رد فعل رضوى.. تمني ألا يحدث بينهما صدام يعكر صفوهم خاصتًا أمام بناتهم الصغار، يكفيهم ما عاصروه طيلة الفترة الماضية من جدتهم..

_ أنا عاملة رز بلبن حلو أوي.. تعالوا دوقوه هيعجبكم..

نكس رأسه بحزن لا يعرف ماذا يفعل، يود تلبية دعوتها لكن يهاب ردة فعل صغاره وزوجته أن يرفضوا بفظاظة.. لن يتحمل هذا..هَمَ بقول شيء ما يلطف الأجواء فقاطعه مبادرة أبرار بقولها:
_ شكرا يا تيتة.. بابا أخدنا أحنا وماما مطعم واتعشينا بيتزاهت وبعدين أكلنا طواجن أم علي عشان أختي رهف بتحبها أوي..
بينما صاحت الأخيرة وهي ترفع كف والدتها:
شوفتي يا تيتة بابا جاب لماما ايه؟ وجاب لكل واحدة فينا حلق دهب كمان.. شوفتيهم؟
واستعرضت الصغيرة أذنيها للجدة ببراءة لا تشوبها خبث.. فتبادل أبويهما النظرات ثم غمغم يونس وهو يربت علي كتف والدته كي لا يخذلها: تسلم ايدك يا ماما زي ما بنتي قالت، أتعشينا بره.. بكره الصبح هنزل أنا والبنات عشان ندوق الرز بلبن بتاعك..

رغم كل ما حدث يرفق بها ويبرها ويخاف غضبها ويراعي مشاعرها.. كل مرة يعاملها بهذا الفيض من الحنان والرفق تتقزم في مرآة ذاتها أكثر وأكثر وتشعر بالندم..ليته كان فظًا غليظ القلب..ما كانت أحست بهذا التحقير داخلها، أطرقت رأسها تهتف باستسلام من فقد حقوق الطاعة:
زي مابتحبو يا ابني.

_ ممكن أدوقه؟

سماع هتافها جعل عيناه تجحظ وهو يرمق زوجته بدهشة بعد ما قالته بينما تطالعها والدته بذهول مماثل غير متوقعة أن تسمع صوتها فضلا عن أن تقبل تناول شيء من يدها..

_ خلاص وأنا كمان هاكل مع مامتي..

قالتها الصغيرة حفصة وهي تتعلق بكف والدتها.. ليتعاظم شعور الجدة بالدناءة والخسة أمام نفسها بقوة..تذكرت ما فعلته كأنها كانت أخرى..نفضت عنها تخبطها وتمسكت بأذيال الفرصة وهي تصيح بحفاوة حقيقة تلك المرة: طب يلا ادخلو يا حبايبي وانا هجيب أطباق للكل..

دلفوا جميعهم فقالت رهف: أنا بطني مليانة مش هقدر أكل تاني يا ماما.. ثم حدثت شقيقتها: أنتي مفجوعة ياحفصة؟ أزاي هتاكلي بعد ما اتعشينا بيتزا وام علي؟
_ عيب يا رهف سيبي اختك براحتها..

نهرتها رضوي ويونس يعتصر كفها بين راحته يريد غمرها بقبلاته لموقفها المشرف لأنها لم تكسر خاطر والدته ورفقت بها..منحته نظرة متفهمة تلقفها بحب وشكر كأنه يعدها أن يكافئها بالكثير فابتسمت له، لتأتي الأخرى حاملة أطباق حلواها بحماس غير مصدقة أنهم الآن بين جدران منزلها..

بيدٍ مرتعشة أمسكت طبق الحلوى وعجزت أن تقدمه لزوجة ابنها..ليباغتها يونس باحتواء كفها بعد نزع الطبق منه ثم لثمها بتقدير هاتفا: تسلم ايدك يا ماما أكيد حلو من قبل ما ندوقه..

لم تستطع الصمود تلك المرة، جرفها تيار مشاعرها المذنبة لعاصفة بكاء بدأت بسحابة دموعها تكثفت بين مقلتاها وأنهمرت سريعا ليضمها إليه يونس رابتا عليها لتهدأ..

_مالك ياتيتة؟
_طب خلاص ماتبكيش هناكل الرز بلبن..
_ وانا كمان بس ماتزعليش

الأولي من حفصة والثانية قالتها رهف أما الثالثة من أبرار ليعلوا صوت نحيب الجدة بين ذراعي يونس فيحتويها أكثر.. ثم نظر لأكبر صغاره قائلا: حبيبتي، خدي المفتاح من ماما واطلعي فوق مع اخواتك..
حفصة: لا أنا عايزة افضل مع تيتة يا بابا..

رمقها بحنان: اسمعي كلام بابا ولا عايزاني ازعل منك؟
أزعنت لأمره وهي تحدج جدتها بشفقة: حاضر..
……… ..

لم يعد غير ثلاثتهم بعد صعود الصغار.. فأجلسها فوق أريكة قريبا وجثى على ركبتيه محتويا وجهها بين راحتيه: كفاية يا أمي دموعك غالية عندي..
ظلت كتل جسدها تهتز بكاءً منكسة رأسها لا تقدر علي النظر إليه.. فرفع وجهها عنوة لتبصره ثم قال: يا ماما مهما حصل انتي امي وحبيبتي ورضاكي ودعاكي أهم حاجة عندي.. خلاص اللي حصل حصل أنا مش زعلان منك.. ثم نظر لزوجته مرسلا بنظراته رجاء خفي وقال: ورضوي كمان مش زعلانة منك..

رمقته الأخيرة بغموض طال معه صمتها قبل أن تقول: لأ زعلانة..

سقط قلبه بين ضلوعه وشحبت ملامحه.. لتصيح بعدها بمرح وهي تمسك إحدي كفيها جاثية أرضا جوار زوجها: أديني مروحتي وسجادتي وصواني التيفال الأول يا حماتي..

رمقتها الأخيرة بدهشة غير مصدقة أنها عادت تمزح معها، ليقول يونس ملتقطا طرف مزاحها: طب وبالنسبة للأسورة الدهب اللي دفعت فيها دم قلبي؟ مش عجباكي يا ست هانم؟ ماهي دي بدال صوانيكي ومروحتك..

نقلت بصرها بينهما وجبل ذنبها يزداد ارتفاعًا وثُقلا لتقول بصوت مبحوح من البكاء: سامحوني يا ولاد حقكم عليا.. أنا ظلمتك انت ومراتك يا يونس.. جيت عليك وكنت أنانية.. أكلت شقاك لاخوك زي ما قلت..ومش عيب وانا في عمري ده لما اقول انكم علمتوني درس مش هنساه.. لو حد تاني غيركم ما كانش بص في وشي تاني.. لكن انتم فيكم الخير.. سامحوني يا ولاد سامحوني..

ثم عانقت كليهما بقوة رابتة علي ظهورهما ثم ابتعدت وغابت عنهم لحظات وعادت تحمل بيدها مغلف ورقي وقالت: خد يا بني فلوسك اهي رجعتلك..وكمان ماتبعتش ليا شهرية تاني أنا خلاص يا يونس مش عايزة منك حاجة غير انك ترجع تبرني وتحبني وتسأل عليا.. خلي فلوسك لمراتك وبناتك وانا معاش ابوك هيكفيني ويكفي علاجي ماتشلش هم..وأخوك وائل من هنا ورايح هخليه يعتمد علي نفسه.. محدش فينا هيطمع فيك تاني أوعدك..

تمزق نياط قلبه لكسرتها.
لا عاش ولا كان لو جعلها تظن انه لن يتكفل بها ثانيا.. أمسك كفيها وراح يلثمهما بقوة وهو يقول: إياكي تقولي كده تاني يا أمي، وطول ما في نفس في صدري هفضل متكفل بيكي لأخر عمري..حياتي ليكي وقرشي كله ليكي وقبل ما ابعت لمراتي وبناتي هبعتلك قبلهم..

دمعت عين رضوى وتأثرت بحديثهما ورغم غضبها السابق من طيبة زوجها.. الآن شعرت بالفخر به وهو يغرق والدته ببره وحنانه.. ربتت علي ظهره وقالت: وانا معاك في كل كلمة يا يونس.. حماتي قبلنا..

نظرت لها الحماه ومازالت تصدمها الدهشة من تسامح زوجة أبنها وفعلت أخيرًا ما تمنته كثيرا منذ ما حدث..عانقت رضوي بقوة وهي تملس علي رأسها قائلة: سامحيني يابنتي أنا ظلمتك وجيت عليكي وحرمتك من خير جوزك وكنت مفترية وقاسية حقك علي راسي يا بنت الأصول..

_ خلاص يا حماتي مسمحاكي ونسيت كل حاجة.. خلينا نفتح صفحة جديدة مع بعض..
ابتعدت عنها وقالت: طب ارجعي قوليلي يا طنط أو ماما زي الأول وبلاش حماتي دي..أنا بحس ان الكلمة دي شتيمة..

تجمدت حدقتي رضوى ويونس لحظات ثم انفجرا مقهقهين بقوة لدعابتها العفوية، وقالت الأولى مازحة: بصي هي مش شتيمة بس دايما كنت بقولها بغيظ دفين كده وانا شايطة منك يا… .

ترقبت هي ويونس قولها لتواصل بطيب نفس: يا ماما..
_ لا كده مش قادر استني اما نطلع بيتنا ويتقفل علينا باب..

قالها وهو يجذب زوجته ويلثم وجنتها معانقا اياها بقوة جعلتها تخجل وهي تلومه: يونس في ايه اعقل..

ضحكت والدته صائحة: لا كده اطلعوا شقتكم بلاش فضايح..
_ والله يا ماما نفس رأيي بالظبط..
ثم نهض وساعد زوجته لتنهض معه: الصبح هننزل كلنا نفطر معاكي يا ست الكل..
منحته نظرة يسيل منها الحنان والرضا وهي تقول: مستنياكم من دلوقت يا غالي.. يلا خد مراتك واطلع، ربنا يهدي سرك ويريح قلبك زي ما ريحت قلبي..

قبل رأسها ثم اصطحب زوجته صاعدين للصغار.
_____________

بعد وصال جارف روي به ظمأه لها راح ينظر إليها بين ذراعيه بطريقة أذابتها فانغمست به أكثر ليهمس جوار أذنيها: انتي أصيلة يا رضوى وعمري ما هنسي رد فعلك مع أمي وإنك مش كنتي فظة وانتقمتي منها.. شكرا انك راعيتي سنها ومكانتها عندي ومشيتي المركب.. وحقك عليا مليون مرة علي اللي حصل منها واوعدك ده مش هيتكرر تاني..مش أمي بس اللي اتعلمت الدرس.. أنا كمان فهمت الفرق بين اني اكون طيب ومطيع لدرجة العمى.. واني اسيب حد يستغلني حتى لو أقرب الناس..مش هخلط تاني الأمور واسيبكم تحت رحمة حد حتى لو كانت امي.. محدش بعد كده هيعرف عننا حاجة..

تنهدت ومازلت قابعه بين أحضانه مغمغمة: كلنا بنغلط يا يونس.. المهم اننا نتراجع ونصلح غلطنا قبل فوات الآوان..ثم رفعت وجهها إليه: أنا عمري ما همنعك تأدي واجبك ناحية أمك واخواتك ولا اخليك تقسى عليهم.. كل اللي طالباه ميزان عدل مايظلمش حد فينا..يعني ولا تظلمنا عشان أهلك.. ولا تظلم أهلك علشانا.. وفي نفس الوقت كل واحد يعرف حقوقه.. تساعد اخواتك ماشي.. بس بدون ما حد يستغلك ويستحل شقاك اللي بناتك أولي بيه لأنهم مالهمش غيرك.. أمانتك اللي هتتسئل عنها يوم القيامة..

طبع قبلة مطولة علي جبينها وقال: وهتسأل عليكي انتي كمان يا رضوى..عشان كده بقولك سامحيني لأن ضميري تاعبني..

ابتسمت واحتضنته مع قولها الحاني: شكلك ماتعرفش معزتك عندي يا ابو أبرار.. ده انت الحتة اللي في الشمال ياجدع..
ابتسم وشدد بضمها: بحبك يا رضوي..
رفعت رأسها إليه ومازحته: طب خلي امك تديني سجادتي الغالية وصواني التيفال..
قهقة وقال: وغلاوتك لاشتريلك أغلي سجادة تعجبك وتشاوري عليها..وطقم تيفال كامل..
ابتسمت وعادت تفترش برأسها صدره مطمئنة بسلام عاد يغمر روحها من جديد..ثم استسلما معا لغفوة متعانقين بوجوه باسمة..
__________

_ يونس.. عامل ايه يا اخويا؟
رمقه بنظرة ذات مغزي وقال: الحمد لله يا حسان بخير..
_ طب مش ناوي تجيب مراتك والبنات وتتغدي عندي يوم قبل ما تسافر تاني.

صمت برهة ثم قال باقتضاب: خليها للظروف..
وهم بالسير بعيدا، ليوقفه شقيقه: استني عايز اكلمك.. ظل يونس يواليه ظهره صامتا، فاستطرد الأخر: أنا ماكنتش اعرف ايه اللي بيحصل بين مراتك وامي..انت عارف اني بخلص شغلي اخر الليل وباكل لقمة مع العيال وبنام للصبح..ولما لاحظت شوية توتر بينهم سألت مراتي قالتلي ان رضوى اتخانقت معاها عشان الحاجات اللي اتاخدت من شقتها بدون علمها.. قلت في بالي انك عارف وهتحل الموضوع بينهم وسكت.. لو اعرف إن… .

_إن ايه؟ كمل يا حسان.. أنت في نفس البيت عايز تقولي ولا مرة حاولت تسأل علي بنات اخوك ومراته تطمن بنفسك؟ كنت مستني صدفة تجمعك بيهم عشان تفهم اللي حاصل؟ ولا كنت شايف وقلت وانا مالي اهم حريم و يصطفلوا..

اهتزت حدقتي حسان بتوتر، فقال يونس: أنت اخويا وعارف طبعك.. طول عمرك تحب تبقي مع نفسك ومالكش دعوة بحد.. بس يعز عليا يا اخويا ان بناتي ومراتي يحصل فيهم كده وانت معاهم بيتقفل عليكم باب عمارة واحدة.. كنت فاكر لما اسيبهم هنا هيكونوا في حمايتك.. كنت فاكرك عيني وسطيهم وقت الجد هتسد مكاني.. بس كل واحد فيكم اتعود يفكر في نفسه وبس.. اتعودتم تاخدوا وماتدوش..

تنهد بأسي مستأنفا: على كل حال اللي حصل مش هيتكرر.. أنا هاخد مراتي وبناتي معايا تاني وأنا مسافر مش هسيبهم.. مش مهم اعمل قرش للزمن زي ما كنت عايز.. وجودهم في حضني بالدنيا وما فيها.. مادام ماليش هنا ضهر اتسند عليه يبقي خلاص.. واهي تجربة وعدت واتعلمنا..

_ يونس..

