كارت مراد الاسيوطي ج٢ شروق خالد

أنا اسمي والتر، بس في منطقتنا هنا في مصر الكل بيقول لي يا عم فاروق. أنا عايش في نفس البيت اللي بنيته أنا والمرحومة مراتي “ميرفت” لما كنا لسه شباب في أول طريقنا بنعافر، أيام ما كنا فاكرين إن العمر لسه طويل ومضمون.

ميرفت ماتت من تسع سنين.

ومن بعد وفاتها، مابقاش ليا في الدنيا غير ابني “باسم”.

ويمكن دي الغلطة اللي أنا غلطتها في حق نفسي… إني حبّيته بزيادة لدرجة إن عيني اتعمت عن حقيقته.

باسم عنده 36 سنة، مكملش تعليمه، ولا عنده شغلانة ثابتة، طول الوقت عايش في الأوهام وعنده مشاريع في الهوا، بس مفيش أي التزام يخليه يعمل حاجة بجد. من أربع سنين، جالي وقال لي: “يا بابا، هقعد معاك كام يوم بس لحد ما أقف على رجلي وأظبط دنيتي”.

الكام يوم بقوا شهور… والشهور قلبت سنين.

وبعدها بشوية، جاب مراته “ميار” تعيش معانا. دخلت البيت بشنط سفر ماركات، وريحة برفيوم غالي، ورموش صناعية، وعلى وشها ضحكة متكبرة بتاعة واحدة بتصرف فلوس هي متعبتش فيها أصلاً.

لا كانوا بيدفعوا إيجار، ولا بيشاركوا في فواتير كهربا ولا مياه، ولا بيشيلوا شنطة خضار للبيت، ولا صلحوا حنفية مكسورة حتى!

وأنا كنت بمشي الأمور وبسكت… عشان ابني.

عشان كنت بضحك على نفسي وأقول بكرة يعقل ويبقى الراجل اللي أمه الله يرحمها كانت بتتمنى تشوفه.

يوم السبت الصبح، صحيت بدري عشان أجهز بنفسي أكل عيد ميلادي… أه والله، عيد ميلادي أنا!

طبخت كل حاجة بإيدي؛ فراخ محمرة، ورز، وسلطة، وبطاطس، وجبت تورتة “شيروتس” بالفواكه من المحل اللي ميرفت كانت بتحبه. كنت متخيل إننا هنقعد قعدة هادية، فرصة باسم يقعد معايا، يمكن يقول لي كل سنة وأنت طيب، يمكن يفتكر أمه، أو حتى يفتكر إني لسه عايش وسطهم.

المهم، طلعت ريحت شوية فوق في أوضتي ورحت في النوم.

لما صحيت، سمعت صوت ضحك عالي وزيطة طالعة من تحت… ضحك زيادة عن اللزوم.

نزلت، وأول ما وقفت على باب صالة السفرة اتسمرت في مكاني.

البيت كان مليان؛ أكتر من عشرين بني آدم زاحمين الأوضة! قرايب، وجيران، وأصحاب باسم، وأصحاب ميار… ناس أنا عمري ما شفتهم ولا أعرفهم. قاعدين بياكلوا من الأكل اللي أنا دافع تمنه وطابخه بإيدي، ومحدش فيهم حتى تكرم يصحيني أو يقول لي انزل.

حاولت أبلعها ورسمت ابتسامة على وشي وقلت: “إيه ده، أنتوا بدأتوا من غيري؟”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *