حكايتي

الفجر كان بيشقشق ونوره الباهت داخل من شيش البلكونة، وأنا صاحية، عيني مش قادرة تغمض، وجسمي كله متلج تحت اللحاف رغم حرارة الجو. حازم كان نايم جنبي بيشخر في سلام، النفس اللي طالع ونازل منه كان بيخنقني، كأن فيه تعبان نايم على السر,,ـــــير ومش قادرة أتحرك عشان ما يقرصنيش. الكلمات كانت بتلف في دماغي زي الإعصار.. “أبو سيف مقاولات”.. “موضوع الحمل”.. “الجواب اللي سابه تامر”.

​كل حياتي اللي عشتها مع الراجل ده عشر سنين اتمسحت في ثانية، وبقيت شيفاها كدبة كبيرة ملونة. سحبت نفسي من السر,,ـــــير ببطء شديد، رجلي كانت بتخبط في الأرض كأنها خشب. خرجت للصالة، قعدت على الكنبة في الضلمة، وبصيت لساعة الحيطة وهي بتتك.. تك.. تك.. كل دقة كانت بتفكرني بالوقت اللي ضاع مني وأنا مغمية عيني.

​أول حاجة فكرت فيها كانت الجواب. تامر مات في شقته في المعادي، يعني الجواب اكيد هناك، أو يمكن حازم خده؟ لا، الرسالة بتقول “لازم نتكلم قبل ما مريم تلاقيه وتقرأه”، ده معناه إن الجواب في مكان يخص تامر بس مكان أنا كمان ممكن أوصل له بسهولة. تامر وحازم كان عندهم مكتب استيراد وتصدير صغير في وسط البلد، فوق سينما مترو، وأنا كنت شريكة معاهم بالورق، ومعايا نسخة من مفاتيح المكتب عشان أوقات كنت بروح أساعدهم في الحسابات.

​الساعة جت سبعة الصبح. حازم بدأ يتحرك في السر,,ـــــير. دخلت المطبخ بسرعة، وعملت نفسي بعمل قهوة. خرج وهو بيمط جسمه، وشه كان طبيعي جداً، مفيش فيه أي أثر للي حصل امبارح، كأن الوش الخاين اللي شفته في المعادي كان كابوس. قرب مني وباس دماغي وقال بصوت كسلان: “صباح الخير يا حبيبتي، نمتي كويس؟”.

​بصيت في عينه مباشرة، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة إن صوتي ما يترعش: “الحمد لله يا حازم. إنت عندك شغل النهاردة؟”.

هز راسه وهو بيصب لنفسه قفص مية: “آه، هعدي على الشركة في التجمع، وبعدين هروح مع محامي تامر عشان نخلص شوية ورق لأميرة، الغلبانة مش عارفة تتحرك في أي حاجة، وإنتي عارفة تامر كان أخويا الله يرحمه”.

​”الله يرحمه”.. الكلمة طلعت من بقه تقيلة ومنافقة لدرجة إني حسيت برغبة في القيء. هزيت راسي وسبته ودخلت الحمام. قفلت الباب وفتحت المية على الآخر عشان ما يسمعش صوت عياطي. عيطت بدموع حامية، دموع على السذاجة، على السنين اللي راحت، على البنت اللي تمنيت أخلفها منه وهو رايح يعمل طفل من ورايا مع مرآة صاحبه. بس وسط الدموع دي، اتولد في قلبي حجر. الخوف مشي، وحل محله غل ورغبة عارمة في إني أهده زي ما هدني.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *