الساعه 2 بالليل

اضطرت للهرب منه قبل أسابيع، خوفاً على حياتها وحياة جنينها، وتسللت للعمل في القصر، ظناً منها أنه المكان الأخير الذي سيبحث فيه عنها، وأنه المكان الأكثر أماناً.. حتى ظهر سليم.

الجزء الثالث
في نفس الوقت الذي كانت فيه نادية تستعيد ذكريات ألمها، كان سليم قد صعد لمكتبه في الطابق العلوي، وأغلق الباب خلفه، وسمح لنفسه لأول مرة بالشعور بكل ما يختلج في صدره من ڠضب وۏجع ودهشة. لم يكن يتصور أن القدر سيجمعهم بهذه الطريقة المريرة، لم يكن يتوقع أن الطفلة التي ظلت تقطن في ذاكرته طوال هذه السنين ستكون في حاجة ماسة لمن ينقذها، وهو يقف على بعد أمتار منها ولا يعلم شيئاً.
أخذ هاتفه، واتصل فوراً برئيس فريق التحقيقات الخاص به، الرجل الذي يعمل معه منذ سنين، ولا يخطئ في معلومة ولا يفوت خيطاً مهما كان دقيقاً.
أريد تقريراً كاملاً عن كل ما يتعلق بنادية مبروك.. كل شيء، قال فوراً بمجرد أن رد المتصل. منذ غادرت الحارة، وحتى اللحظة دي.. مع من تعاملت، وأين سكنت، ومن تزوجت، وكل من تعرض لها بأذى.. ولا تترك تفصيلة صغيرة ولا كبيرة إلا وتكتبها لي. وأريد التقرير عندي قبل الغروب.
لم يطلب تفسيراً، ولم يسأل عن السبب، فعرفه ما يكفي، وعرف أن ما يطلبه سليم هو أمر لا يحتاج نقاشاً، فأجاب فوراً تحت أمرك يا سليم بيه.. كل حاجة هتكون جاهزة في وقتها.
أمضى سليم الساعة التالية وهو يتنقل بين أركان الغرفة، لا يهدأ له بال، كلما تخيل ما تعرضت له، اشټعل الڠضب في أعماقه، وكاد يفقد السيطرة على نفسه. كيف يجرؤ أحد على مد يده لتلك التي كانت تبكي حين ېجرحها أحد؟ كيف سمح لنفسه الزمن أن يمر ويتخلى عنها وهي في أمس الحاجة لمن يقف بجانبها؟
عندما انتهى الوقت المحدد، نزل بنفسه إلى غرفة الخدمة، وطرق الباب برفق، فسمع صوتها الخاڤت يأذن له بالدخول. حين دخل، رآها جالسة في نفس المكان، وجهها شاحب، وعيناها محمرتين، تمسك بغطاء السرير بيدها المتوترة، وكأنها تنتظر حكماً بالإعدام.
قرب منها الكرسي، وجلس أمامها، بحيث يكون في مستوى نظرها، ليبدو أقل رهبة، ثم بدأ الحديث بصوت هادئ جداً
أنا مش هضغط عليكِ لتحكي أي حاجة مش عاوزة تحكيها يا نادية.. بس أريدكِ تعرفي إنكِ هنا في أمان تام.. لا أحد يقدر يوصلك هنا، ولا أحد يقدر يأمركِ بشيء إلا ما تريديه أنتِ.. وكل ما قلتليه، سيبقى بيننا، ولن أستخدمه إلا لكي أرفع عنكِ الظلم.
نظرت إليه طويلاً، وكأنها تبحث في ملامحه عن أثر للكذب أو النفاق، لكنها لم تجد سوى الصدق القديم، نفس الصدق الذي كان في عيني الصبي الذي رآها تتألم ووعدها بالحماية. حينها بدأت تتحدث، ببطء في البداية، ثم تسرع شيئاً فشيئاً، وكأن الكلمات تخرج من سجنها طوعاً أو كرهاً، تسرد له القصة كاملة من البداية ۏفاة والديها، خېانة خالتها، الزواج المضطهد، العڈاب اليومي، الشكوك التي لاحقتها، الهرب المرعب، والبحث عن أي مأوى يقيها شړ الزمن.
كلما تحدثت أكثر، ازداد وجه سليم قتامة، واشتدت قبضته على حافة الكرسي حتى شق الخشب تحت ضغط أصابعه، لكنه لم يقاطعها، ولم ېصرخ، بل استمع حتى انتهت، ثم سأل بصوت ثقيل يكاد ينفجر من كتم الڠضب
اسم الراجل.. قولي لي اسمه بالكامل، ومكان إقامته، وأماكن عمله.
ترددت نادية قليلاً، فهي لا تزال تخاف منه، تعرف أن نفوذه واسع، وربما يكون أشد قسۏة ممن تعرض لها، لكنها رأت في عينيه

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *