ابن اخويا ج2 زهره
أحمد مسك إيد أمه وقال بلهفة: “هداويه يا أمي.. والله هداويه، بس قومي معايا ونمشي من هنا”.
بصت له الحجة عايدة بنظرة غامضة، وقالت كلمة واحدة هزت كيانه..
قالت الحجة عايدة بصوت واهن بس مليان حكمة ووجع: “الرجوع مش بالساهل يا أحمد.. الشقة القديمة اللي أنت قاعد فيها دلوقتي، أنا مش هسيبك فيها أنت وابنك ومراتك، البيت ده فعلاً متهالك وخطر عليكم، وأنا مقبلش إن حفيدي يتربى في مكان زي ده.. بس أنا كمان مش هرجع معاكم!”.
أحمد اتخض وبص لها بدموع: “يعني إيه يا أمي؟ هتفضلي هنا في دار المسنين؟!”.
الحجة عايدة هزت رأسها وقالت: “لأ يا بني.. أنا اشتريت شقة تانية صغيرة على قدي بفلوس البيع، شقة قريبة من هنا، هعيش فيها لوحدي وعبادتي وربنا معايا. أما أنت ومراتك، فالفلوس الباقية من ثمن الشقة أنا فتحتلك بيها حساب في البنك باسم ابنك الصغير، والفوائد بتاعته هتكفيكم تأجروا شقة نظيفة تعيشوا فيها وتكبروا ابنكم.. بس تمن جحودك وكسرة خاطري لازم تدفعه يا أحمد.. هتعيش بعيد عني، وهتفضل تجيلي كل أسبوع تبوس إيدي ورجلي عشان تطلب الرضا، لحد ما أحس إن قلبي صفي من ناحيتك تماماً”.
مراته عيطت بكسرة وندم وقالت: “حقك علينا يا أمي.. والله اتعلمنا الدرس، وعرفت إن الأهل مش بالمنظرة والفلوس، الأهل هما السند اللي بيستحمل”.
أحمد نزل على إيد أمه وباسها بدموع وخشوع وقال: “راضي يا أمي.. راضي بأي حكم تحكميه، المهم متبقيش غضبانة عليا، والدنيا دي كلها متساويش نظرة رضا واحدة منك”.
الحجة عايدة حطت إيدها على راس ابنها ودعت له بالهداية، ورغم إن الصفح التام كان لسه محتاج وقت عشان جرح القلب يلم، إلا إن أحمد خرج من الدار وهو حاسس إن روحه ردت له من تاني.
أخد أحمد مراته وابنه، ونقلوا من البيت القديم لشقة تانية بالإيجار، وبدأ يشتغل ليل مع نهار عشان يوفر لبيته عيشة كريمة من عرق جبينه، ومبقاش يفوت أسبوع من غير ما يروح لبيت أمه الجديد، يقعد تحت رجليها ويخدمها ويطلب رضاها.
أما نسايبه، فبعد ما عرفوا إن الشقة راحت وإن أحمد مبقاش يملك غير جهده وشغله، اتقلبت وشوشهم تماماً ومبقوش يسألوا عن بنتهم، لتتأكد الزوجة إن اللي باقيلها فعلاً هو جوزها وحماتها اللي صانتها في عز ضعفها.
وعرف أحمد بعد فوات الأوان، إن رضا الأم هو الشقة الحقيقية والستر والضهر، وإن الواحد لو ملك الدنيا كلها وخسر دعوة أمه.. يبقى عاش ومات وهو مفلس.