الساعه 2 بالليل
طاقة البشر، فإذا بمن وعدها بالحماية يظهر فجأة، لكن بعد فوات ما فات، وبعد أن انكسرت وكادت أن تتدمر تماماً.
ظننتك نسيت، همست بصوت خاڤت لا يكاد يسمع. كنا مجرد أطفال يا سليم.. الأيام بتنسى، والناس بتتغير، والدنيا بتاخد كل واحد لطريق تاني.
أنا م نسيت ولا يوم، رد بحدة، وتقدّم منها خطوة أخرى، فتراجعت هي قليلاً خوفاً لا إرادياً، فارتدّ هو فوراً وكأنه لامس جمراً، ورفع يديه ببطء ليوضح لها أنه لا يقصد إيذاءها. أنا آسف.. ما أقصدش أزعجك أو أخوفكِ.. بس قولي لي مين اللي عمل فيكِ كده؟ مين اللي مد إيده عليكِ؟ ومين اللي وصللك للحالة دي كلها؟.
نظرت حولها بقلق، لترى بقية الشغالين قد وقفوا في صمت تام، يتابعون المشهد بذهول، وبعضهم كان يتبادل نظرات الخۏف والاستغراب. عرفت أن المكان ليس مناسباً، وأن الحديث هنا سيجلب لها متاعب لا أول لها ولا آخر، فمن يعلم ماذا سيقول الناس، وماذا سينقلون عما تراه، وكيف ستتعرض للمزيد من الأڈى بسبب هذا اللقاء المفاجئ.
يا فندم.. أرجوكِ، قالت وهي تنحني قليلاً بتواضع مرير. أنا شغالة عندكم، وعندي شغل لازم أخلصه.. الحكاية دي مش تخصك، وأنا مش عاوزة أتكلم فيها.. من فضلكِ سيبني في حالي.
حاولت المرور من جانبه لتخرج من المطبخ، لكنه مد ذراعه ببطء ليمنعها، من دون أن يلمسها، وقال بنبرة لم تسمعها من رجل في حياتها، نبرة أمر لا يقبل النقاش، لكنها مغلفة بكل رقة وحنان
حكايتكِ تخصني من أول ما رأيتكِ هنا، وتخصني من أول يوم وعدتكِ فيه إني أحميكِ.. والوعد ده ما زال ساري المفعول لحد دلوقتي. روحي استريحي في غرفة الخدمة رقم 7، لا تشتغلي شيء، ولا تتكلمي مع حد.. سأجيكِ بعد ساعة، وهناك نعرف كل حاجة من البداية للنهاية. ولا تخافي من أي حاجة.. من النهاردة مفيش حد يقدر يقرب منكِ بسوء، ولا يقدر يمنعكِ من حقكِ، ولا حتى نفسكِ.
لم تملك نادية حيلة سوى الإذعان، فالرجل أمامها لم يعد مجرد صبي الحارة الذي تعرفه، بل أصبح قوة لا يمكن مواجهتها، وربما.. ربما كان الوقت قد حان لكي تتوقف عن الهرب، وتكشف ما أخفته طويلاً.
ذهبت إلى الغرفة المظلمة الصغيرة المخصصة للخدم، جلست على طرف السرير الخشبي القديم، ووضعت يديها على بطنها المنتفخ، وشعرت بحركة الجنين، وكأنه يحاول أن يطمئنها هو الآخر. وبينما هي جالسة، عادت بها الذاكرة لسنوات مضت، لكيفية تغير حالها، وكيف انتهى بها المطاف هنا، مجرد خادمة تحمل في أحشاها طفلاً ولا تجد من يحميها.
بعد أن تفرقت الأسباب، وتوفي والداها في حاډث مأساوي، لم يكن أمامها أحد، لم يبق لها من أهل أو أقارب، فانتقلت للعيش مع خالتها، وهناك بدأت المعاناة الحقيقية. خالتها لم تكن تراها سوى عبء ثقيل، وباعت بسرعة كل ما تركه لها والداها، ثم بدأت تبحث عن طريقة للتخلص منها، حتى عرضت عليها الزواج من رجل يكبرها بأكثر من عشرين عاماً، تاجر يعمل في سوق العباسية، وادعت أنه سيوفر لها حياة كريمة، وأنه رجل صالح.
لم تدر نادية حينها أن هذا الرجل الصالح هو الچحيم نفسه، الذي سيدخلها فيه خالتها طمعاً في المال الذي كان يقدمه لها مقابل الموافقة. تزوجتها وهي في التاسعة عشرة، وبدأت رحلة العڈاب اليومي الإهانة، والحرمان، والضړب الذي لم يتوقف يوماً، حتى عندما اكتشفت أنها حامل، ازداد قسۏة، وزاد شكه في أن الطفل ليس ابنه، فزاد من إيذائها، وتركها تعاني وحيدة، حتى