بقلم اماني السيد ج٣
الدكتور دخل العنبر وشاف انهياري، قرب مني بهدوء وقالي إنها في غيبوبة كاملة من شدة النزيف وارتجاج المخ والصدمة العصبية اللي لها، وإن حالتها حرجة جداً وما بين إيدين ربنا. وقتها، عرفت كمان إن أهل الحارة عملوا اللي كان المفروض أعمله أنا من سنين؛ في المستشفى أسبوعين كاملين، نسيت شغلي، ونسيت مراتي، ونسيت الدنيا كلها. كان يومي مقسوم ما بين مسكة إيدها الساقعة — حمد الله على سلامتك يا نور عيني، أنا جنبك أهو، متخافيش..
بصتلي بنظرة خالية من أي مودة، نظرة مليانة وجع وخذلان فاق كل طاقة العتاب، وبحركة بطيئة وضعيفة دارت وشها الناحية التانية وثبتت عينيها على الحيطة السادة، كأن رؤية وشي بتجدد كل طعنة خدتها في ضهرها. فضلت قاعد جنبها بالساعات، أكلمها وأتحايل عليها ترد بكلمة، أبوس في إيدها السليمة وأقولها حقك عليا، وهي ساكتة.. خرس كامل كأنها قررت تدفن صوتها للأبد. أول ما الدكتور سمح بخروجها، شلتها على إيديا كأنها عيلة صغيرة ملهاش وزن، وأخدتها ورجعت بيها على بيتي. أول ما فتحت الباب، وقفت مراتي وبنتها مصدومين من المنظر، وشوشهم والولد الصغير استخبى ورا أمه من الخوف.
الصدمة خلت مراتي تسكت تماماً وصعبت عليها بجد لأول مرة، حسوا هما الاتنين بالذنب والكسوف من نفسهم. دخلتها أوضتها القديمة، ونيمتها في سريرها اللي كانت بتتحرم من النوم فيه زمان علشان تخدمهم. مبقتش تقدر تقوم من السرير من كتر التعب وهدة الحيل، وبقى الأكل والراحة يجيلها لحد عندها، ومراتي وبنتها بيشيلوا الطبق ويحطوا غيره وهما باصين في الأرض، وأنا قاعد تحت رجليها مستني بس رمشة عين ترضى عني، لكن الصمت كان الحيطة العالية اللي بنتها بيني وبينها، ومش عارف إذا كان في أمل تتهد في يوم من الأيام.
مرت شهور والبيت عايش في حالة خرس تقيل. مراتي وبنتها كانوا بيتحركوا على طراطيف صوابعهم، مفيش كلمة زيادة ولا صوت عالي، نظرات الخجل والذنب مالية عيونهم، وكل طلب لبنتي كان بيتنفذ قبل ما تفكر تطلبه، كأن الكل بيحاول يشتري براءة ذمته من ذنب ملوش كفارة.
أما أنا، فكانت حياتي كلها اتلخصت في الكرسي اللي جنب سريرها. بقيت أرجع من الشغل جري، ماببصش في وش حد ولا بدخل أوضتي، أدخل عليها علطول، أقعد جنبها، أمسك إيدها، أحكيلها عن يومي، أحاول أضحكها، أجيبلها الفاكهة اللي كانت بتحبها زمان ومكنتش برضى أشتريها، بس الرد كان دايماً واحد: وشها داير للحيطة، وعينيها باصة للفراغ، ساكتة سكوت يقطع في عروقي أكتر من أي صريخ أو عتاب.