ابويا وقفني عن الشغل لحد ما اعتذر لاختي
أبويا بقي في حالة صدمة لمدة ثلاثة أيام كاملة، ما كان بياكل ولا يشرب، ولا يتكلم مع حد. لما استعاد وعيه، أول شيء فعله هو إلغاء منصب مي، وتسليم كل ملفات القضية للنيابة المالية، واتخذ قرارًا صعبًا ببيع قطعة أرض ورثها من أبيه عشان يسد العجز في الحسابات.
كنت قاعد معاه في مكتبه القديم، نفس المكتب اللي كان بيجلس فيه طول السنين، والجدران مليانة بصور العربيات القديمة، وشهادات التقدير، وصورنا واحنا صغار. قال لي بصوت ضعيف:
- ”سامحني يا كريم. سامحني عشان أجبرتك تدفع الثمن بدلي، وسامحني عشان صدقت دموعها ونسيت تعبك. كنت فاكر إن الحب للعيلة يعني أغمض عيوني عن أخطائهم، وطلع العكس تمامًا. الحب الحقيقي هو إنك توقفهم قبل ما يدمروا نفسهم.”
قلت له بهدوء:
- ”أنا مسامحك يا بابا. وكلنا بنخطئ. المهم إننا نعرف نصلح الغلط قبل ما يفوت الأوان.”
سألني وهو بيمسح دمعة سقطت منه:
- ”هترجع تشتغل معانا؟ الشركة محتاجة لك، وأنا مش عارف نكمل من غيرك.”
هزيت راسي ببطء، وقلت له الحقيقة اللي كنت أخفيها:
- ”أنا ما سلمت استقالت عشان أتحداك يا بابا. ولا عشان أثبت إن مي غلطانة. سلمتها عشان عرفت إن الوقت جاي أبدأ مشروعي الخاص. مشروع مبني على نفس القيم اللي بنيت عليها شركة ‘الهادي’: الأمانة، والجدية، والعدالة. وده مش معناه إنني هتخلى عنك. هكون معاك في كل خطوة، وساعدك ترجع الشركة لأحسن ما كانت، بس كشريك استشاري، مش كموظف تحت أمرك.”
ابتسم لأول مرة من وقت الأزمة، وقال:
- ”هذا أحسن شيء سمعته في حياتي. شكرًا يا بني.”
بعد أسبوعين، أصدرت النيابة قرارًا بمنع مي من السفر، ووضعتها تحت المراقبة القضائية لاستكمال التحقيقات. لم تحاول الهرب، ولم تنكر شيئًا بعد ذلك. اعترفت بكل شيء، وقالت إنها كانت خائفة من أن أبويا يعرف إنها فشلت في إدارة أموال صديقتها، وإنها كانت تعتقد إنها تقدر ترجع المال قبل ما حد يلاحظ، وإن الغرور والخوف دفعوها للخطأ الأكبر.
زارتها مرة واحدة في مكتب المحامية. كانت مختلفة تمامًا، ملابسها بسيطة، وما عادت ترتدي المجوهرات اللي كانت تتباهى بها، وعيونها مليانة ندم وحزن. قالت لي:
- ”كنت أكرهك لأنك كنت دايماً المثال الكامل. كنت أسمع الناس تقول ‘كريم نجح في كل حاجة’، و’كريم هو اللي هيوصل الشركة للعالمية’، وكنت أحس إنني مجرد ظل لك. فكرت إنني أقدر أثبت إنني أقدر أكون غنية ومؤثرة من غير مساعدتك، وطلع كل حاجة خسرتها.”
قلت لها:
- ”النجاح مش بسرقة تعب الغير، ولا بتلاعب بالحقوق. النجاح هو إنك تثبتي نفسك بجدارتك، وبأخلاقك. الباب ما زال مفتوح قدامك، بس لازم تدفعي ثمن الغلط، وتبدأي من جديد بصدق.”
خرجت من المكان، وحسست بثقل كبير راح من على صدري. لم أكن سعيدًا بما وصلت له، ولا أريد أن أكون أنا المنتصر في قصة خسارة