عيون معصوبه دفنا عمر

صنعت لهما أجزاء من الخبر البلدي ويكسو محياها جمود عجيب لو رآه أحدهم لعلم أن عاصفة وشيكة ستقلب الأجواء..
وشيكة جدا..
_________

صاحت الصغيرة حفصة بحزن: الفانوس ده وحش يا تيتة مش بيغني اغاني رمضان.. انا عايزة واحد تاني..

قالت بجفاء: بلاها دلع ماسخ اهو فانوس وخلاص.. ولا ان ماكنتش الحاجة غالية ما ترتاحوش يا بنات يونس؟
أبرار بجدال لأنها أكبرهم : وفيها ايه يا تيتة لو جبتي لينا الفوانيس اللي تعجبنا؟ طب خلي ماما هي اللي تشتري.. هي عارفة بنحب ايه؟
_ أنا اشتريت فوانيس واتفضينا.. مش هنشتري حاجة تاني ونغرم فلوس علي الفاضي..

نكسوا الصغار رؤسهم، بينما لمعت عين أكبرهم بضيق، كانت تظن جدتها ستكون أكثر حنان وحب معهم.. لكنها لا تحبهم.. فقط تحب ابناء وبنات عمها الأخر.. لا تحبهم.. ليتهم ما عادوا هنا وتركوا أبيهم..

نظرت لوالدتها ولأول مرة تفهم وتعي ما تعاني منه
كأنها نضجت سنوات تفيض عن عمرها الحقيقي..
____________

أقبل شهر رمضان المبارك والحال كما هو لا جديد غير أن بالون الغضب المكتوم داخلها يكبر ويتضخم.. لكنها تتصبر بأن الفرج قريب..
……….

رهف: ماتيجوا نحكي لبابا اللي بيحصل معانا من تيتة؟ وازاي ماما زعلانة وبتعيط؟
حفصة: بس ماما علمتنا ما نقولش لبابا حاجات تزعله أبدا في التليفون.
أبرار: أيوة ده الصح عشان مش يزعل وهو لوحده .
رهف: بس تيتة مش بتحبنا
حفصة: بتعب ولاد وبنات عمنا التانيين
أبرار: ماتزعلوش يابنات.. أهم حاجة ماما وبابا بيحبونا.. يلا بقى ننام عشان سهرنا أوي..

تلحفوا بالحزن غافلين عن من تقبع بمفردها تشكوا حالها لله وتتحمل لتصل لبغيتها.. فإما أسقطت الغمامة التي تُغشي عيناه..
وإما أنتهت رحلتها معه..
إلى الآبد..

_______

نوفيلا عيون معصوبة بقلم دفنا عمر

نوفيلا عيون معصوبة
بقلم دفنا عمر
الفصل الثالث
________

ذراعيها النحيفة تتشابك حول ركبتيها الأشد نحولا.
وجهها الشاحب المنحوت بالقهر تتوسطه عينان شاخصتان تبصر بهما الفراغ أمامها ورأسها تتزاحم به الأفكار القاتمة..تتسائل بصوت العقل الهامس، هل ستربح معركتها مع غفلته المظلمة وتجتذبه لفضاء بصيرة ضاوية، لا يريد يونس إدراكها مكتفيا بطاعة عمياء تعصب عيناه عن حقيقة ما تكابده هي والصغار من ذل ومهانة وحرمان..؟

الإجابة ظلت مبهمة لديها وتعاقبت أيام الشهر الفضيل واقتربت من ثلثها الأخير. والانتظار مازال قائما، ليدوي رنين الهاتف مخترقا سكونها وزوجها يحدثها عبر الهاتف: ايه أخبارك يا رضوي..والبنات كويسين..؟
_ عايشين.
جاء صوتها فاتر لينعقد حاجباه بقلق:
_ عايشين؟ انتي بتتكلمي كده ليه؟ هو في حاجة حاصلة معرفهاش؟ ولا لسه زعلانة عشان موضوع الفلوس اللي ببعتها لأمي؟
_ أنده علي البنات عشان تكلمهم؟
مازال صوتها يكتسي بثلج لا يذوب فهدر عليها:

_ رضوى مالك؟!! لحد امتي هتعامليني بالبرود ده؟ كل اما اكلمك تنادي البنات وتختفي وماتكلمنيش.. انتي ماقولتليش ليا كلمة حلوة من وقت ما نزلتي..

“يابنات.. تعالو بابا عايزكم على التليفون”

هكذا صاحت على صغارها متجاهلة عتابه ليزداد حنقه وتشابك حاجبيه بحيرة وضيق من حالها الغير مفهوم..
_ بابا حبيبي وحشتيني جاي امتي؟
ابتسم رغما عنه لصغيرته: قريب يا حفصة.. عاملة ايه يا روح بابا وفين اخواتك..
_كويسة، استني هناديهم ونتصل بحضرتك كاميرا..بقالك كتير مش شوفتنا..

بعد قليل اتصلوا عليه بمكالمة فيديو وما ان أبصرهم حتي تعجب شحوبهم ونحافتهم..خاصة الصغيرة حفصة التي فقدت الكثير من وزنها.. ألا يأكلون؟

_ خاسين ليه كده يا حبايبي؟ شكلكم بتغلبو ماما في السحور والفطار زي عوايدكم..بس ده صيام لازم تاكلوا كويس..

أبرار: ابدا يا بابا والله.. بس زهقنا من الفول والطعمية والجبنة القريش.. نفسنا في بيتزا وكنتاكي وحاجات كتير ماما مش بتجيبها..
رهف: هو ماينفعش نرجع نعيش معاك تاني يا بابا؟..محدش هنا بيسأل علينا ولا عمو حسان ولاعمو وائل كمان.. في حاجات زعلانين منها بس خايفين نقولك تزعل وماما قالت لينا مش نقولك كلام يزعلك.

تدخلت حفصة تضيف رتوش جديد لصورة الحقيقة الغائبة عن أبيها : بس لازم تعرف يا بابا إن تيتة مش بتحبنا زي ولاد وبنات عمنا..اشترت لينا فوانيس وحشة اوي مش بتغني.. بس جدو صلاح ابو ماما هو اللي جابلنا فوانيس جميلة أوي..
رهف: وكمان ماما قالت مش هنجيب لبس عيد عشان مفيش فلوس..أول مرة يا بابا نعيد من غير هدوم جديدة أنا واخواتي.

جحظت عيناه ولا يصدق ما يسمعه من ألسنة الصغار..!
ما الذي يحدث؟ كيف لا يسأل عنهم أحد؟
أين شقيقاه حسان ووائل؟ ولما يشكون من والدته؟
أيعقل ألا تحبهم كما يقولون؟
ولما لا تلبي رضوي لهم احتياجاتهم كاملة وهو يرسل لها مبلغا كافيا ويفيض وهو يعلم هذا..؟

_ هاتو ماما اكلمها وسيبونا لوحدنا شوية.

قالها بتجهم فابتعدوا وأتت تجيبه ببرود: نعم..
_ ايه اللي انا سمعته ده؟
_ اللي هو ايه؟
جز علي أسنانه: رضوي ماتعصبنيش وتردي سؤالي بسؤال، البنات بتقولي كلام غريب عن ماما انها مش بتحبهم؟ .. وليه مش بتشتري ليهم اللي نفسهم فيه ومخلية شكلهم كأنهم جعانين.. حتى انتي نفسك وشك غريب.. وليه كمان مش هتجيبي لبس العيد للبنات؟ ايه اللي حاصل معاكم فهميني..

_ أسأل الأسئلة دي لمامتك اللي بعتلها فلوسنا وخليتها تتحكم فينا والنتيجة اهي قدامك..
_ تاااني يا رضوي؟ تاني؟؟؟
ماما مالها بيكم؟.. الفلوس بتوصلكم وانتي اللي بتصرفي.
تهكمت بقولها:
_ أنا اللي بصرف؟ محصلش سعادتك.. أكتر من 500 جنية مش بمسك في أيدي.. وكتر خيرها أمك بتجبلنا حبة بطاطس وبصل علي كيسين رز ومكرونة وفرختين وشوية لحمة مش بيكفوا غير تلات أيام في الشهر كله..

_ انتي بهزري صح؟؟؟
_ لو شايف اني بهزر يبقي بهزر يا يونس..
مسح علي وجهه ليخفف من ثورته واشتعاله ثم قال: رضوي حبيبتي انا ببعتلك 5000 جنيه وماما كل شهر بتوصلهم ليكي..هي بتأكدلي ده.
_ وأنا بقولك محصلش.. امك بتديني 500 جنيه وبتاخد الباقي ليها..بتسرقك وحارمة بناتك من خيرك وانت حي على وش الدنيا يا يونس.

_أخرسي.. أمي مستحيل تعمل كده انتي كدابة..

طالت نظرتها العاتبة البائسة إليه ثم أغلقت المكالمة والهاتف بأكمله وراحت غرفتها تجلس بشرود كما كانت
وعداد صبرها تتقلص أرقامه..
النهاية أتية..
وهي تنتظر ما سيؤل إليه الحال..
__________

حمم تفور وتكاد تسيل من رأسه بعد ما قالته زوجته
أمعقول والدته تسرق قوت صغاره وتحرمهم من خيره كما قالت رضوي؟ هل تخدعه وتكذب عليه؟
لما تفعل هذا وهو ابنها وحبيبها كما تسميه؟
لا.. لن يصدق فيها شيء گ هذا..

امسك هاتفه وحاول الاتصال علي زوجته ثانيا فلم تجيب.. وبدون تردد ضغط رقم والدته منتظرا سماع صوتها..

_ حبيب امك.. عامل ايه يا غالي
_ الحمد لله يا ماما.. وانتي؟
_ بخير ياحبيبي..
تردد قبل قوله الحذر: ماما هو انتي بتوصلي لرضوي المبلغ اللي ببعته؟
تلعثمت قائلا: ها.. أه ..أه طبعا ياحبيبي.. بحط في ايدها خمس تلاف جنيه زي ما بتقولي.. ثم تساءلت بتوتر: هي قالتلك حاجة؟ أوعي تكون بتوقع بيني وبينك يا يونس انت عارفها مش بتطقني..
_ لا ابدا يا ماما.. طب على كده جبتوا فساتين العيد بتاعة بناتي؟
_ فساتين؟؟
ثم تداركت أمرها: أأه.. قصدك فساتين العيد؟ أمال ايه يا ضنايا..جبناهم طبعا..
_ غريبة، حفصة بنتي بتقول مش هيجيبوا هدوم للعيد!
صمتت لخطات تحيك ردا مناسبا لتهتف بإدعاء كاذب: .
_ ماهي مراتك ايدها مخرومة.. قولتها اعملي حساب هدوم العيال عشان العيد.. قالتلي يعني احرم نفسي..وقالت كمان أبوها ولا عمهم هيجبلهم.. بس انا طبعا مايخلصنيش حد يجيب لعيالك حاجة.. وغلاوتك شيلت اللقمة من بقي عشان اجيبلهم فساتين وعاملاها ليهم مفاجأة أول يوم.. تحب تشوفهم بنفسك يا ضنايا؟

غمغم بغموض: ياريت..
_ طب اقفل هصورهم وابعتهملك.. بس اوعي تح*..*رق المفاجأة وتعرفهم حاجة..
_ حاضر مش هعرفهم.
…… .

اتصلت به ثانيا بعد إرسال صور الأثواب: ايه رأيك بقي؟ وغلاوتك اشتريت لبناتك فساتين غالية وتشرح القلب.. امال.. دول بنات الغالي..

أومأ بشخوص: تعيشي وتجيبي لحفيداتك ياماما..

_وتعيش ياحبيبي.. صحيح انت نازل امتي؟
_ لسه بدري.. مش قبل سنة..

زفرت براحة أدركها يونس جيدا: طيب تيجي بالسلامة ياحبيبي..
_ الله يسلمك يا ماما.. هستأدنك بقي عشان هنام وهصحي علي صلاة الفجر
_ نوم العوافي وكل عام وانت بخير يا حبيبي..
…… ..

أغلق مع والدته يحتل ملامحه الشرود ثم ضغط رقم أخر ليضع فكرة ما داهمته قيد التنفيذ..
___________

يومان وهي علي حالها البائس.. تصنع للبنات الطعام ثم. تختلي بغرفتها جالسة على فراشها ولم تغفو عيناها..محملقة في السقف بشرود..
يقينها بقرب وصوله يتأكد كل دقيقة.. تعلم أنه سيأتي إليهم.. لن يتأخر.. هي فرصته الأخيرة.. إن خذلها وأهمل ما علمه منها وهون من الأمر ونصر والدته ولم يفيق من غفلته وسذاجته..
لن تنتظر معه لحظة واحدة..
كفاها ضغطا وقهرا هي وصغارها..
________

صعد الدرج بحرص وأصوات أطفال شقيقه تصدح على السلم.. وما أن رآهم حتى اصطدمت عيناه بأول حقيقة كان غافلا عنها، وهو يرى نفس الأثواب التي أرسلت والدته صورها إليه..كانت تخدعه وتوهمه أنها أثواب العيد لبناته هو.
وهي فساتين بنات أخيه؟ ..
حقًا كانت تخدعه..؟!

