كان على وشك يتقتل
أكبر زعيم في عالم العصابات في القاهرة كان على وشك يتقتل على إيد البنت اللي كان ناوي يتجوزها…
لكن بنتي اللي عندها ست سنين كشفت السر. وبعدها بدقايق، وقف قدام خمس من أخطر رجال البلد وأعلن إننا بقينا تحت حمايته… ومن اللحظة دي، كل حاجة اتقلبت.
قبل ما بخمسين دقيقة كبار رجال النفوذ في مصر يوصلوا الفيلا عشان يمضوا اتفاق هيوقف سنين من الدم والانتقام…
بنتي مريم، اللي عندها ست سنين، سابت إيدي ومشيت بهدوء لحد ما وقفت قدام الحاج سليم الدمنهوري… الراجل اللي اسمه لو اتقال، نص البلد بيعمله ألف حساب.
شدت طرف الجاكيت بتاعه بخفة، وقالت بصوت واطي
يا عمو… بص تحت المكتب بتاعك.
في ثانية…
كل الرجالة اللي واقفين يحرسوا الممر ثبتوا مكانهم.
وأنا حسيت الصينية اللي عليها كاسات العصير هتقع من إيدي.
مريم كان المفروض قاعدة في أوضة العاملين لحد ما أخلص شغلي.
ممنوع أي طفل يقرب من مكتب الحاج سليم، خصوصًا في يوم زي ده… يوم الفيلا مليانة رجال مسلحين من كل ناحية.
جريت عليها بسرعة.
حقك عليا يا حاج سليم… الست اللي كانت هتقعد معاها اعتذرت في آخر لحظة، ومجرد ثانية وغابت عن عيني.
الحاج سليم رفع إيده بهدوء، ووقفني قبل ما أوصلها.
بعدها نزل لمستواها، وبص في عينيها.
إنتِ شفتي إيه يا حبيبتي؟
مريم ضمت العروسة القديمة اللي في حضنها وقالت
نور أحمر… كان بينوّر ويطفي تحت المكتب.
الممر كله حسيت إنه برد فجأة.
مريم مسكت في كم الجاكيت أكتر.
في راجل حطه هناك… والست اللي كانت لابسة فستان بيلمع قالتله ما تدوسش
على الزر بعد ما تخلص.
ولا عضلة اتحركت في وش الحاج سليم.
الهدوء اللي كان عليه خوّفني أكتر من أي عصبية.
سألها بنفس النبرة الهادية
مين الراجل ده؟
قالت
كان شكله زعلان… وعنيه كلها هم.
شافك؟
هزت راسها بالنفي.
لأ… بس الست شافتني.
قلبي كان هيطلع من مكانه.
قلت بسرعة
قالتلك إيه؟
حضنت العروسة بقوة وهمست
قالتلي… البنات الصغيرة اللي بتحكي أسرار، مامتهم ممكن تلاقي نفسها في الشارع.
الحاج سليم وقف ببطء.
وبصوت هادي جدًا، قال للحرس
فضّوا الدور كله… حالًا.
ماعدتش عشر ثواني…
الفيلا كلها اتحولت لخلية نحل.
الخدم اختفوا في ممرات داخلية.
الحراسة قفلت كل المداخل والمخارج من غير دوشة ولا صوت.
بعدها بصلي مباشرة.
يا صوفيا… خدي مريم على الصالون اللي في الناحية الغربية. اقفلي الباب بالمفتاح… وما تفتحيش لحد غير لما أنا أجيلك بنفسي.
بصيتله وأنا مش فاهمة.
هو في إيه يا حاج؟
حوّل عينه ناحية باب المكتب، وقال بهدوء مخيف
في حد كان ناوي الليلة ينسف كل واحد هيقعد على الترابيزة دي.
لف… ومشى ناحية المكتب.
فتح الباب…
دخل لوحده.
وقفله وراه بهدوء.
وسابني واقفة مكاني… وأنا حاسة إن اللي جاي أخطر بكتير من أي حاجة شفتها في حياتي…
أخذت مريم التي كانت ترتجف بخفة، وهرعت إلى الصالون الغربي كما أمرني. أغلقت الباب بالمفتاح بإحكام، وجلست على الأريكة أحتضن ابنتي وأنا أكاد أسمع صوت دقات قلبي من شدة الرعب. لم يمض سوى دقيقتين حتى سمعت صوت خطوات معدنية ثقيلة تقترب من الخارج، تلاها صوت إطلاق رصاصة واحدة… قاطعة، حاسمة، ومكتومة. ثم ساد صمت مطبق.
مرت عشر دقائق شعرت فيها أن الساعات تتوقف، قبل أن ينفتح باب الصالون ببطء ويدخل الحاج سليم. كانت هندامه مرتباً كعادته، لكن بقعة داكنة صغيرة كانت تزين أكمامه، وعيناه تحملان نظرة باردة لا مبالاة فيها.
نظر إلى مريم النائمة في حضني من التعب، ثم التفت إليّ بنبرة هادئة آمرة
تعالي ورايا يا صوفيا… الضيوف وصلوا.
العاصفة التي تلت العاصفة
خرجت خلفه وأنا أجر قدمي بصعوبة حتى وصلنا إلى قاعة الاجتماعات الكبرى. على الطائرة الخشبية الطويلة، جلس خمسة من أقطاب التجارة والسياسة والسلطة في مصر؛ رجال تقف أمامهم الملايين احتراماً، وتتحكم قراراتهم في مصير مدن بأكملها. كانت وجوههم متوترة، تترقب بقلق توقيع الاتفاقية التاريخية التي ستنهي سنوات من الدم والنار.
وقف الحاج سليم في صدر الطاولة، وبجانبه الحارس الشخصي يجر حقيبة جلدية سوداء ثقيلة وضعها على المنتصف وفتحها ببطء.
لم تكن حقيبة أوراق… بل كانت قنبلة موقوتة تم تفكيكها، وبجانها هاتف ذكي يعمل بنظام البث المباشر!
هبّ أحد الكبار واقفاً بغضب وعيناه تصران شراراً، وهو مالك إحدى أكبر شركات الاستيراد في الموانئ، وهتف بصوت منخفض مرجف
إيه اللعبة دي يا سليم؟ إحنا جايين نمضي اتفاق سلام، مش نتفرج على مسرحيات رخيص…
قاطعه سليم بصوت هادئ كالجليد، لكنه يحمل ثقل الجبال
اجلس يا رأفت… قبل أن تقرر من هو بطل المسرحية.
ضغط سليم على زر التشغيل في الهاتف الملقى على الطاولة. وبدأ الصوت يصدح في القاعة المغلقة بصوت امرأة ناعمة، لكنها مرعبة في تلك اللحظة
…أول ما سليم يوقع على الاتفاق، دوس على الزر فوراً يا مروان… الفيلا كلها هتطير، والكل هيفتكرها تصفية حسابات قديمة بين العصابات، ومحدش هيشك فينا واحنا خارجين بغنائم السوق كله.
ارتجف وجه رأفت، وتحول لونه إلى شحوب الموت. فقد كان الصوت صوت… خطيبته السابقة التي كانت ترافقه، وصوت مروان هو الحارس الشخصي الذي كان يقف خلفه مباشرة حتى دقائق معدنية خلت!
استند سليم بيديه على الطاولة، وانحنى للأمام قليلاً وهو يتأمل وجوه الخمسة المرعوبة، وقال بابتسامة ساخرة
كنتم مفكرين إن سليم الدمنهوري بيكبر وينسى؟ ولا كنتم فاكرين إن أعدائي ممكن يزرعوا أفعى في بيتي من غير ما أحس بنفَسها؟
التفت سليم فجأة نحوي أنا ومريم التي كانت تمسك بيدي بقوة، وأشار إلينا ببعثرة هادئة لتتقدم
الرجالة الحقيقيون يا سادة، لا تحميهم جيوش مسلحة ولا جدران خرسانية… تحميهم براءة طفلة لم تنطق سوى بالحق.
ثم رفع صوته بحزم جعل القاعة كلها تخشع
من اللحظة دي، صوفيا وبنتها مريم أصبحن في جوار سليم الدمنهوري وتحت حمايتي المطلقة، ومن ينظر إليهما بسوء، كمن حفر قبره بيديه في نفس اللحظة.
شعر الجميع بالرعب المطلق؛ فلم يعد الأمر مجرد إحباط محاولة اغتيال، بل أصبح إعلاناً سيطر من خلاله سليم على الجميع بصورة كاملة. الكل انحنى احتراماً، وراحوا يتسابقون في توقيع الوثائق وهم يرتجفون، خوفاً من غضب الزعيم الذي أنقذته طفلة في السادسة من عمره.
وفي تلك اللحظة، وأنا أنظر إلى سليم الذي أصبح درعنا الواقي ضد عالم مظلم ومرعب، أدركت أن حياتنا القديمة انتهت للأبد… وبدأ عصر جديد، نحن من نكتب قواعده.
شارك