ابن اخويا ج2 زهره
وصل أحمد للبيت القديم وهو بينهج، هدوم السبوع اللي كان لابسها ومتبهدل بيها بالتراب كانت مغطية ملامحه، وقلبه كان بيدق لدرجة إنه حاسس إنه هيقف. العمارة كانت قديمة وضلمة، السلم مكسر، والهدوء اللي فيها يقبض القلب.
طلع جري على الدور الثالث، ووقف قدام الباب الخشب المقشر اللي كان بيخاف منه وهو عيل صغير. بدأ يخبط بكل قوته ودموعه نازلة من غير حساب: “أمي! افتحي يا أمي.. أنا أحمد ابني! أنا آسف يا أمي، أبوس رجلك افتحيلي!”.
مفيش رد.. الحتة كانت هوس، ومفيش غير صوت الهوا اللي داخل من الشبابيك المكسرة في المنور. فضل يخبط لحد ما إيديه اتجرحت، لحد ما باب الشقة اللي قصادهم فتح، وخرجت منه جارتهم العجوزة، الست “أم محمد”، وهي ساندة على عكاز وبتبص لأحمد بنظرة كلها لوم وعتاب.
قالتله بصوت مخنوق: “بتخبط على مين يا أحمد؟ على أمك اللي رمتها في عز البرد عشان ترضي غريب؟ أمك مش هنا يا بني”.
أحمد لف ليها بلهفة ومسك في إيديها: “أمي فين يا خالة أم محمد؟ بالله عليكي قوليلي هي فين؟ راحت فين؟”.
الست أم محمد هزت راسها بحزن وقالت: “جت هنا أول إمبارح بالليل، كانت شايلة شنتطها وهدمتها مهدودة، قعدت معايا وبكت بدل الدموع دم.. قالتلي إن ابنها استخسر فيها الأوضة اللي سكنت فيها عمرها. بس مأقعدتش في الشقة هنا يا أحمد.. قالتلي البيت ده يقع عليا وأنا لوحدي ولا أعيش مكسورة الخاطر من نني عيني. أمك لمت كل قرش معاها من تمن الشقة اللي باعتها، وراحت قعدت في دار مسنين في مكان نضيف.. قالتلي هناك هلاقي ناس تراعيني لما رجلي تروح للقبر، بدل ما ابني يستعجل موتي”.
أحمد حس كأن جبل وقع فوق دماغه، صرخ بعلو صوته في طرقة الشقة الفاضية: “دار مسنين؟! أمي أنا تدخل دار مسنين وأنا عايش؟! طب فين الدار دي يا خالة؟ أرجوكي قوليلي مكانها فين!”.
الست أم محمد قفلت الباب في وشه وقالتله من ورا الباب: “مش هقولك يا أحمد.. هي حلفتني مأقولكش على مكانها، وقالتلي سيبيه يدوق البرد والوحدة اللي كان عايزني أعيشهم.. سيبيه يعرف قيمتي”.
في نفس اللحظة، تلفون أحمد مكنش بيبطل رن.. كانت مراته. رد عليها وهو مش دريان بنفسه، فسمع صوتها وهي بتصرخ وبتعيط: “أنت فين يا أحمد؟ أهلي سابوني ومشوا وخدوا معاهم الهدايا بعد الفضيحة دي! والراجل صاحب الشقة الجديد واقف تحت البيت ومعاه عمال وبيقول لو مخليناش الشقة بكره الصبح هيجيب الشرطة ويطردنا ويرمي حاجتنا في الشارع! اتصرف يا أحمد.. إحنا هنروح فين بالطفل اللي لسه مولود ده؟!”.