وصل لشقة والدته فشهقت برؤيته : يونس؟؟؟
وهرولت تضمه بفرحة متناسية ما سيؤل إليه حضوره
المفاجيء: ألف حمد الله على السلامة يا ابني.. مش قلت لسه سنة علي ماتنزل..؟
لم تلحظ عتاب عيناه الصامت وهو يقول: قلت اعملك مفاجأة يا ماما.. ولا مش مبسوطة اني جيت؟
_ أزاي بقي مبسوطة، طبعا هطير من الفرح وكده اكتمل العيد واخواتك نازلين دلوقت ومش هيصدقوا انك جيت و ..

هنا أدركت الفخ الذي وقعت في شراكه.
كل حسابتها شُيدت على أساس غيابه وأنه لا يري شيء مما تفعله بأسرته..لا يعلم أنها تأخذ نقود زوجته وبناته لتساعد أخيه الأصغر كي يتزوج..
ما العمل الآن؟
زوجته لن تصمت
لكن حتما يونس سيكذبها گ عهده.
لن يصدق أنها سرقت ماله وخدعته
لن يصدق فيها ذلك ..
وبغتة لمعت برأسها فكرة جعلت وجهها يكتسي بحزن مزيف وهي تقول..

_ بلاش تطلع لمراتك يا ابني..
_ ليه؟
_ دمك هيتعكر وهتسم بدنك وتملاك ناحيتي بالكدب
_ وايه السبب؟ انتي عملتي حاجة تزعلني منك يا ماما؟ مش حافظتي على الأمانة ووصلتي مالي لأصحابه؟ مش راعيتي بناتي ومراتي في غيابي وكنتي ليهم الصدر الحنين؟

كأنه يغرز بها خناجر بكلماته وثقته.
نزع عنها عباءة مكرها وفضح دواخلها
كأنه يدرك كل شيء
همت بحياكة كذبتها بإصرار مجبرة عليه عله يصدقها لكنه لم يعد أمامها ليسمع أكثر..
صعد گالبرق ليري ما سيبكي قلبه دما.
تهاوت قدميها وهي تتخيل فقط رد فعله
ماذا فعلت؟!
هل حقا استباحت نقوده وحرمت صغاره لتعطي شقيقه؟ كيف سيطالعها؟
بل كيف ستنظر هي له بعد الآن؟
نكست رأسها الذي عج باحتمالات جميعها
لا يؤدي سوى لنتيجة واحدة
هي خسرت يونس..
……… .

عالج مزلاج الباب ودخل ببطء مشفقا على نفسه مما صار يتوقع رؤيته.. وجد بناته يجلسون بوجوه غابت عنها فرحة العيد.. بل غابت عنها الحياه والشحوب يُغبر تقاسيمهن البريئة.. لا يرتدون أثواب جديدة.. لا توضع أمامهم أطباق مخبوزات العيد وحلواه كما يحبون..لا يلعبون.. الحزن ابتلع صخب ضحكاتهن المحببة.

_ بابا. ؟!

صاحت طفلته الأصغر حفصة حين بصرته وهرولت تتعلق بعنقه..حاصرها هي ورهف بذراعيه بينما ظلت أبرار تنظر له من بعيد دون أن تقترب.. عين الصغيرة التي صارت تدرك مايحدث بحكم أنها الأكبر لبثت تجلده..
تحاسبه..تعاتبه.. تشكوه..
سريرتُها النقية تُنبأها أن أبيها وحده المسؤل بشكل ما..

_ مش هتسلمي على بابا يا أبرار؟
رمقته برهة ثم اقتربت منه ليجثوا إليها ويتلقفها بعناق جارف، فهمست بما فطر قلبه: سبتنا لوحدنا ليه يا بابا..

عجز عن إجابتها
لم يتركهم إلا مرغما لضيق الرزق
ظن أن ابتعادهم سيوفر بعض النقود لحياة أفضل ويختصر غربته ليجتمع بهم يوما..

_ ماما؟

قالتها أصغرهم بدهشة وهي تري حقيبة سفر جوار والدتها التي ارتدت عباءة سمراء ووشاح بذات اللون.. ودنت تجر حقيبتها أرضا تحت أنظار يونس الذاهلة وقالت بجمود:
حمد الله علي السلامة يا يونس.. دلوقتي اقدر اروح بيت أهلي وانت استلم بناتك..

كادت أن تتخطاه لولا أن جذب معصمها بقوة وهو يرمقها برجاء يختلط باعتذار حقيقي..
أعتذار لم يُخمد نيران الغضب المضرمة داخلها
ولم يزيدها إلا عزيمة لترحل من حدود هذا المكان..
يجب أن تغادره قبل أن ينفلت عُقال صبرها وتنفجر
أمام الصغار..
نزعت معصمها من كفه بقوة وغمغمت: من مصلحتك امشي دلوقت.. مبقاش عندي طاقة افضل هنا..أنا صبرت بما فيه الكفاية..واديك جيت عشان تراعي بناتك بنفسك.

وغادرت تحت نظراته المتألمة عاجزا عن إيقافها..
وصغاره يبكون ما عدا أبرار التي مازالت تحدجه بعتاب وهي تقول: ماما زعلانة منك أوي يا بابا.. ليه كنت بتبعت فلوسنا لتيتة؟ كانت بتجبلنا كل شهر حاجات بسبطة وتدي ماما 500 جنيه بس وتقولها مش هديكي فلوس ابني تضيعيها في كلام فاضي.. وكمان سمعتها مرة بتهددها انها لو اشتكت ليك منها.. هتقلبك علي ماما وتخليك تصدقها هي وتكذب أمي..حتي هدوم العيد قالتلنا عيدوا بفساتينكم لأن كده كده محدش شافها عليكم.. لو ماما هي اللي معاها فلوسنا كانت هتجيب كل اللي نطلبه.. عشان كده هي زعلانة. منك.. وانا كمان زعلانة اوي..

لم يتحمل عتاب صغيرته أكثر من ذلك.. فجذبها إليه وقلبه ينزف ألمًا لما علمه
هل كان ساذجًا لهذا الحد؟
كيف يهون هو وصغاره علي أمه؟
أكثر مخلوقة يعشقها ويتمنى رضاها
كيف تضلله ولماذا وهو يرسل ما يكفيها وأكثر؟

_ روح هات ماما يا بابا..عشان خاطري روح رجعها..
_ مش هنقدر نعيش من غير ماما يا بابا رجعها تاني.

أمنية أبداها صغاره حفصة. ورهف بعيون دامعة.. راجية..ويدرك استحالة تحقيقها في التو.
زوجته فاض بها الكيل ولن تسمع له كلمة
أو تلبي رجاءً على الأقل الآن..
وعليه أن يصبر..
ويُعاقب.!
_________

_ ليه داريتي عني حالك يا بنتي؟
تنهدت وهي ترمي رأسها بصدر الدتها:
_ صدقيني يا ماما انا مكانش عندي طاقة للكلام، وبعدين كنت هقولك ايه، ولو عرفتي كنتي هتسكتي انتي او بابا؟ طبعا لأ.. كنتم هتسدوا ماديا مكان تقصير حماتي، ووقتها هكون خدمتها لأنها هتكدبني وتقول لابنها كانت بتصرف وانا اللي بتبلي عليها.. لكن انا اتعمدت اعيش التجربة بكل قسوتها مع بناتي للأخر..
_ بس انتي برضو غلطانة.. لو عرفتي جوزك في ساعتها انها مش بتوصلك شهريتك بما يرضي الله كان اتصرف..
_ بالعكس كان هيكذبني ويصدقها زي عوايده.. يونس مابيطقش كلمة على امه.. وبعدين دي كانت فرصة لازم استغلها عشان اخليه يشوف الحقيقة بعنيه ويفوق لنفسه ويفهم إن الطيبة الزيادة في الزمن ده غلط حتي مع أقرب الناس.. مينفعش حد يستغلك وياخد شقاك.. كان لازم يشوف قساوة التجربة يا امي على وشوش بناته لما يقابلهم ويسمعهم.. رغم ان قلبي كان بيتقطع عشانهم والله بس كان لازم اصبر عشان اللي جاي ما يضعش.. حياتي عمرها ما كانت هتستمر كده.. كنت ممكن اغضب واسيب بيتي وخلاص بس كانت هتفضل امه مسيطرة عليه ولابسة قناع الطيبة وتلبسني انا توب المشاكل..