أوقفه ثانيا واقترب ليواجهه: حقك عليا يا اخويا أنت طول عمرك كبيرنا وفي مقام ابونا رغم ان فرق العمر مش كتير ..أنا فعلا كبرت دماغي وعملت نفسي مش فاهم وقلت امي تتصرف زي ما هي عايزة واكيد انت عارف وموافق..بس كان لازم اهتم واراعيهم واسد اللي امي قصرت فيه.. سامح اخوك الصغير يا يونس.. ولو عايز تسيبهم في مصر عشان توفر لهم قرشين اطمن.. أقسم بالله ما هغفل عنهم تاني وهيكونوا في رقبتي وده قسم هتحاسب عليه قصاد ربنا..ووائل هعرفه ازاي ينشف ويعتمد علي نفسه مش هسيبه لامي تدلعه وتحل مشاكله زي الأول.. المهم ماتمشيش زعلان مننا عشان خاطري..

كيف يقسوا والقسوة ليست في طبعه؟
مهما حدث لا يساعه إلا أن يغفر لهم.. هم أهله واحبائه وبمثابة صغاره.. بسط ذراعيه يدعوه لعناق، فتلقفه حسان بقوة وأسفه يغمر وجهه، فربت عليه يونس: خلاص يا حسان احنا اخوات مهما حصل..والزعل راح لحاله.. أما رضوى والبنات انا هاخدهم معايا لأن لقيت ان مافيش حاجة تستاهل ابعدهم عني..

ثم مازحه وهو يبتعد عنه: بس مش هسافر قبل ما تعملي عزومة رومي وبط ومحشي من بتاع زمان..

منحه ضحكة دامعه وقال: من عيوني.. حالا هشتري الطلبات لمراتي وهتشتغل فيهم من دلوقت..

_ لا ياسبع خليها الجمعة يوم أجازتك.. انهاردة أخو مراتي عازمنا عنده..يلا روح شوف رزقك ربنا يوفقك.

كاد ان يغادر لكنه استدار ثانيا يقول: بجد مش زعلان يا يونس؟
ابتسم رابتا علي كتفه: كأنك مش عارفني.
_ أطيب قلب في العالم كله.. أنت الوحيد اللي طالع لابويا الله يرحمه.. اخدت كل حنيته وأخلاقه..
_ الله يرحمه يا حسان الله يرحمه..
يلا بقي روح لحالك وبالليل نتكلم..
_ ماشي يا اخويا..
___________

_ بجد يابابا هنرجع معاك؟ يعني خلاص مش هتسيبنا لوحدنا تاني؟
ربت على رأس ابنته حفصة: لا ياحبيبتي مش هسيبكم.. منين ما اكون هتبقوا معايا..
أبرار: أنا فرحانة أوي يا بابا انك هتاخدنا..عشان خاطري ما تسبناش لوحدنا تاني ابدا..
تنهد وطيف حزين غزى خياله وقال: متخافيش يا بنتي مش هيحصل.. روحي بقي نادي ماما وحفصة عشان ننزل نقعد مع تيتة وأعمامك شوية.. خلاص بكرة مسافرين..
_ حاضر.. هشوف خلصت رص الشنط ولا لسه..
……… ..
_ ماما.. خلصتي؟ بابا بيقولك يلا عشان ننزل لتيتة.
_ أنزلوا وانا هحصلكم يا أبرار..
_ طب ما نستناكي..
_ لسه قدامي شوية.. قولي لبابا انزلوا انتم
_ ماشي..
_________

ألتف جميعهم حول طاولة الطعام، فصاحت والدتهم: أستنوا أما رضوي تنزل.. ماتستعجلها يا يونس..
_ رنيت عليها وكنسلت شكلها نازلة..

غارت زوجة حسان من هذا الاهتمام المباغت بسلفتها بعد أن كانت هي حبيبة الحماة الوحيدة، فقالت بدفع من غيرة مضرمة داخلها: ألا صحيح يا يونس مش ناويين كده تجربو تاني يمكن ربنا يكرمكم بحتة عيل المرة دي يخلد أسمك في الدنيا بدال…..

_ سحر.. أنتي اتجننتي؟ ولا اتهبلتي في مخك؟

هدر بها زوجها وهم بصفعها فمنعه شقيقه الأكبر مهدئًا: جرى ابه ياحسان انت اتهفيت في عقلك؟ هت*ض*ر*ب مراتك قدامنا..
_ مش سامع قالت ايه يا اخويا..
_ معلش مش قصدها.. أكيد نيتها خير.. مش صح يا مرات أخويا ولا أنا غلطان؟

تلعثمت بحرج: ها؟ أه.. أمال ايه خير طبعا.

_ والله ياما ولاد جابوا الكافية والمرض لأهاليهم.. الرك علي التربية.. وبنات يونس هما اللي هيخلدوا أسموا بأخلاقهم وسيرتهم الحلوة.. وسواء خلف ولد ولا محصلش نصيب ضافر أصغر عيلة عند ابني برقبة ميت واد يا “سحر”..فهماني يا نضري؟

ومضت عين يونس بنظرة شكر وتقدير ورقص قلبه فرحًا من دفاع والدته الحار عنه وعن بناته، بينما الأخري احتقن وجهها بقوة وغمغمت: فاهمة ياحماتي..

_ السلام عليكم..

التفت جميعهم لرضوى وارتعب يونس من أن تكون سمعت شيئًا، فقالت مبتسمة: معلش ياجماعة اتأخرت عليكم كنت بحضر الشنط واخدت وقت زي ما انتوا عارفين.. ثم دنت من والدة زوجها وقالت: دي شوية نواشف وتوابل وبرجر وسجق ياطنط قلت تستخدميهم انتي عشان وائل بيحبهم وعملت حساب وسحر كمان..
_ تسلمي يابنتي..
حفصة: يلا بقي ياماما جوعتينا.. وتيتة عاملة اكل حلو اوي..

حدجت حفيدتها بحنان قائلة: بألف هنا يا روح تيتة.. يلا ولاد بسم الله..وراحت توزع علي الجميع الطعام.. ثم بدأت سهرة عائلية أخيرة قبل سفر ولدهم الأكبر..
__________

غطت وجهها بطبقة كريم مرطب لبشرتها ويدها ثم اضجعت جوار يونس وقالت: أنا سمعت كلام مرات أخوك عن خلفة الولد..

فزع أصابه والتفت لها قائلا بدفاع مسبق: والله أخويا كان هيضربها لولا حوشته وامي… .

_ عارفة.. بقولك سمعت كل حاجة..

ضيق عيناه بعد أن لاحظ هدوئها الغريب، والأغرب تلك الابتسامة علي شفتيها فتسائل بريبة: سمعتي ومش زعلانة؟
هزت رأسها: لأ.. مش زعلانة.. بالعكس فرحانة..

دفاع مامتك عني وعن بناتي ده قيمته كبيرة أوي عندي يا يونس.. نصفتني وردت غيبتي واتأكدت انها فعلا ندمت واتغيرت معانا بجد..جبرت خاطري بعد ما كلام مرات اخوك جرحني فعلا.. مع أني والله بحمد ربنا ليل نهار علي الملايكة اللي عندنا.. غيرنا مش طايل ضفرهم..
ثم تنهدت مع قولها: يلا الله يسامحها ويهديها
ضمها لصدره: ربنا يكملك بعقلك يا حبيبتي.. والله انتو عندي الدنيا وما فيها.. المهم انك مازعلتيش.
_ متخافش، أنا مبسوطة عشان راجعة انا وبناتي معاك.. يونس انا من غيرك فعلا بكون ضايعة.. ربنا مايفرقنا تاني ابدا..
_ اللهم امين يا رضوى.. يلا ننام بقي عشان طيارتنا بدري.. وكمان عايز برضوا اقعد مع امي شوية قبل سفرنا أحسن دي بتعيط من دلوقت..صعبان عليا فراقها اوي..
_ معلش بكرة تتعود.. واهو شوية وهتتلهي في جواز اخوك وائل.. صحيح هو ليه ماكانش معانا انهاردة..؟وكمان راندا أختك ماجتش..

_راندا لسه في أول حملها ومقدرتش تيجي بس انا زورتها من يومين اطمنت عليها، أما وائل لا كان موجود ومشي قبل ما تنزلي بشوية.. الصنايعية وصلوا عند شقته وكانو محتاجين المفتاح عشان يدخلوا يشتغلوا، فاضطر يستأذن مني..وبصراحة حاول يراضيني واعتذر عن استهتاره ووعدني انه هيتغير ، انا برضو ظبطه بكلمتين جامدين عشان ينشف شوية.. ربنا يهديه ويكون استوعب كلامي وهيلتزم زي ما قال..
تثائبت وهي تقول: إن شاء الله ربنا يصلح حاله..يلا بقي ننام..

اعتدل وأخذها بين ذراعيه ولم يمضي الكثير إلا وهما غارقين بنوم عميق.
_________

قلبه مفطور لبكائها قبل أن يغادر فحاول تهدئتها: وبعدين يا ماما هو انا مسافر ليه مش أكل عيشي؟
_ غصب عني تعودت عليكم.. بالله عليك ما تطول الغيبة عليا.. ياعالم الوجوه هتتقابل ولا…

_ كده برضو يا ماما توجعي قلبي وتزعليني وانا مسافر؟
_ لا ياضنايا ماتزعلش حقك عليا.. بس تكلمني لما توصل وكل يوم..
_ وكل ساعة لو عايزة.. بس انتي اتعلمي تردي على فايبر أو إيمو..
_ كيمو مين اللي ارد عليه يا ابني؟ أحياة النبي ما اعرفوا.. هو معاه رقمي طيب؟

انفجر أحفادها الثلاث بالضحك ومعهم رضوى، فعاتبهم يونس بنظرة كاتما ضحكته هو الأخر: عيب يابنت منك ليها تضحكوا علي كلام تيتة..

حفصة: ياتيتة أسمه إيمو.. ده برنامج اتصالات علي النت.. ازاي مش عرفاه بس..
_ وأنا هعرفه منين بابنتي..
أبرار: ولا يهمك يا تيتة أنا هبقي اعلمك ازاي تستخدميه لما اكلمك من هناك..
غمرتها بحنان هي وشقيقتاها ثم نظرت لرضوى وهتفت: مسمحاني يابنتي؟
لثمت كفها بإجلال: أنتي اللي سامحيني لو زعلتك في حاجة يا ست الكل.. وماتقلقيش هنكلمك كتير انا والبنات فيديو.. ممكن حسان يبقي يعلمك كمان..
_ ان شاء الله.. ادعولي في الطيارة بيقولوا دعوة المسافر مستجابة..
_ من عنية..

صاح يونس: يلا نمشي بقي عشان روتين المطار بياخد وقت..

تسارعت دقات قلبها من وجع الفراق لكنها اخفت دموعها بكل ما أوتيت من قوة: بالسلامة يابني.. ألف سلامة يا يونس.. قلبي وربي راضين عنك.. هدعيلك في كل ساعة فجرية وكل شروق يسلمك من المهالك يا ابني..

قبل وأسها طويلا واغرورقت عيناه: دعواتك دي زادي في سفري يا أمي.. أدعيلي دايما.. أشوف وشك علي خير ياغالية..
__________

حلقت الطائرة في الهواء وتبخرت معها كل الذكرايات السيئة في نفس رضوى ويونس والصغار..
سقطت عن الأذهان مواقف قاسية وحل محلها أخرى مغايرة رممت شروخ الروح التي بدت لن تندمل قط..لتبدأ للتو صفحة جديدة في حياة الجميع..
وعلاقات أكثر احتراما وحبا ومراعاة للخصوصية..
———-

تمت بحمد الله

منتظرة رأيكم في النوفيلا❤️

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *