ابنك

—ابنك يقدر يحتفل في يوم تاني… النهارده يوم ليلى.

هذا ما قالته لي ندى، وكأنها تتحدث عن تغيير نكهة التورتة، وليس عن محو ابنّي من عيد ميلاده.

اسمي كريم، أعمل مصمم جرافيك في القاهرة، ومنذ شهور كنت أجمع المال لأصنع لابني يوسف عيد ميلاد لا يُنسى. لم يكن عيدًا عاديًا، بل كان عيد ميلاده الثامن، الأول بعد انفصالي عن والدته. كنت أريد، رغم أن الحياة انقسمت، أن يشعر ابني أن له مكانًا آمنًا في هذا العالم.

دفعت ما يقارب خمسين ألف جنيه لحجز قاعة أطفال في مدينة نصر. كانت التجربة كاملة: ديكورات، منظمين، طاولة حلويات، ألعاب علمية، تجارب رغوة، نظارات مختبر، وحتى دخول خاص للأطفال ببطاقات مكتوب عليها “علماء صغار”. يوسف كان متحمسًا لأسابيع. ينام وهو يحتضن كتيب القاعة، ويسألني كل ليلة إن كانت حقًا ستحدث تجارب الانفجارات الملونة.

أنا صممت الدعوات بنفسي: صواريخ، روبوتات، أنابيب اختبار، وحروف معدنية. وفي الأعلى كتبنا:

“مختبر يوسف: الدخول للمخترعين الشجعان فقط”.

لكن عندما وصلنا إلى القاعة، أول شيء رأيته كان لافتة ضخمة باللون الوردي والذهبي، مليئة باللمعان:

“عيد ميلاد سعيد ليلى”.

تجمدت في مكاني.

الطاولة الرئيسية كانت مليئة باليونيكورن والزهور السكرية والبالونات الهادئة وأكياس الهدايا باسم ابنة ندى. التورتة كانت من ثلاث طبقات وتعلوها تاج. الأطفال يركضون في كل مكان، والأمهات يلتقطن الصور، وندى تقف بجانب الطاولة مبتسمة وكأن شيئًا لم يحدث.

شدّني يوسف من طرف قميصي.

—بابا… ليه مكتوب ليلى؟

شعرت أن شيئًا انكسر بداخلي.

اقتربت من ندى دون أن أرفع صوتي.

—إيه اللي عملتيه ده؟

تنهدت بضيق.

—كريم، بلاش دراما. ليلى كانت نفسها في الحفلة دي من زمان، وحماسها زاد.

—دي كانت حفلة يوسف.

—يوسف هادي وطيب، وهيفهم. وبعدين تقدر تعمل له حفلة تانية السنة الجاية.

كان يوسف يسمع كل شيء.

خفض رأسه وتمتم بصوت خافت:

—عادي يا بابا… مفيش مشكلة.

وهنا كان الأسوأ.

لأنها لم تكن “عادي”. كان ابني يتعلم كيف يصغر نفسه حتى لا يزعج الكبار.

لم أمزق اللافتة، ولم أتشاجر أمام الناس. فقط انحنيت، أمسكت يد يوسف وقلت:

—يلا يا بطل.

ضحكت ندى بسخرية:

—بلاش تصرفاتك دي يا كريم، في ناس موجودة.

نظرت لها مرة واحدة وقلت:

—بالظبط… وكلهم شايفين إزاي سرقتي فرحة طفل.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *