ملك الخرسانه
دخل نديم إلى صالة صغيرة لكنها شديدة النظافة والترتيب. سجادة متواضعة تغطي الأرض، وأريكة مريحة عليها بعض الوسائد الملونة، وفي الزاوية طاولة صغيرة عليها كشكول الرسم الخاص بياسين، وصاروخ صغير مصنوع من الكرتون. في الغرفة المجاورة، كان بابها موارباً، يظهر منه التوأم وهما نائمان في سرير واحد، غارقين في براءة الطفولة.
التفت نديم إلى أميرة، وحاول أن يستعيد نبرة صوته الواثقة التي يدير بها اجتماعات مجالس الإدارات:
”أميرة.. أنا مكنتش أعرف. صدقيني، لو كنت أعرف إنك…”
قاطعته بإشارة قاطعة من يدها، وجلست على كرسي خشبي مقابل له، وقالت بصوت منخفض ومسيطر لكي لا توقظ الصغار:
“ما كنتش تعرف إيه يا نديم بيه؟ مكنتش تعرف إن الست اللي رميتها في الشارع بشنطة هدومها عشان رفضت تطاطي لدماغك وتعيش جارية في قصرك، ممكن تطلع حامل؟ ولا مكنتش تعرف إن الدنيا ممكن تدور، وتشوف ‘ملك الخرسانة’ واقف مستخبي ورا شوال دقيق في فرن في شبرا عشان يراقب طليقته وهي بتعد الفكة؟”
نزلت الكلمات عليه كالمطرقة. حاول الدفاع عن نفسه:
“أنا مبعتش حد يراقبك، أنا شفتك بالصدفة! والـ 5 مليون جنيه بتوع المعامل دول…”
الحقيقة العارية: رسائل في سلة المهملات
ضحكت أميرة ضحكة مريرة، ضحكة خالية من أي بهجة، وقالت:
“الـ 5 مليون جنيه! هههه، أنت بجد فاكر إنك لما ترمي قرشين للمدرسة، كده اشتريت ذمتك؟ كده بقيت الأب المثالي اللي أنقذ الموقف؟ أنت لسه زي ما أنت يا نديم.. فاكر إن أي مشكلة في الدنيا، أي وجع، أي كسر، ممكن يتداوى بشيك ممضي ومختوم بختم شركتك.”
وقف نديم واقترب منها خطوة، والصدمة والألم يظهران في عينيه:
“أميرة، أنا بتكلم عن ولادي! ياسين ونوح ولادي أنا كمان! ليه مأبلغتنيش؟ ليه عيشتيهم في الظروف دي وأنا عندي ملايين؟ ده حرمان من الخلفة وحرمان ليهم من حقهم!”
وقفت أميرة في مواجهته، وعيناها تلمعان بدموع رفضت أن تسقط:
“حقهم؟ أنت بتتكلم عن الحق؟ طب اسمع بقى عشان تعرف أنت هببت إيه بجد. لما اتطلقنا، وأنا في الشهر الثاني، تعبت ورحت للدكتور وعرفت إنهم توأم. كبريائي وجعني، بس قلت الولاد ملهمش ذنب. كلمت السكرتير بتاعك، ‘أشرف’، وطلبت أقابلك لأمر مهم. عارف قال لي إيه؟ قال لي: ‘نديم بيه مش فاضي للمطلقات، وأي كلام بخصوص النفقة يكون مع المحامين’.”