ملك الخرسانه
تسمر نديم في مكانه، وشعر بركبتيه تكادان تخونانه. تمتم بذهول:
“أشرف؟ أنا مقاليش.. والله ما قالي حاجة!”
تابعت أميرة بنبرة تقطر قسوة:
“ومش بس كده. لما ولدت في الشهر السابع، والولاد دخلوا الحضانة بين الحياة والموت، والمستشفى كانت طالبة مبالغ فلكية عشان الرعاية المركزة، بعتّ لك رسالة تليغراف على مكتبك، وكتبت فيها نصاً: ‘أولادك في خطر ومحتاجينك’. عارف التليغراف ده حصله إيه؟ أشرف قطعه و رماه في الزبالة بناءً على أوامرك القديمة الصارمة: ‘أي حاجة تيجي من الست دي تتلغي فوراً’.”
استطردت وهي تشير إلى باب غرفة الأطفال:
“أنا عشت أيام أسود من شعر راسي يا نديم. كنت بشتغل في مدرستين، وبعطي دروس خصوصية، وكنت بلف على الجمعيات الخيرية عشان أجدول الـ 120 ألف جنيه بتوع المستشفى. ولادي كبروا من خير عم ‘جرجس’ بتاع المخبز، ومن جدعنة أهل المنطقة اللي أنت بتتعالى عليهم ببنيانك الخرساني. ودلوقتي، بعد ما بقوا رجالة وبيمشوا على رجليهم، جاي تقولي ‘ولادي’؟”
سقوط الإمبراطور
انهار نديم داخلياً. تذكر تلك الأيام قبل أربع سنوات، تذكر كيف كان يعمي قلبه الغرور والكبرياء بعد الطلاق، وكيف أصدر تعليمات صارمة لمدير مكتبه بقطع كل وسائل الاتصال مع أميرة ظناً منه أنها ستعود زاحفة تطلب المال. لم يكن يعلم أن رغبته في الانتقام وكبريائه الأعمى قد حكما على أولاده بالموت تقريباً، وعلى طليقته بالعذاب اليومي.
جلس نديم على الأريكة، ووضع رأسه بين يديه. تلاشت صورة الملياردير الشرس، ولم يتبقَ سوى رجل مكسور أمام حقيقة أفعاله. قال بصوت متحشرج:
”أنا آسف يا أميرة.. أنا كنت غبي، كنت مغمى عيني بالفلوس والسوق والمنافسة. أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أي حاجة عشان أصلح ده. اطلبي اللي أنت عايزاه.”
نظرت إليه أميرة بهدوء غريب، هدوء ما بعد العاصفة، وقالت:
“أنا مش عايزة منك حاجة لنفسي. والـ 5 مليون جنيه بتوع المدرسة؟ أنا قدمت استقالتي النهاردة الصبح. مش هسمح لفلوسك المسمومة تلاحقني حتى في لقمة عيشي. المعامل دي سيباها للمدرسة وللغلابة يتعلموا فيها، بس أنا رجلي مش هتعتب المكان ده تاني.”
فزع نديم ورفع رأسه بسرعة:
“استقلتي؟ ليه يا أميرة؟ حرام عليكي تضيعي مستقبلك وشغلك اللي بتحبيه عشان تعاقبيني!”
ردت بحسم: