الساعه 2 بالليل

الجزء السادس
مرت السنتان التاليتان كأحلام سعيدة، تعافت نادية تماماً من كل ما أصابها، واستعادت صحتها ونشاطها، وتعلمت الكثير من المهارات، وساعدها سليم في إنشاء مشروع صغير خاص بها، لصنع الحلويات والمعجنات، كان يلاقي إقبالاً كبيراً من الناس، فأثبتت لنفسها وللجميع أنها قادرة على النجاح والاستقلال، وأن الظلم لم يستطع كسر روحها.
كبر أمان، وأصبح طفلاً ذكياً نشيطاً، يحب اللعب والضحك، ويتعلق بسليم كثيراً، وغالباً ما كان يطلب منه أن يبقى معه، أو يأخذه في جولاته، وكأنه يعرف أن هذا الرجل هو من سيعوضه ما فقده من أب، وسيكون له السند والرفيق في الدنيا.
وفي يوم عيد ميلاد أمان الثاني، جهز سليم حفلة بسيطة ودافئة، دعا إليها الأصدقاء المقربين، وبعد انتهاء الحفلة، وبينما كان الجميع قد انصرفوا، وبقيا وحيدين في الحديقة، وطفل نائم في الداخل، أخرج سليم علبة صغيرة، وتقدم منها، ونظر في

عينيها بنظرة لم يسبق لها مثيل من الدفء والجدية
يا نادية.. منذ عرفتكِ وأنتِ في قلبي، ومنذ وعدتكِ بالحماية وأنا أفكر في أن أكون لكِ أكثر من صديق، وأكثر من أخ.. أريد أن أكمل ما بدأه القدر، وأكون لكِ السند الدائم، وأكون لأمان الأب الذي يحتاجه.. هل تقبلين أن تكوني شريكة حياتي، وأن نبني معاً عائلة تملؤها المحبة والعدالة، ولا يدخلها خوف ولا ظلم أبداً؟.
بكت نادية من السعادة، وارتجف جسدها، ولم تتردد في الإجابة
نعم.. نعم يا سليم.. كنت أتمنى هذا، لكنني كنت أخاف أن أكون عبئاً عليكِ.. والآن أنا متأكدة أنني وجدت بيتي وقلبي ومستقبلي معكِ.
وضع الخاتم في إصبعها، وضمھا إليه، وبدأت قصة حب جديدة، امتزجت فيها ذكريات الماضي بالأمل في المستقبل، قصة أثبتت أن الوفاء لا ېموت مهما طالت به السنين، وأن الحق لا بد أن يظهر مهما حاول الظالمون طمسه، وأن القلوب التي تعرضت للكسر هي الأقدر على منح الحب الكامل لمن يستحقه.
تزوجا بعد أشهر قليلة، في حفل بسيط يجمع بين البساطة والفخامة، حضره من أحبوهما، وشاركوهما فرحتهما، وبدأت حياتهما المشتركة، لم يكن المال أو النفوذ هو ما يربطهما، بل كان الصدق والثقة، والشعور بأن كل منهما وجد ما يكمله في الآخر.
لم ينسَ سليم ما تعرضت له نادية، فأسس جمعية خيرية تحمل اسم أمان لمساعدة النساء المعرضات للعڼف والظلم، وتوفير المأوى والدعم لهن ولأطفالهن، ليكون بذلك وفاءً لاسم ابنه، وامتداداً للعدالة التي سعى لتحقيقها، وأصبحت نادية تشرف على هذه الجمعية، وتعمل بكل جهد لكي لا تعاني أي امرأة ما عانته، ولكي تجد كل مظلومة من يقف بجانبها.
كبر أمان، وأصبح شاباً يجمع بين قوة سليم ولطف نادية، تعلم منذ صغره قيم العدل والرحمة، واختار دراسة القانون ليكون مدافعاً عن الحق، كما كان والده، ومحققاً للأمان كما كان اسمه.
وظلا سليم ونادية طوال حياتهما يتذكران تلك الليلة المشؤومة، لقائهما المفاجئ في القصر، كيف كانت البداية مليئة بالألم والخۏف، وكيف تحولت إلى أجمل نهاية، تثبت أن الأقدار رغم قسۏتها، تخبئ لنا أحياناً أجمل ما يمكن أن نحلم به، وأن الوعد الصادق لا يضيع، وإن تأخر تحقيقه طويلاً.
وفي كل عام، كانا يذهبان معاً إلى السور القديم في الحارة، ويقفان هناك للحظات، يبتسمان، ويتذكران الطفلة التي سقطت، والصبي الذي وعد، والدنيا التي دارت لتجمعهم مرة أخرى، ليقولا معاً الحمد لله الذي جمعنا بعد الفراق، ونجانا من الظلم، وهدانا لهذا الحب الصادق.
وهكذا انتهت القصة، التي بدأت بچرح قديم، وآلام حديثة، ولقاء صدفة، لتصبح قصة وفاء لا ينضب، وعدالة لا ټموت، وحب يبقى خالداً بكل ما فيه من قوة وصدق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *