ابني القاسي ج٢ علي ابو الدهب
جلستُ على طاولة السفرة، وكان الهدوء الذي يحيط بي يربك خالد أكثر من صراخي. ميرفت كانت تقف في الزاوية، تتصفح هاتفها بعصبية، محاولةً التظاهر بأن شيئاً لم يحدث، بينما كان صوت أنفاس خالد المتسارعة يملأ المكان.
قال خالد وهو يقترب مني بخطوات ثقيلة: “عارفة يا أمي؟ أنا فعلاً كنت فاكر إنك كبرتي وخرفتي، لدرجة إني بدأت أصدق كذبتي بنفسي. بس اللي عملتيه النهاردة.. الحركة اللي عملتيها دي، حسستني إني برجع عيل صغير تاني، خايف من نظرة عينك.”
ابتسمتُ ببرود، وأنا أضغط بقطعة الثلج على يدي المتورمة: “الخوف يا خالد مش بييجي من القوة العضلية، بييجي لما الشخص بيحس إن اللي قدامه عارف كل أوراقه المحروقة. وأنا قارية أوراقك يا خالد.. من أول التزوير لحد حساباتك اللي بتنقل فيها فلوسي.”
في تلك اللحظة، رن جرس الباب.
تصلب خالد في مكانه، ونظر لميرفت بذعر. لم يكن من المفترض أن يزورنا أحد في هذا الوقت المتأخر. نهضتُ ببطء، وكأنني لا أشعر بأي ألم، وفتحت الباب.
كان المحامي الخاص بي، الأستاذ “مراد”، ومعه موظف من الشهر العقاري.
دخل مراد وألقى التحية بهدوء، ثم أخرج حقيبة جلدية ووضعها على الطاولة أمام خالد.
“إيه ده؟” سأل خالد وصوته يرتجف.
قلتُ وأنا أستند إلى الكرسي: “دي نهاية اللعبة يا خالد. كل اللي كنت بتخطط له، من تزوير توكيلات لسرقة أملاكي، متسجل بالصوت والصورة، وموثق بمستندات من البنك اللي كنت بتسحب منه.”
فتح مراد الملف، وبدأ يقرأ الأوراق. كانت مذكرة رسمية بطلب “إخلاء عقار” وفضيحة قانونية ستنهي حياة خالد المهنية للأبد.
ميرفت صرخت: “أنتِ أكيد بتهزري! ده بيتك، وإحنا ابنك ومرات ابنك!”
نظرتُ إليها، وكنت للمرة الأولى أرى حقيقتها العارية: “لا أنتِ مراتي، ولا هو ابني اللي ربيته. اللي يمد إيده على أمه عشان خاطر قرشين، أو عشان يرميها في دار مسنين عشان يمتلك شقة، ميبقاش ابني. ميرفت، اجمعي هدومك إنتي وخالد. قدامكم ساعة واحدة، وإلا الشرطة اللي كانت هنا الصبح، هترجع تاخدكم بتهمة التزوير والنصب.”
حاول خالد أن يرفع صوته، أن يهدد، أن يمثل دور الضحية مرة أخرى، لكنني رفعت هاتفي الذي كان يسجل كل كلمة يقولها، وأشرتُ إلى الكاميرات التي كانت تملأ زوايا السقف.
“ساعة واحدة بس يا خالد، وتخرجوا من حياتي ومن بيتي.”