تنهدت قائلة بتفهم: يمكن يابنتي معاكي حق في وجهة نظرك.. بس هتعملي ايه دلوقت؟ هتسيبي جوزك وبناتك؟
_ بناتي مع ابوهم خلاص يا ماما.. وانا لارم ارتاح واخد نفسي واعرف افكر.. انا لو كنت فضلت لحظة تاني مع يونس كنت هنفجر واقول كلام يجرحه ويهينه قصاد البنات.. عشان كده اول ما سمعت صوته وصل وبيكلمهم، أخدت شنطتي ومشيت..

ضمتها بعناق حاني: ربنا يهديه ويهديكي يابنتي.. يونس بيحبك ومتأكدة انك مش هتهوني عليه وهيحاول يصلح اللي انكسر في نفوسكم من والدته.. هقوم اجيبلك لقمة تاكليها بدال ما انتي بقيتي لحم علي عضم كده خليكي تردي في عز ابوكي المقهور عشانك بره ده..
_ طمنيه عليا يا ماما ..أنا هبقي كويسة ماتقلقيش..
_ ربنا يحفظك ويجمعك بجوزك وبناتك على خير ياحبيبتي..
تنهدت بحزن وألم: ربنا يعمل الخير.
_______

ثلاثة أيام وهو يحاول أن يمحوا ما عاشوه صغاره ويحتويهم ويعوضهم غياب والدتهم وبالوقت ذاته يعطيها مساحة لتهدأ.. أغدق عليهم بالهدايا والملابس والحلوي وكل ما يشتهونه.. ومع هذا فشل برؤية السعادة على وجوههم..حتي هو لم يشعر بأية بهجة.. تائه بين أفكاره غارق بذهوله مما حدث..
مازال لا يصدق..لا يستوعب أن أحب الناس إليه
شقت قلبه نصفين بخنجر غدر تالم..جعلته يعيد حسابات لم يكن يتخيل أن ينظر إليها يوما..جعلته يخجل وهو يتذكر برود زوجته الذي أخفي حممًا فائرة من الغضب المكبوت داخلها.. هل سقط من نظرها گ رجل؟
وكم يذبح رجولته الخاطر.
لكنه لم يكن يعلم..
لم تخبره بشيء.
ليتها فعلت..
ليتها باحت..
ما كان ترك الأمور تنحدر بهم هذا المنحدر البائس..

أما الأخرى تجنبته تمامًا لكنها بنفس الوقت تختنق كأنها مقبورة وتنتظر لحظة مواجهته برعب گأنه حساب الملكين..
هل سيلتمس لها عدرًا فيما فعلت؟
ليُطرح سؤال أخر داخلها بقوة..
من تخدع؟!
هل بالأساس لها عذر؟؟
هل لو أخبرته أنها فقط أرادت مساعده شقيقه لبضعة أشهر وبعدها تلتزم بما يرسله لزوجته دون أخذ مليم واحد منها سيتفهم ويصدقها؟
سيجد لمبررها سببًا منطقي ويهدأ؟
أم ستظل مشوهة في نظره؟
ماذا تفعل لترمم صورتها المشروخة بعينه؟
ماذا تفعل؟

بخضم شرودها قرب باب شقتها المنفرج قليلا وجدته يصعد الدرج مع بناته فصاحت وهي تدعوهم للدخول بحنان وحفاوة تعجبها الصغار ونفروا منها: أهلا يا حبايب تيتة تعالوا ادخلوا وحشتوني اوي..

أعرضوا عنها متشبثين بأبيهم الذي حزن لرؤية هذا النفور منهن لوالدته، فربت على رؤسهم وقال: أطلعوا البيت ياحبايبي وانا هحصلكم بعد شوية.. ثم مد المفتاح لأكبرهم: هتعرفي تفتحي الباب لوحدك يا أبرار؟
_ أيوة يا بابا.. وغابوا عن ناظريه فعاد يلتفت لأمه التي تخشاه ويملأ مقلتيها الخزي أمامه، لكنها تظاهرت بالقوة وتصرفت كأنها لم تفعل شيء: ادخل ياحبيبي.. أنا هعملكم غدي بايديا انهاردة ولا مش وحشك طبيخ امك؟

ظل صامتا يحاصرها ينظراته العاتبة ورغم كل ما فعلت أشفق عليها أن تبدو أمامه بهذا الخزي فقال وبكلماته رسائل مبطنة: بناتي شبعانين يا أمي مش محتاجين حاجة من حد.. ولا هيحتاجوا طول منا على وش الدنيا..

