ابن اخويا ج2 زهره
مبقاش في دماغه غير حاجة واحدة: “أمي فين؟”.
بدأ أحمد رحلة تدوير مرعبة، لف على كل دور المسنين اللي في المحافظة والمحافظات المجاورة. كان بيدخل كل دار، يوري المشرفين صورتها على تليفونه ويقول بلهفة ودموع: “أرجوكم، الست دي جت هنا؟ اسمها عايدة.. بالله عليكم دوروا في الكشوفات!”.
وكان الرد دايماً يجيله بالرفض: “لا يا فندم، الاسم ده مش موجود عندنا”.
مرت ثلاثة أيام كاملة وأحمد مش بيدوق النوم، يلف طول النهار والليل في الشوارع وعلى الدور، ويرجع بالليل للشقة القديمة يلقى مراته تعبانة والطفل مبيطلش عياط من رطوبة المكان والجو الخانق. وفي اليوم الرابع، وهو بيلف في منطقة بعيدة، دخل دار مسنين صغيرة وهادية في أطراف المدينة.
أول ما ورا المشرفة الصورة، الست اتنهدت وقالتله: “أيوا يا بني.. الحجة عايدة هنا”.
أحمد ركبه سابت ووصف حالة من الفرحة الهستيرية ممتزجة بالخوف، قالها: “عايز أشوفها.. أبوس إيديكِ خليني أدخلها!”.
المشرفة بصت له بأسف وقالت: “تقدر تشوفها من ورا الزجاج بتاع غرفتها، بس هي منبهة علينا ومشددة إن لو ابنها جه، ملوش دخول عليها، ولا حتى يلمس إيديها.. وهي تعبانة جداً من ساعة ما جت والضغط مش بيظبط معاها”.
أحمد مشي ورا المشرفة بخطوات مرعشة لحد ما وصل لغرفة في آخر الممر، وبص من ورا الزجاج.. لقى أمه قاعدة على السرير، ماسكة سبحتها في إيديها، ووشها باهت وحزين، وباصة للفراغ وعينيها مليانة دموع سايلة في صمت.
أحمد مقدرش يتمالك نفسه، خبط على الزجاج بانهيار وصرخ: “أميييي! سامحيني يا أمي!”.
الأم أول ما سمعت الصوت، لفت وشها ببطء وبصت له.. نظرة طويلة، مكنش فيها غضب، كان فيها وجع وكسرة تذوب الصخر. وبحركة بطيئة، رفعت إيديها وشاورت له بإصبعها “لا”.. وبعدين لفت وشها الناحية التانية وعطته ضهرها، ورفعت إيديها للسما وبدأت تدعي!
أحمد وقف مكانه متجمد، مش عارف هل هي بتدعي عليه ولا بتدعي له؟ ودموعه نازلة ومبقاش عارف إزاي هيخليها ترجع معاه وتسامحه.
خرج أحمد من الدار وهو مش شايف قدامه، دموع الندم عميت عينيه، وكل ما يفتكر نظرة أمه والرفض اللي في عينيها، يحس بنغزة في قلبه كأنها الموت. رجع الشقة القديمة وهو مهدود، لقى مراته قاعدة في الضلمة والواد الصغير سخن وبيصرخ من كتر التراب والرطوبة اللي في المكان.