فاتوره المطعم محمد نور
تركني والداي في مطعم فاخر مع فاتورة بلغت 12 ألف دولار على سبيل “الدعابة”: «لنرى كيف ستدفع هذه الفاشلة!».
قطعت صلتي بهما تماماً. وبعد ثلاثة أيام، بدأا يتوسلان إلي… وانفجر هاتفي بـ 35 مكالمة مفقودة… و5 رسائل…
كانت حافظة الفاتورة الجلدية تبدو ثقيلة على غير العادة بين يدي. كنت وحدي في مطعم “المجلس”، وهو أحد تلك المطاعم التي يتحدث فيها الجميع بصوت خافت لأن المال كان قد تكلم عنهم بالفعل.
الثريات الكريستالية تنير الطاولات ذات المفارش البيضاء، وعازف البيانو يعزف بالقرب من المنصة، ووراء النوافذ الزجاجية العملاقة، كانت المدينة تمت تحتنا.
فتحت الحافظة. 12,459.87 دولار. رمشت بعيني وأعدت قراءتها. كان الرقم ما زال ثابتاً مكانه. وداخل المجلد، كانت هناك ورقة مكتوبة بخط أبي المنظم.
«لنرى كيف ستخرج هذه الفاشلة من هذا المأزق. اعتبريه تدريباً على الحياة». لم يخرج والداي للرد على مكالمة هاتفية، ولم يكونا في دورة المياه؛ لقد تركاني هناك عمداً. كنت في الرابعة والعشرين من عمري، وكنت قد خسرت عملي مؤخراً في معرض فني، وأعود مؤقتاً للعيش في بيت عائلتي في حي “الرابية”.
طوال الليلة، حاولت أن أجعل نفسي صغيرة وغير مرئية حتى لا أحرجهما.
أمي “لمياء” انتقدت شعري قبل أن نصل حتى. وأبي “جاسر” لم ينظر إلي تقريباً لأنه كان مشغولاً بالترحيب بشريكه “طارق”، وطلب نبيذ يكلف أكثر مما أملكه في حسابي البنكي.
خلال العشاء، قدمني أبي على أنني شخص «بين فرص العمل». وأوضحت أمي أن عالم الفن قد يكون «غير مستقر إطلاقاً»، وكأن مساري المهني كان مجرد مرحلة سيئة الحظ لم أتمكن من تجاوزها بعد.
ابتسمت لي “هدى” (زوجة طارق) بشفقة، وقالت إن إحدى بنات إخوتها مرت بشيء مشابه قبل أن تلتحق بكلية الحقوق.
أردت أن أقول لهم إن تخرجي من معهد الفنون العالي لم يكن عملاً تمردياً. أردت أن أوضح أن الفن كان العمل الوحيد الذي جعلني أأشعر بالصدق مع نفسي. لكن في عائلتي، لم يكن يرحب بالصدق إلا إذا كان يؤيد رأيهم.
طلبت أرخص طبق في القائمة، وجلست أستمع إلى أبي وهو يحتفل بصفقة عقارية بين أطباق مغطاة بالكمأة. حاولت مرتين التحدث عن المعرض الذي عملت فيه، وفي المرتين غيرت أمي الموضوع قبل أن أنهي جملتي.
في منتصف العشاء، رن هاتف أبي. قال: «إنه جلال، يا طارق، يجب أن نرد على هذه المكتوبة».