ابويا وقفني عن الشغل لحد ما اعتذر لاختي
بس أنا ما روحتش البيت أفكر في “أسلوبي”.
أنا روحت لمحاميّي.
الساعة سبعة و12 دقيقة الصبح تاني يوم، وصلت مي بدري كفاية عشان تستمتع بإهانتي قدام الكل. عدت وسط المكاتب بكعبها البيج العالي، وماسكة القهوة اللي أكيد كانت مخليّة حد يجيبها لها، وبصت ناحية مكتبي.
ابتسامتها فضلت ثابتة ثانيتين بس… وبعدين شافت المكتب فاضي.
لا صورة على المكتب، ولا ملفات، ولا الشاشة التانية، ولا الدرج المقفول تحت الترابيزة.
كان فيه بس خطاب استقالة محطوط في نص المكتب الخشب اللامع، مطبوع على ورق الشركة الرسمي… عشان كنت عايز السخرية تبقى كاملة.
أبويا
دخل وراها وهو باصص في موبايله وقال:
“في إيه؟”
مي ما ردتش.
في اللحظة دي، دخلت الأستاذة نهى طالعة جري من عند الأسانسير، وشها شاحب ونفسها مقطوع، وموبايلها في إيدها وقالت:
“يا أستاذ محمود… قول لي إنك ما نشرتوش.”
رفع عينه باستغراب وقال:
“نشرت إيه؟”
نهى بصت ناحيتي من خلال الحيطة الزجاجية لأوضة الاجتماعات، اللي كنت قاعد فيها بالفعل مع الأستاذ شريف، وعضوين من مجلس الإدارة، ومستشار خارجي متخصص في مراجعة الالتزام والقوانين.
في اللحظة دي… اختفت ابتسامة أبويا تمامًا من على وشه.
كان السكون اللي ساد الغرفة مش سكون راحة، ولا سكون انتظار إجابة. كان سكون الليلة اللي بتسبق العاصفة، لما الهوا بيقف تمامًا، والسماء بتتحول للون رمادي غامق، وكل حاجة بتبدو وكأنها بتستنى الصوت الأول للرعد.
أبويا بقي متمسك بالموبايل في إيده، بس عينيه كانت متسعة، واتجه ببطء ناحية الحيطة الزجاجية، وبص للي جواها. لما شافني قاعد بين الرجال الكبار اللي ما كانش بيدعوهم إلا في الأزمات الكبرى، لمع في عينيه شك أولي. أما مي، فكانت واقفة وراه، والقهوة اللي في إيدها بدأت تترجف لدرجة إن قطرات منها سقطت على السجادة الفاخرة، وما حستش بيها.
الأستاذة نهى كملت كلامها بصوت متهدج، وهي بتعرض شاشة الموبايل قدام أبويا:
- ”كل ملفات الفواتير المزورة، كل التعديلات اللي تمت على التواريخ، كل التوقيعات الإلكترونية المقلوبة، وكل ما يثبت إن الأموال اتسحبت من حساب الشركة لجهات غير معروفة… كلها اتعرضت على منصة الإفصاح المالي الرسمي للجهات الرقابية، واترسلت نسخ لجميع أعضاء مجلس الإدارة، وللمصرف المركزي، وللضرائب والجمارك.”
صوتها توقف لحظة، ثم أكملت بمرارة:
- ”وكلها موثقة بتوقيعك الإلكتروني الخاص يا أستاذ كريم، وتاريخ إرسالها الساعة واحدة ونص الفجر، بعد ما سلمت استقالتك بساعات قليلة.”
مي صرخت فجأة، وخلعت كل القناع اللي كانت لابسه طول السنين:
- ”كذب! ده كذب واضح! هو اللي كان بيدير كل الحسابات، هو اللي عنده الصلاحية يغير أي حاجة! ده بيحاول يلقي التهمة عليا عشان…”
قاطعتها بصوت هادئ، ورفعت ملف ورقي سميك كان قدامي على الترابيزة:
- ”عشان إيه يا مي؟ عشان أثبت إنك أنتِ اللي استخدمتي برنامج تسجيل الشاشة على جهازي لما كنت مسافر في بعثة لمدة أسبوعين؟ عشان أثبت إنك حفظتي كلمة المرور الخاصة بي، وكنتي بتدخلي على الحسابات في أوقات كنت بعيد تمامًا عن المكتب، ولدي شهادات من الفنادق والشركات اللي كنت أتعامل معاها تثبت وجودي في أماكن تانية؟ عشان أثبت إن الحسابات البنكية اللي اتودعت فيها الأموال مسجلة بأسماء أشخاص كنتِ تعرفيهم من فترة دراستك، وكنتي تدفعي لهم مبالغ شهرية من حسابك الخاص؟”
رفعت ورقة تانية، ووضحتها للكل:
- ”ده كشف حساب بنكي لشهر ستة الماضي، فيه تحويل بمبلغ خمسين ألف جنيه من حسابك لشخص اسمه ‘أحمد صبري’، وهو صاحب الشركة اللي كنتِ بتغيري فواتيره لزيادة القيمة، وبتقسمي الفرق معاه. وده تقرير من شركة الأمن السيبراني اللي تعاقدت معاها، بيؤكد إن عمليات الدخول غير المصرح بها كانت تتم من نفس الجهاز اللي بتستخدميه في مكتبك، في أوقات ما بكونش موجود أنا في الشركة.”