استدار ليغادرها فقبضت على كتفه من الخلف وهي تترجاه باكية: ماتمشيش يا يونس.. لازم اتكلم معاك.

عاد ينظر لها قائلا: عايزة تقولي ايه يا امي؟ هتقدري تقنعيني بسبب يخليكي تحرمي بناتي من خيري وتذلي مراتي وتكسريني وتصغريني قصادها؟
ياريت تقدري تقنعيني بكلامك زي كل مرة..
ياريتك تقدري يمكن ساعتها ارتاح..

ظلت ناكسة الرأس لا تجد ما تتفوه به لتدعم موقفها فرفع وجهها إليه ليقول بنبرة ضخمت تأنيب ضميرها: أنا عمري رديتلك طلب أو أمر؟
طول عمرك تطلبي عيوني ماقولكيش لأ..
ليه يا أمي قابلتي “بري” ليكي وحبي بعقوق وظلم لأحب الناس لقلبي؟ هو سهل عليا بناتي يجروا بعيد عنك ومايترموش في حضنك؟ ليه بعدتيهم عنك؟
ليه عملتي فيهم وفي أمهم كل ده؟

انهارت باكية بدموع تتسابق بين تجاعيد وجهها: أنا كنت عايزة اساعد اخوك وائل عشان يتجوز.. قلت كام شهر بس أوفر من شهرية عيالك وادفع جمعية اساعده بيها وبعدها خلاص مش هاخد منهم مليم تاني.. وقلت امها كل زيارة بتملى تلاجتها أشكال وألوان ومش هيفرق معاها الأكل.. ولبسهم كله جديد وغالي ومحدش شافوا.. هيجري ايه لو عيدوا به السنادي.. الشيطان سهل قصادي كل حاجة عشان احط قرش على التاني واساعد أخوك يتجوز..

_ وامتي اخواتي احتاجوني وقصرت معاهم؟

_ اتكسفت اطلب منك تاني لأنك كنت لسه باعتله مبلغ كبير يوضب شقته.. بس للأسف راح تاجر بيه في شوية هدوم ات*ح*ر*قوا وخسر الفلوس.. قلت مش هقدر اطلب منك تبعتله تاتي..
_ مقدرتيش تطلبي فلوس.. بس قدرتي تذلي بناتي ومراتي.. ده كان الحل في نظرك عشان أخويا يتجوز ..إنك تجوعيهم وتحرميهم..مش كده؟

ثم عاد يجلدها بسياط كلماته:

أكلتي شقايا لأخويا يا أمي..
أكلتيني لاخويا..
كلكم اتعودتم تاخدوا مني ماتدوش..
أخويا حسان اللي أكيد كان شايف حال بناتي ومراتي ومافكرش يحميهم أو حتي ينبهني.
والتاني اللي طلعتيه بيعتمد علينا في كل حاجة
طلعتيه أناني بيحب نفسه وبس..
وعشان خاطره جيتي عليا كأني مش ابنك.

حاولت أن تدافع: يا ابني أنا ما قصدتش أأذيك..

_ مقصدتيش؟ أمال لو تقصدي يا أمي كنتي عملتي ايه أكتر من كده؟

واستطرد بحزن ينهي جدال أرهق روحه: عموما الكلام دلوقت مالوش لازمة..والجمعية اللي دخلتيها هكملها لأن مايرضنيش تكوني مديونة وأنا على وش الدنيا..

نظرت له بدهشة وشعرت بكم ضألتها أمامه وهو مازال بارا بها رغم ما فعلت، ليواصل:
بس دي أخر مرة هساعد وائل لأنه خلاص مش صغير.. لازم يتعلم يشيل نفسه من غير ما حد يساعده.. وقرشي وشقايا بناتي ومراتي أولي بيه بعد كده يا أمي.. عن إذنك.

قال أخر ما لديه وصعد لصغاره ليخبرهم انهم في الصباح سيذهبون ليعيدوا والدتهم كي تعود لوجوههم السعادة من جديدة..
_______

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *