فستان ام العروسه

لمست فاطمة وجهه وقالت: “لا تقل هذا.. أنت لا تدين لي بشيء.”

هز عمر رأسه رفضا: “بل أدين لكِ.. أدين لكِ بكل شيء.”

حينها، فعلت سارة شيئاً لم يتخيله أحد؛ خلعت طرحة زفافها البيضاء بعناية ووضعتها على كتفي فاطمة. انسدل الدانتيل الأبيض فوق الفستان الأزرق المهترئ وكأنه كان ينتمي إليه دائماً.

انفجرت القاعة بالبكاء.

نظرت سارة إلى والدها وقالت: “أبي، سامحني.”

اقترب والدها مندهشاً: “لماذا يا ابنتي؟”

“لأنني لن أمشي معك بمفردي نحو المنصة.”

تغيرت ملامح الرجل لثانية، لكن سارة ابتسمت وسط دموعها وقالت: “أريد أن أمشي معكما أنتم الاثنين. معك لأنك منحتني الحياة، ومع أمي فاطمة لأنها صنعت الرجل الذي سأشارك حياتي معه.”

نظر والد سارة إلى فاطمة؛ نظر إلى حذائها البسيط، يديها اللتين أضناهما العمل، وفستانها المتواضع، ثم أحنى رأسه احتراماً وقال: “حاجّة فاطمة.. سيكون شرفاً كبيراً لي أن أمشي بجانبكِ.”

لم تعد فاطمة قادرة على الكلام، واكتفت بالبكاء.

أمسكت بها سارة من ذراعها اليسرى، ووقف والد سارة على يمينها، وعادت الموسيقى لتعزف من جديد.

مشى الثلاثة نحو المنصة. وكانت كل خطوة بمثابة نزع شوكة قديمة من قلب فاطمة.

لم تعد النظرات تحرقها، لم تعد نظرات سخرية.. بل كانت نظرات احترام وتبجيل.

عندما وصلوا، عانق عمر والدته لثوانٍ طويلة، وهمس في أذنها: “أمي.. اجلسي في الصف الأول. هذا المكان كان يجب أن يكون لكِ دائماً.”

كان الصف الأول محجوزاً لأقارب سارة، لكن والدة سارة نهضت على الفور وقالت: “تفضلي يا حاجّة فاطمة.. أرجوكِ.”

ثم نهضت الخالات والعمات والنساء الأنيقات اللواتي كن يتهامسن من قبل. إحداهن، وكانت ترتدي عقداً من اللؤلؤ، أمسكت بيدها وقالت بصوت منخفض: “سامحيني.. لقد تحدثت دون أن أعلم الحقيقة.”

لم تجبها فاطمة؛ فأحياناً الاعتذار لا يمحو الجرح، لكنه يمنعه من الاستمرار في النزيف.

جلست في الصف الأول، ومن هناك شاهدت ابنها يتزوج.

عندما حان وقت تبادل العهود، أخرج عمر ورقة. ظن الجميع أنه سيتحدث لسارة فقط، لكنه نظر إلى والدته أولاً وقال:

“قبل أن أعد زوجتي بأي شيء، أحتاج أن أكرم أول امرأة علمتني معنى الحب.”

غطت فاطمة فمها بيديها. وتفس عمر الصعداء وتابع:

“أمي لم تكن تملك المال، ولا بيتاً ملكاً لها، ولا زوجاً يعينها.. لكنها كانت تملك يدين، وإيماناً عظيماً، وحباً لم ينكسر قط. علمتني أن البيت لا يتكون دائماً من جدران جميلة؛ أحياناً يكون البيت عبارة عن امرأة متعبة تخبئ أفضل لقمة لابنها وتقول إنها ليست جائعة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *