الفصل الأول المرايا اللي ما بتكذبش المراية في أوضة نومنا طول عمرها كانت كويسة معايا. مش زي باقي الأثاث اللي بيتأكل مع الوقت ولا زي الحيطة اللي لونها بيشحب، دي كانت دايماً صافية، بتعكس الصورة زي ما هي بالظبط. بس ليلة الحفلة دي، حاجة غريبة حصلت.. لما بصيتلها لقيتها مش بتوريني وشي اللي اعرفه، لا.. ورتني ست تانية خالص. ست لابسة فستان كحلي غامق، القماش بتاعه تقيل ومش بيلمع، بس فيه هيبة. ست لابسة في ودنها حلق لولي كبير، اللي ورثته عن أمي الله يرحمها، الحجر الأزرق اللي كان بيلمع كل ما أمي تضحك أو تتكلم بحماس. بصيت للست دي في المراية، وشها هادي، ملامحها راقية، بس عينيها فيها حاجة.. حاجة زي التعب اللي متخبي، وزي الڠضب اللي نايم من سنين. ورايا في المراية، كان واقف سامح. جوزي. اللي كنت بشوفه كل يوم من غير ما أشوفه بصراحة. كان واقف بيلف الكرافتة حوالي رقبته، وكل شوية بيشدها، وكل مرة بيخليها أضيق وأضيق، زي ما هو حاسس إن اللي جواه ضيق، مش الكرافتة. يا هنا.. بلاش الروج ده. قالها وهو مش بيبصلي أصلاً، باصص لسنانه في المراية بيتأكد إنها نضيفة. حطي التاني.. الهادي، اللي لونه طبيعي. مديت إيدي على التسريحة، أخدت الروج التاني، وغيرته من غير ما أتكلم ولا أعترض. لسه صوتي معايا، بس أنا بطلت أستخدمه في النقاش من زمان تقريباً. بالتحديد من السنة الرابعة في جوازنا. ساعتها اكتشفت إن كلامي مش بيوصل، وإن اللي بيتسمع هو بس اللي هو عايز يسمعه. فقررت أسكت، وأخزن كلامي جوايا، لحد ما يجي اليوم اللي يبقى فيه صوتي مسموع حتى لو قلته بصوت واطي. وحاولي تبتسمي النهاردة يا هنا، أرجوكي. كمل كلامه وهو بيعدل شعره، ويديه بتترعش بشكل بسيط، علامة التوتر اللي بيحاول يخبيها. مش عايز المود السكوتي بتاعك ده يطلع النهاردة. اللي جايين دول ناس مهمة أوي، مدراء، ومسؤولين، وشخصيات كبيرة. بصيتله من غير ما أحرك وشي، ورديت بصوتي الهادي اللي تعود عليه عارفة إنهم مهمين يا سامح، متقلقش. طيب بلاش الأسلوب ده، بلاش كلام ستات البيوت اللي بتقولوه عشان تخلصوا كلام. التفتلي أخيراً، بس نظراته كانت ماشية، مش مركزة معايا. متصدعيش الناس بقصص السوبر ماركت، والطلبات، والغسيل، واللي بتعمليه طول اليوم في البيت. خليكي راقية، خليكي ساكتة شوية، ابتسمي وكفاية. كنت هضحك بجد.. والله العظيم كنت هضحك في وشه. هو فاكرني لسه الست اللي بتراقب السوق ولا بتابع أسعار الرز والسكر؟ هو مكنش عنده أدنى فكرة، ولا أقل تصور، أنا بعمل إيه طول اليوم وهو بره البيت أو نايم. فكرتي كانت بتطير بعيد.. بتفكر في الأوراق المكدسة على المكتب بتاعي في الأوضة الجانبية اللي حولتها لمكتب عمل. بتفكر في الرسومات الهندسية، في الألوان، في المساحات اللي بقدر أحولها من مجرد حوائط وأرضيات لمكان بيعيش فيه الناس أحلامهم. فجأة، صوت الموبايل قطع تفكيري. رسالة وصلت، لمحت الاسم وابتسامة حقيقية، مش زي الابتسامات اللي بنلبسها، رسمت على وشي. مين ده؟ سأل سامح، وهو بيلبس الجاكيت الأسود، ولسه مش مهتم أصلاً بالرد، مجرد سؤال عادي عشان يسكت الهواء. عميل.. بيأكد ميعاد يوم الاتنين إن شاء الله. ضحك بخفة، ضحكة استهانة، وهو بيقول عميل؟ ماشي، خليه ييجي يصرف الحساب ولا يعمل إيه؟ قلبي وجعني شوية، بس سكت. هو بقاله سنتين كاملين فاكر إن كلمة عميل اللي بتكلمني يعني سباك جاي يصلح حاجة، ولا حد من الدراي كلين، ولا بتاع البوتاجاز. عمره ما سأل، وعمره ما حب يعرف إن ورا كلمة عميل دي شركات، ومشاريع، وعقود بأصفار كتير. على فكرة يا سامح.. قلتله بحذر، بحاول أمد شعرة معاوية قبل ما نروح احتمال النهاردة أقابل حد أعرفه، حد شغال معايا. رد وهو بيطمن على منديله في جيبه، وبيدور في المراية اممم، طيب تمام.. المنديل فين؟ على السرير. خده ومشي، من غير ما يبصلي، من غير ما يقول كلمة كويسة ولا حتى شكلك حلو النهاردة. دي مشكلة سامح يا ناس.. هو بيبص في كل حاجة؛ بيبص في الساعة، في الموبايل، في المراية، في الأرض، في السقف.. بس عمره ما بيبصلي أنا. عمره ما شاف الست اللي ورا اسم مراتي. الفصل الثاني الطريق والكلام اللي مسمعتوش نزلنا تحت، العربية كانت منتظرة. السواق فتح الباب، سامح دخل وركب جنبي، وسكت. طول الطريق وهو حاطط سماعة صغيرة في وده، بيسمع خطاب الترقية بتاعه بصوت واطي جداً، وبيحرك شفايفه وهو بيكرر الكلام ورا نفسه. القيادة.. مسؤولية.. القيادة هي القدرة على العطاء.. القيادة رؤية.. كان بيعيد كلمة قيادة مية مرة، ألف مرة. وأنا كنت بص من الشباك، بتأمل أضواء شارع الجيش، والسيارات اللي ماشية، والناس اللي كل واحد ليه هم وحكاية. وفكرت مع نفسي هو فاهم يعني إيه قيادة؟ القيادة مش كلام بيتبقى قدام الناس ولا خطابات منمقة. القيادة أول حاجة بتبدأ بإنك تعرف تقود بيتك، وتحترم شريكك، وتشوف قيمة اللي معاك قبل ما تطلب من الناس تحترمك. افتكرى كويس يا هنا. قالها فجأة، وشال السماعة من وده. أنا اللي هتكلم، وأنا اللي هتصرف. انتي دورك تيجي جنبي، تبتسمي، تصقفي، وتسكتِي. كلامي هو اللي ماشي، مفهوم؟ مفهوم يا سامح، حاضر. رديت عليه، وفي قلبي كلام تاني خالص. كنت عارفة ومتأكدة إن الليلة دي مش هتكون زي أي ليلة. حاسة بثقل في الهوا، حاسة إن فيه حاجة كبيرة هتحصل، حاجة هتقلب كل الموازين اللي اتظبطت غلط من سنين. وصلنا القاعة. ياريتني أقدر أوصفلكم هيبتها. المكان مش مجرد صالة، ده تحفة فنية. الإضاءة خاڤتة وذهبية، الطاولات مفروشة بقماش أبيض وشراشف سودا، الورود طبيعية ورايحتها مليانة المكان، والكراسي مجهزة بترتيب يوحي بالفخامة. كأنك داخل فيلم سينما مش حفلة شركة. سامح نزل، فتحلي الباب، ومدلي إيده عشان أنزل. حركة شياكة مبالغ فيها، زي اللي بيعملها الممثلين قدام الكاميرات. حركة بايخة، عشان يقول للناس اللي واقفة شوفوا أنا إزيه، وشوفوا مراتي إزاي. بس لمست إيده وحسيتها باردة ومبتدئة، هو كان خاېف، وخوفه بيظهر في حركاته الميكانيكية دي. دخلنا جوه، الزحمة كانت شديدة. 300 شخص يعني، كلهم لابسين أحسن اللي عندهم، سيدات بدلات وسهرات، ورجال بدلات سودا وربطات عنق ملونة. سامح ثواني واختفى وسط الزحمة، ساب إيدي ومشي، راح يسلم على المديرين، يضحك بصوت عالي على نكت مش مضحكة خالص، ويصافح ويتبوس كأنه الولد المدلل للكل. أنا وقفت مكاني على الباب شوية، الشنطة في إيدي، وبصيت حواليا. وفجأة.. عيني اتقابلت مع عين ست قاعدة على الطربيزة الرئيسية، اللي في أول القاعة. ست شعرها فضي ناعم، مرتب بذكاء، لابسة بليزر كحلي غامق زي لون فستاني بالظبط، وشكلها عامل هيبة ووقار مش طبيعي. عينيها حادة بس طيبة. قلبي دق دقة قوية.. عرفتها من غير ما تتكلم. مدام إلهام. المديرة العامة للشركة كلها. اللي سامح بيتمنى حتى تشوفه من بعيد. اللي كل أحلامه إنها ترضى عنه. وكنت عارفة إنها هنا، ومش عارفة إنها عارفة إنني هنا ولا لأ. بصتلي شوية، وهزت راسها لي باحترام، وابتسمت. أنا رديت الابتسامة، وقلبى بيقولي اللعبة ابتدت. الفصل الثالث المقشة والضحكة اللي وجعت الموسيقى هدت، والضوء ركز كلو على المنصة الصغيرة اللي في نص القاعة. سامح طلع فوق، مسك الميكروفون، وخبط عليه شوية عشان يلفت الانتباه. مساء الخير يا سادة يا كرام.. صوته جه عالي وواضح، وبدا يلقي خطابه المعسول اللي حفظه. بيتكلم عن الجهد، عن العطاء، عن الصعاب اللي تعداها عشان يوصل لدرجة المدير. والناس بتصفق، وهو بيحس إنه ملك الكون. وبعد نص ساعة كلام، لقى اسمي. والنهاردة، في اللحظة السعيدة دي، مش عايز أنسى الدعم المعنوي، مش عايز أنسى اللي ساهمت معايا بطريقتها الخاصة.. التفتلي وأنا لسه واقفة تحت، ومد إيده تفضلي يا هنا، تعالي هنا شوية. الكل بصلي، التصفيق بدأ، حطيت إيدي على كتفي وطلعت السلالم على المسرح ببطء. خطواتي كانت ثابتة، روحي هادية، بس جوايا بركان نايم. وقفت جنبه، مسك إيدي ضغط عليها بقوة عشان أبتسم، وأنا ابتسمت زي ما هو عايز بالظبط. بقولكم إيه يا جماعة.. سامح بدأ يلعب دور المهرج عشان يضحك الناس، شايف إن الموقف ده محتاج فكاهة. مراتي دي، بصراحة، هي السبب الرئيسي في نجاحي.. لإنها بتخليني مرتاح البال تماماً! ضحكوا شوية، بس هو عايز أكتر. فجأة.. مد إيده ورا المنصة، وطلع حاجة غريبة. مقشة! مقشة شكلها جديد، مربوطة من فوق بفيونكة حمراء كبيرة وشكلها بهرجي. وقبل ما أستوعب حاجة، ساب إيدي ومسك المقشة، وقدمها لي قدام الكل، وهو پيصرخ بصوت عالي أقولكم إيه؟ دي الحرفة اللي هي شاطرة فيها أكتر حاجة! ده سر نجاحي بصراحة.. البيت نضيف والبطن مليان، والدماغ رايقة! عاشت ايدك يا ست البيت! والله العظيم.. القاعة كلها اڼفجرت في الضحك. ضحك بصوت عالي، ضحك مستمر، تصفيق چنوني، وحتى اللي كانو بيبصوا لي باحترام بدأو يضحكوا. الهواء اللي في المكان اتحول لسكاكين بتقطع في جسمي. شعرت بالحرارة بتطلع في وشي، شعرت بالإهانة زي المية الباردة اللي اتكبت عليا. بس أنا عملت إيه؟ أنا ضحكت. ضحكت ضحكة رقيقة، هادية، جميلة، زي ما بتعمل الستات المحترمات لما بيحسوا إن الدنيا بتسقط بيهم. ضحكت عشان ما أحرجوش، ضحكت عشان ما يقولوش عليا إنها حساسة ولا مش عارفة تاخد نكتة. بس من جوايا.. حاسة إن فيه جدار انهدم. حاجة في قلبي انكسرت، وسقطت في مكانها العميق، وقررت إنها مش هترجع تتبني تاني. مديت إيدي وأخدت المقشة منه. قشعريرة سريعة عدت في جسمي لمسة إيده. وميلت على الميكروفون. القاعة سكتت شوية عشان يسمعوا هقول إيه، مستنينني أقول كلامة مضحكة تانية أو أشكره. بصت في عينيه أول مرة، بصتله بتركيز كامل، وقلت بصوت واضح، ثابت، مسموع في كل ركن في القاعة شكراً يا سامح.. بصراحة هو معاه حق ألف بالمية. الناس ضحكت أكتر، وهو ارتاح وضحك وقالي بصوت واطي براحتك، وشكله مبسوط إن اللعبة ماشية تمام. بس كملت كلامي، ورفعت صوتي شوية، والميكروفون بيحمل كل نغمة في صوتي أنا فعلاً شاطرة في التنظيف. وبحب الشغل ده جداً. بس المشكلة إنه مش بس بنظف بيوت يا جماعة.. سكتت شوية، والقاعة بدأت تهدى شوية شوية. أنا بنظف مساحات ضاعت. بنظف ذكريات عايزين يحطوها في إطار جديد. بنظف أوضام مليانة أحلام عايزين يصحوا يلاقوها قدامهم. أنا بصراحة.. مهندسة ديكور واستشاري تصميم داخلي. سمعت همهمة بدأت تيجي من تحت. سامح اتجمد مكانه، وبصلي كأنه شاف شبح. بقالي سنتين وشوية، وعندي مكتب خاص بيا، وعملت مشاريع كتير. شقق، وفيلات، وعيادات طبية، وحتى مقرات شركات. التفتت ليه وقلتله والشركة اللي انتَ شايفها كبيرة دي، المقر الجديد بتاعها اللي بيتعمل دلوقتي.. التصميم الداخلي بتاعه كله تحت اشرافي. بصيت ناحية مدام إلهام اللي كانت قاعدة متابعة كل حرف، وكملت والنهاردة جاية الحفلة دي مش عشان بس أكون مرات المدير الجديد.. لا.. جاية عشان أوقع العقد النهائي مع مدام إلهام، بخصوص استلام المشروع وتسليمه. شلت الفيونكة الحمراء من على المقشة برقة، وقلبتها في إيدي، وقولت والمقشة دي يا جماعة.. مش عيب، ولا نكتة. دي رمز. عشان اللي عايز يبني حاجة جديدة من الصفر، لازم ينضف المكان كويس أوي من القديم، من الاوساخ، من الأفكار البالية، ومن المفاهيم الخاطئة. عشان المساحة الجديدة تتنفس، وتكون صالحة للعيش فيها بكرامة. التفتت لسامح اللي وشه اتحول للون الطوب، وعيونه طالعة، وكملت سامح فاكر إن اللي بعمله مجرد شغل بيوت، وتليفونات لسباكين وعمال. بس الحقيقة إن العقد اللي وقعته الأسبوع اللي فات، قيمته ساعدت كتير في إننا نحضر الحفلة دي بالشكل ده، وندفع تكاليفها من غير ما نحتاج لأحد. القاعة سكتت خالص. سكون تام، مريب، مهيب. مفيش حد بيضحك، مفيش حد بيتكلم. كل العيون متلقية بيني وبين سامح. نزلت من على المسرح، سيبت المقشة في إيد سامح اللي واقف متلجلج زي التمثال، ومشيت بثبات ناحية مدام إلهام. قامت من مكانها مبتسمة، وممدالة إيديها. مبروك يا أستاذة هنا.. كلام جميل وشخصية أقوى. العقد هيبقى جاهز بكرة، ومكانك هيكون في الإدارة المباشرة. صقفت مدام إلهام، وبعدها القاعة كلها قامت تصفق.. تصفيق حار، طويل، مليان احترام مش زي اللي قبل كده. الفصل الرابع بعد خمس دقائق.. الړعب اللي في عينيه مشيت وخرجت من القاعة الرئيسية، رحت للڤيستيال الصالة اللي بره عشان أاخد نفسي. الهوا كان بارد شوية، وكنت محتاجة أرتاح من كلام الناس ونظراتهم. قعدت على كنبة كلاسيكية جميلة، وحطيت الشنطة جنبي، وقفلت عيني شوية أستجمع قواي. معداش خمس دقايق بالظبط.. خمسة دقايق بس من ساعة ما نزلت من المسرح. لقيته جري عليا. سامح. وشه أبيض تماماً، زي الورق، عروق رقبته طالعة، عينيه فيها ړعب حقيقي، ړعب مش عارف مصدره إيه بالظبط، هل هو خوف من المديرة؟ ولا خوف من الحقيقة اللي اتكشفت؟ ولا ڠضب من إن كشفته قدام الناس؟ جابني من دراعي جامد، قالي بصوت مخڼوق ومقطوع إنتِ.. إنتِ عملتي فيا إيه؟! قوليلي عملتي إيه؟! بصتله بهدوء، وشلت إيده عن دراعي برفق بس بحزم في إيه يا سامح؟ اهدى، مالك؟ مالي؟! أنا اللي أسألك إيه اللي قولتيه ده؟! إيه هندسة ديكور؟ إيه عقود؟ إيه مدام إلهام؟ إيه اللي بيحصل؟! كان بيتكلم وبيده ترعش، وصوته مكسور. مدام إلهام كلمتني دلوقتي.. بأسلوب تاني خالص! بتقول لي إنها محترمة جداً للي عملتيه، وإنها مصډومة إن الشركة مكنتش تعرف إن عندها كفاءة بالشكل ده، وإن المفروض أكون فخور بيكي مش بهزر! سكت شوية، وبصلي نظرة غريبة، نظرة لوم وړعب كل ده حقيقي؟ الشغل ده كله حقيقي؟ وإيه معنى إنك كنتي بتدفعي مصاريف الحفلة؟ إنتِ لسه مين بالظبط؟! وقفت قصاده، كبرت شوية، حسيت إن المسافة اللي كانت بيني وبينه اختفت، وحسيت إن أنا اللي قدامه وهو اللي صغير. أنا اللي كنت جنبك من أول يوم يا سامح. أنا اللي ساعدتك تذاكر، ساعدتك تترقى، ساعدتك تبني اسمك. بس انتَ قررت تشوفني بس في حدود الحيطة والمطبخ. قررت تحصرني في صورة ست البيت اللي على مقاس تخيلاتك الصغيرة. بس ليه؟ ليه عملتي كده قدام الكل؟ ليه أحرجتيني؟! صړخ فيها شوية. أنا ما أحرجتكش يا سامح.. أنا فقط رجعتلك صورتك الحقيقية قدام الناس. انتَ كنت شايل قدري تحت السجادة زي الأتربة، عايز تخبيه، عايز تقول إن ده مش مهم. النهاردة شلته من تحت السجادة، وعرضته في النور عشان الكل يشوفه، وعشان انتَ كمان تشوفه. قربت منه شوية، وقلتله بصوت حازم وحنون في نفس الوقت المساحة اللي ضاعت مش مساحة بيت ولا مكتب.. المساحة اللي ضاعت كانت مكانتي جواك. كنت ضيعتلي مكاني بين اهتماماتك، بين كلامك، بين نظراتك. والنهاردة رجعت المساحة دي، وبنيتها من تاني وبأحسن حاجة. عدلت كرافتته اللي اتعكجت واتشالت من كتر التوتر، ومسحت غبار وهمي من على كتفه، وقلت انتَ قلت طول الطريق إن القيادة علم وفن. تعملك القيادة الحقيقية بتبدأ بإيه؟ بتبدأ بإنك تعرف تقود نفسك، وتفهم اللي معاك، وتحترم شريكك قبل ما تطيعك الناس. الست اللي في البيت مش خدامة ولا مجرد شكل حلو يمشي جنبك.. دي عقل، ومال، وجاه، وقوة لو حطيتها في مكانها الصح هتبنيك فوق السحاب.. ولو قللت منها، هتعرف تاخد حقها من غير ما ترفع صوتها. الفصل الخامس عودة الروح ساعتها سامح نزل عينيه في الأرض، ومش عارف يقول حاجة. شكل الړعب اللي كان في عينيه اتحول لندم، اتحول لصدمة في نفسه إزاي كان أعمى للدرجة دي. أنا.. أنا والله مكنتش أعرف.. همس كلامه بصعوبة. عارفة يا سامح إنك مكنتش تعرف، لإنك عمرك ما سألت. عمرك ما فتحت باب الحوار ولا حطيت ليا مساحة أتكلم فيها وأعبر. كنت شايف إن دوري انتهى عند الباب. في اللحظة دي، جت مدام إلهام ومعاها مجموعة من السيدات والرجال، وكانوا بيبصوا لي بإعجاب شديد. يا سيدتي يا هنا، بجد قصة ملهمة. قالت مدام إلهام وهي بتحط إيدها على كتفي. الراجل ده محظوظ بيكي، والشركة كلها هتكون محظوظة لما تشتغلي معانا رسمي. بكرة العقد جاهز بأسمك، وراتب ممتاز، ومكتب خاص. شكرتها واتكلمت معاها شوية، وسامح كان واقف جنبي، بس المرة دي.. المرة دي حسيت إنه بيبصلي. بيبصلي بجد. بيبص للست اللي قدامه، للمهندسة، للشخصية المستقلة اللي هو مكنش شايفها قبل كده. رجعنا البيت بالليل، الطريق كان ساكت، بس السكوت دي كان مختلف. سكوت احترام، سكوت تفكير، سكوت بداية جديدة. دخلت أوضتي، وقفت قدام المراية تاني. بصيت للست دي، وشوفتها واضحة أوي النهاردة. شوفت عينيها بتلمع، وشوفت ابتسامتها حقيقية. فهمت أخيراً إن المساحة الوحيدة اللي كانت ضاعت فعلاً في حياتي، هي مساحتي أنا جوا نفسي. كنت ضيعتها عشان أوسعلك مكانك يا سامح، كنت أصغر نفسي عشان تظهر انتَ. والنهاردة.. رجعت المساحة، ورجعت أنا، ورجع القدر اللي ما ينفعش يتسكت ولا يتوه تاني. والمقشة اللي كانت سبب الإهانة، بقت رمز للانتصار. عشان الحياة زي ما بتكون محتاجة تبنى، لازم تكون عارف تتنضف كويس.. وتنضف من غير رحمة. الوقت كان بيعدي ببطء في اللحظات دي، كل تانية كانت بتاخد معاها سنة من عمري. وقفت في الڤيستيال الواسع، والأضواء الخاڤتة اللي كانت بترسم ظلال طويلة على الحيطة المزخرفة، حاسة إن الدنيا كلها سكتت عشان تسمع صوت دقات قلبي. سامح كان واقف قصادي، وشه لسه أبيض، وعينيه بتطوف في وشى زي اللي بيدور على إجابة لسؤال مش عارف يصيغه. الړعب اللي كان في عينيه بدأ يتحول، مش للڠضب زي ما كنت متوقعة، ولا حتى للكره.. لا.. كان بيتحول لحاجة تانية خالص، حاجة أثقل وأصعب.. كانت صدمة، وفقدان توازن، وبعدين.. ندم. ندم حقيقي بيقرض في الروح. يعني كل ده حقيقي؟ قالها تاني، بس المرة دي صوته كان أهدى شوية، ومخټنق أكتر. يعني إنتِ فعلاً ليكي مكتب، وليكي عملاء، وليكي فلوس.. وكل ده وأنا ولا في بالي؟ أيوه يا سامح، كل ده حقيقي. رديت عليه وأنا بحط إيدي في الشنطة بتاعي، طلعت منها كارت شخصي صغير، كويس، مطبوع بأسمي م. هنا.. استشارية تصميم وتنفيذ ديكور. مديتله الكارت. تفضل، شوف.. ده مش كلام في الهوا. مسك الكارت بإيد مرتعشة، بص فيه وقلبه بينزل تحت، بص للخط، بص للاسم، بص لأرقام التليفونات والعنوان. قلب الصورة وشاف اللوجو بتاع الشركة الصغيرة اللي بنيتها بحماري ودمي. من امتى؟ سأل وهو لسه مش مصدق. من سنتين تقريباً.. بالظبط بعد ما خدت الترقية اللي فاتت. سنتين؟! رفع عينيه پصدمة أكبر. يعني بقالي سنتين بكلمك في التليفون وأنا فاكرك بتكلمي عمال ولا بتاعين نظافة.. وده كله عمل؟! أيوه يا سامح، كله عمل. قعدت على الكنبة اللي ورايا، وأنا حاسة إن رجلي مش مستحملة وزن اللحظة دي. تعرف معنى سنتين يعني إيه؟ سنتين وأنا بقوم قبل الفجر عشان أخلص شغل البيت وبعدين أروح المكتب. سنتين وأنا برجع تعبانة، بس بشتغل في المشاريع لحد نص الليل. سنتين وأنا بسمع كلامك عن ستات البيوت والكلام الفاضي وأنا ساكته.. ليه؟ عشان كنت فاكراك فاهم، كنت فاكراك عارف قد إيه أنا بعمل كده عشان المستقبل، عشان نبني مع بعض. سكت شوية، وبصيتله نظرة كانت بتتكلم بدالي بس انتَ مقصرتش في حاجة يا سامح.. انتَ بس شفت اللي عايز تشوفه. قفلت عينيك عشان متبصش لقدامي، وعشان تفضل انتَ البطل الوحيد في الفيلم بتاعتك. الفصل السابع ذكريات المساحة اللي اتضاعت وفجأة، المخي بتكلم. الصور بدت تيجي قدامي زي الفيلم القديم. افتكرت الأيام اللي فاتت، افتكرت بداية جوازنا. كنت لسه خريجة جديدة، طموحة، عندي أحلام كبيرة، كنت عايزة اشتغل، عايزة أبني اسمي زي ما هو بيعمل بالظبط. بس الدنيا مشيت كده ولا كده؟ افتله عايزة أقدم في الشركة الفلانية، في قسم التصميم. هو ضحك وقالي ليه التعب ده يا ست هنا؟ انتي مراتي ومكفيكي، شغلي كويس وهنجيب فلوس، خليكي في البيت أحسن، راحة بال وسلامة. وقتها سكتت، قلت يمكن معاه حق، يمكن الست مكانها البيت. وبعدين جه الوقت اللي حسيته فيه الملل، حسيته فيه الفراغ الكبير اللي بياكل في الروح. قلتله سامح، أنا حاسة إني ضايعة، عايزة حاجة أشغل نفسي بيها. قال طيب اشتغلي حاجة في البيت، زي ما الستات بيعملوا، شغل ايد ولا حاجة، عشان تيجي عليكي السهلة ومش تتعبى. ومن هنا بدأت الحكاية. بدأت بخطوة صغيرة، صممت أوضة النوم بتاعتنا غيرت فيها تقريباً كل حاجة، خليتها أوسع، أشرق، غيرت التقسيمة بالكامل. هو معجبش وقال لا إيه الشغل الحلو ده! إيه الهنا دي؟ قلتله أنا اللي صممتها. ضحك وقال ماشي يا ستي، انتي شاطرة في الترتيب والنضافة. كلمة شاطرة في الترتيب هي اللي حطتني في الصندوق. من ساعتها وهو شايف أي حاجة بعملها مجرد ترتيب ونضافة وشغل ستات بيت. مشفتش الجهد اللي ورا الرسم، مشافش القراية اللي قريتها، مشافش الكورسات اللي خدتها وأنا نايمة في النص، مشافش المشاريع اللي بدأت تيجي من صحاب صحابي، وبعدين من ناس معرفهمش. افتكرت أول عقد وقعته، كنت طايرة من الفرح، جريت عليه قلتله يا سامح، تصدق عملت أول مشروع كبير وخدت فلوس حلوة! كان قاعد بيتفرج على الماتش، بصلي من غير ما يحرك دماغه وقال مبروك يا ستي، خديهم اشتري بيهم حاجات للبيت ولا عايزة تغيري حاجة. كأن اللي عملته مجرد مصروف جيوب، مش إنجاز! ومن ساعتها قررت.. أسكت، وأخبي، وأكمل في صمت. قلت في نفسي طيب ما انتَ شايفني صغيرة، خليني أثبتلك بالورق والفلوس والمشاريع مش بالكلام. وكنت كل ما يهزر ويقول ست البيت الكويسة، كنت بضحك، ومن جوايا سکين بتدق مسمار في الحائط اللي بينا. الفصل الثامن لما الكرسي بيبقى ضيق في الوقت ده، في الڤيستيال، سامح قعد جنبي على الكنبة، لأول مرة بقالي سنين يقعد جنبي ويلمسني بحنية، مش بأمر، ولا بترتيب، ولا بعلاقة زوجة وزوج مجردة.. قعد كراجل قدام ست خدت حقها. أنا غبي.. قالها بصوت واطي جداً، كأنه بيقولها لنفسه. أنا غبي أوي يا هنا.. كنت أعمى، كنت جاحد، كنت شايف نفسي وبس. بصتله وشفت دموع في عينيه، دموع راجل مش بيعرف يبكي بسهولة. عارفة لما مدام إلهام كلمتني؟ قالتلي جملة مش هنساها طول عمري.. قالتلي يا سامح بيه، القائد الحقيقي مش اللي بيخلي الناس تخاف منه، ولا اللي بيظهر نفسه قدام مراته.. القائد الحقيقي اللي يعرف يطلع الكنوز اللي حواليه ويوراها للناس. مراتك كنز، وانتَ كنت مخبيه تحت السجادة. كرر كلمة تحت السجادة وضړب كف في كف والله هي معاها حق.. كل حاجة جميلة فيكي كنت بشيلها وأدوس عليها تحت سجادة غروري وجهلي. المشكلة يا سامح.. قاطعته بهدوء إن مش أنا اللي خسرانة.. انتَ اللي كنت خسران نفسك. لما كنت بتقلل مني، كنت بتقلل من اختيارك، كنت بتقلل من البيت اللي انتَ عايش فيه، كنت بتقلل من نفسك اللي مربيا ست بالشكل ده. بس النهاردة.. النهاردة شفتك بعين تانية خالص. مسك إيدي وقلبها بين ايديه الحارة. لما وقفتي فوق، وتكلمتي، وصوتك واصل لكل حتة.. حسيت برهبة.. حسيت إني واقف قدام ست كبيرة أوي، مش مجرد مراتي. أنا كنت دايماً كبيرة يا سامح.. بس انتَ كنت شايفني من تحت لتحت. الفصل التاسع لما الناس بتشوف فجأة انفتح باب القاعة الرئيسية، وبدأ ناس تطلع، اللي عايزين ياخدوا نفس، واللي عايزين يتكلموا. وكل ما حد بيشوفنا، بيبصلي نظرة مختلفة. نظرة احترام، نظرة تقدير، نظرة إعجاب. واحد من المديرين الكبار في الشركة، اللي طول عمري سامح بيقول عليا ده كبير أوي ومش بيتكلم غير في الشغل، جه عليا مبتسم، مد إيده وسلم عليا بحرارة شديدة. مبروك يا أستاذة هنا.. بجد كلامك كان درس النهاردة. إحنا كنا ناقصينا حد يفكرنا إن ورا كل راجل ناجح ست مش بس بتطبخ وتنضف، لا.. ست بتفكر، بتخطط، وبتبني. بص لسامح وقاله ربنا يخليهالك يا سامح بيه، ست بمليون راجل. سامح هز راسه وقال بصوت عالي وواضح أيوه والله.. هي بمليون راجل، وأنا اللي كنت غبي ومشفتش ده غير النهاردة. والله العظيم الكلمة دي لما طلعت من تمه، حست بفرقعة سمعتها في ودني.. حاسة إن كل الچروح اللي كانت في قلبي من سنين بدأت تتقفل ساعتها. وبعدين جه ناس تانية، ستات كتير، متجوزات ومش متجوزات، جوايا يقولوا كلام، يقولولي إنهم حاسين بيا، إن كلامي حرك فيهم حاجة نائمة. واحدة منهم قالتلي أنا كمان عندي شغل، وبخبيه عن جوزي عشان مش عايزة مشاكل، زيكي بالظبط. قلتلها لا ياحبيبتي، متخبيش.. خليكي قدامه، خليكي عالية، لإن حقك مش هيروح غير لما تاخديه بنفسك. المكان كله اتحول لحالة من النقاش والحوار، وأنا كنت في النص، مش مرات سامح لا.. كنت أستاذة هنا، كنت الشخصية اللي الكل بيتكلم عنها. وشفت سامح بعيني، وقف وشد كرسي وحطاه ورايا عشان أقعد، قدملي المية بيديه، حركات بسيطة بس كانت معناها كبير أوي.. معناها إنه بيحاول يصلح اللي اتكسر، بيحاول يرسم المساحة من تاني بس المرة دي بمقياس صحيح.