سلفتي اماني السيد
ـ اتجننت عشان شفت الحقيقة يا دعاء.. عقبالك لما تشوفي “نفسك” اللي أنتي عارضاها دي هتوصلك لفين.
طلعت من البيت، ورميت ورايا سنين من الصبر والوجع. وأول ما طلعت للشارع، حسيت بهوا نضيف، لأول مرة من سنين.. الدنيا بدأت تبان قدامي واضحة، مش ضبابية زي ما هو كان راسمها لي.
ركبت التاكسي وأنا بمسح دموعي اللي نزلت غصب عني، بس مش دموع ضعف.. دي دموع بداية جديدة، بعيد عن بيت فيه “سلفتي” بتلعب، و”جوزي” بيتفرج
طول الطريق في التاكسي، كنت ضامة ولادي لحضني، وهما ساكتين من الخضة. عيونهم كانت مليانة أسئلة، بس نظرة الوجع والقوة اللي في عيني خلتهم ميتكلموش. نزلت دموعي السخنة، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع غسيل لكل القهر والظلم اللي عشته وسط العيلة دي. مسحت وشي بكبرياء وأنا ببص من الشباك، وبقول لنفسي: “خلاص يا مريم.. اللي فات كوم، واللي جاي كوم تاني خالص”.
وصلت بيت أهلي، وأول ما أمي فتحت الباب وشافت الشنط والولاد، شهقت وحطت إيدها على صدرها:
ـ يا نهار أبيض! في إيه يا مريم؟ جرى إيه يا بنتي؟ إنتي اتخانقتي مع أبو مالك؟
دخلت الشنط وقفلت الباب ورايا، وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. قعدت على الكنبة وأنا بتنفس بصعوبة، وحكيت لأمي وأخويا كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم.. من أول كاشات السلم، لحد مقارنات القعدة، والكلمة السم اللي قالها لي في الشقة، وفضحتهم على السلم.
أخويا وقّف عروق دماغه برزت من الغضب، وقام وقف وزعق:
ـ نعم؟! هو فاكر نفسه إيه؟ وإلا السنيورة سلفتك دي فاكرة البيت سايب؟ ده أنا هروح أطيّن عيشتهم وأعرفه يعني إيه يقل بأصله مع الوليّة اللي صاينة بيته!
أمي مسكته وهي بتبكي وبتهديه:
ـ اهدى يا ابني عشان خاطر الولاد.. حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم، البت ميت جوزها وبدل ما تراعي ربنا في غيبته، بتلف على أخوه؟ وهو الخايب بيمشي وراها! بس الطلاق مش سهل يا مريم، فكري في عيالك.
بصيت لأمي بمنتهى الحسم وقولت:
ـ العيال دول يا أمي مش هيتربوا في بيت أبوهم بيبص فيه لمرات أخوه الميت، ويتخيل جسمها! العيال دول لازم يشوفوا أمهم برأس مرفوعة، ومش هكسر كرامتي عشان “لقمة” أو “حيطة” تلمنا مع ناس معندهاش ريحة الدم.
تاني يوم، تليفوني متبطّلش رن.
أبو مالك رن فوق العشرين مرة، ومردتش. وبعدها لقيت حماتي بتتصل، قولت أرد عشان أعرف آخرهم إيه. أول ما فتحت الخط، لقيت صوتها جاي حنين ومتبدل تماماً، ولا كأنها كانت بتشتم فيا على السلم إمبارح: