فستان ام العروسه

بعد ذلك، عادت سارة بصندوق أبيض يلفه شريط أزرق، وقالت: “هذا ليس ليعوض فستانكِ.. فذلك الفستان لا يعوض.”

كان بداخل الصندوق قماش أزرق داكن فاخر، مطرز يدوياً بعناية، وإلى جانبه رسالة مؤطرة: “لكي يعلم أطفالنا مستقبلاً أنهم ولدوا في عائلة لم يخجل فيها الحب يوماً من جذوره.”

لم تفهم فاطمة في البداية، فجثت سارة على ركبتيها أمامها دون أن تهتم بفستان زفافها الأبيض وقالت: “نريد ترميم فستانكِ الأزرق، وحمايته للحفاظ عليه. ومن هذا القماش الجديد، إن قبلتِ، سنصنع غطاءً لأول حفيد أو حفيدة يأتينا يوماً ما.”

جثا عمر أيضاً وقال: “عندما يأتي ذلك اليوم، أريد أن يعرف طفلي من أين أتى.”

عانقتهما فاطمة معاً، عِناق من يضم حصاده بعد سنوات من الجفاف.

في تلك الليلة رقصت مع عمر؛ كانت ركبتها تؤلمها وتخجل من الحركة تحت كل هذه الأنظار، لكن ابنها أمسك بيدها وقال: “ارقصي معي يا أمي.”

— “سأدوس على حذائك.”

فابتسم عمر باكياً: “لقد دستِ على حياتكِ كلها لكي أتمكن أنا من المشي.. لا يهم الحذاء.”

ورقصا.. وكان الفستان الأزرق يتحرك ببطء تحت أضواء القاعة؛ قديماً، مهترئاً، وعزيزاً.

بعد أسابيع، وصل عمر وسارة إلى السوق قبل الفجر، يحملان القهوة الدافئة والفطائر. كانت فاطمة تنزل صناديق الخضار فستغربت: “ماذا تفعلان هنا في هذا الوقت المبكر؟”

شمّر عمر عن كمي قميصه وقال: “جئنا لنعمل.”

ضحكت فاطمة: “ستتّسخ ملابسك.”

فأجاب: “إذن فلتتّسخ.. ما كان يجب أن أنسى يوماً من أين خرجت حياتي.”

أمسكت سارة بصندوق صغير وقالت: “وأنا سأبدأ بهذا، فلن أدّعي القوة.”

ضحك الثلاثة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم ترتب فاطمة بضاعتها بمفردها؛ عمر يرتب الطماطم، وسارة تنسق حزم النعناع والليمون. ونظرت فاطمة إليهما وكأن الحياة ترد لها شيئاً لم تجرؤ يوماً على طلبه.

بعد أشهر، قاموا بتجديد دكانها الصغير؛ لم يجعلوه فاخراً، بل وضعوا له سقفاً متيناً، طاولة جديدة، مقعداً مريحاً، ولافتة مرسومة باليد: “خضروات الحاجّة فاطمة.. من قبل الفجر، وبكل حب.”

بكت فاطمة عندما رأتها وقالت: “سأبدو متباهية.”

فعانقها عمر: “لا يا أمي.. ستبدين على حقيقتكِ فقط.”

مرت ثلاث سنوات.. وتم ترميم الفستان الأزرق بعناية ووضعه في صندوق زجاجي في منزل عمر وسارة. وبداخله وُضعت ثلاث صور: عمر حديث الولادة، يوم تخرجه، ويوم الزفاف تزامناً مع إمساك سارة بيد والدته في مؤخرة القاعة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *