خد احمر ج3 منال علي
الجزء الثالث و الاخير 👇🏼
فات أسبوع بحاله على ليلة “الخناقة الكبيرة”. الشقة تحولت لمعسكر حرب صامت؛ كريم نايم على الكنبة في الصالة، وبيرجع من شغله ياكل أي لقمة من برة ويقعد مبوز، وسارة عايشة حياتها عادي جداً.. متبلة قلبها ببرود إنجليزي، ومركّزة في شغلها وفي ابنها عمر.
يوم الخميس العصر، الباب خبط. كانت الغسالة الألماني الجديدة وصلت.
العمال دخلوها الحمام وركبوها، وسارة واقفة وفرحتها مش سايعاها. أول ما اشتغلت، كان صوتها ناعم وهادي زي النسمة، مش زي “المرحومة” التانية اللي كانت بتعمل زلزال في البيت. سارة حطت فيها أول دور غسيل، ووقفت تبص لها وهي حاسة بنصر صغير، شقاها وتعبها أهو قدام عينيها ومحدش قدر يشارعها فيه.
كريم خرج من أوضته على صوت العمال، وقف وبص للغسالة وهي شغالة، ملامحه كانت مزيج من الغيظ على شوية انبهار حماه كبريائه إنه يظهره. بص لسارة وقال بلؤم:
— مبروك يا ست سارة.. أهي الغسالة النضيفة جت، تمن قهر أمي وزعلها بقاله أسبوع.
سارة لفت له، حطت إيدها في وسطها وقالت بكل هدوء:
— الله يبارك فيك يا كريم. وأمك محدش قهرها، أمك زعلانة عشان “السبوبة” باظت ومفيش سفرية لليونان المرة دي على حساّبي.
كريم لسه جاي يزعق ويقول “إنتِ بتغلطي في أمي تاني”، لقى موبايله بيرن. بص على الشاشة.. كانت أخته “منى”.
رد بسرعة وهو متوقع يسمع شكوى جديدة من أمه، بس منى كانت بتعيط وبتقول بصوت مخنوق:
— الحقني يا كريم.. ماما اتنصب عليها!
كريم ركبه ميت عفريت:
— اتنصب عليها إزاي؟! في إيه؟!
منى كملت وهي بتشهق:
— راحت لواحد من اللي بيشغلوا الفلوس في البلد، وقال إيه هيديها أرباح ٣٠٪ كل شهر، ولمت الفلوس اللي معاها كلها، حتى الدهب بتاعها باعته وادتها له.. والنهاردة الصبح الراجل فص ملح وداب، والشرطة قلبت الدنيا عليه ومش لاقيينه، وماما ضغطها عليّ ونقلوها المستشفى!
كريم الموبايل كان هيقع من إيده، ووشه بقى أصفر زي الليمونة. بص لسارة وهو مش مصدق، تمن الشقة اللي أمه كانت عايزة تاخده تحت حس “حساب استثماري لعمر”، كان زمانه دلوقتي بح.. طار في الهوا مع النصباية.
سارة سمعت المكالمة كلها لأن صوت منى كان عالي. ما شمتتش، بس أخدت نفس طويل وقالت:
— لا حول ولا قوة إلا بالله.. ربنا يشفيها. بس أهو شوفت بقى يا كريم؟ شوفت “الخبرة في الحوارات دي” كانت هتودي فلوسنا فين؟ كانت ه تضيع شقى عمري وتعب ابنك في الهوا.
كريم قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه، حاسس بالخزي والكسوف. الحقيقة خبطت في وشه زي القلم. أمه اللي كان شايفها ملاك وبتفهم في كل حاجة، كانت هتضيعهم، وسارة اللي كان متهمها بالعند والأنانية، هي اللي حمت البيت ووفرت لهم الأمان بقراراتها الصح.
بعد ساعتين، كريم نزل راح لأمه المستشفى واطمّن عليها (والحمد لله طلعت وعكة خفيفة من الزعل). ورجع البيت على نص الليل، دخل الشقة وهو هادي خالص، ومنكسر.
سارة كانت قاعدة في الصالة بتقرأ كتاب. كريم قرب منها بالراحة، وقعد على كرسي قصادها، وفضل ساكت شوية، بعدين قال بصوت واطي ومحرج:
— سارة.. أنا آسف.
سارة رفعت عينيها من الكتاب وبصت له.
كريم كمل وهو باصص في الأرض:
— أنا كنت مغمى عيني.. وكنت هضيعنا بسبب كبريائي وبسبب إني مش عايز أشوف الغلط فين. إنتِ كان عندك حق في كل كلمة قلتيها. الفلوس دي فلوسك، وإنتِ أكتر واحدة خوفتي على مصلحة البيت ده وعمر. سامحيني.
سارة سكتت لحظة، شافت في عينيه ندم حقيقي مش تمثيل. هي مش عايزة تخرب بيتها، هي بس كانت عايزة “حدود” واحترام لتعبها.
قفلت الكتاب، وقامت قعدت جمبه، وحطت إيدها على كتفه وقالت:
— أنا مسامحاك يا كريم.. ومكنتش عايزة أكسرك ولا أقلل منك. بس كان لازم تفهم إننا بيت مستقل، قرارنا بناخده سوا جوه الحيطان دي، ومحدش له كلمة علينا.. لا أمي ولا أمك. الفلوس بتروح وتيجي، بس الأصول مابتروحش.
كريم هز راسه بالموافقة وأخدها في حضنه، وحس إن جبل انزاح من على صدره.
من اليوم ده، المركب مشيت صح. كريم اتعلم يحط حدود لأمه بكل أدب من غير ما يزعلها، وبقى يعمل ألف حساب لرأي سارة. أما الغسالة الألماني؟ فبقت “شاهدة” في الحمام على اليوم اللي سارة وقفت فيه وحمت بيتها وشقاها، وبقت كل ما تلف دورة غسيل بنعومة، تفكرهم إن القرار الصح.. بيجيب راحة البال.
تمت