كارت مراد الاسيوطي ج٢ شروق خالد
المنطقة كلها لسه فاكرة اللي حصل، بس نظرة الناس ليا اتغيرت من الشفقة للاحترام؛ بقوا يشوفوني الراجل الطيب اللي عرف ياخد حقه بحكمة ومن غير ما يظلم حد.
في يوم من الأيام، وأنا نازل أصلي العصر في الجامع اللي جنب البيت، لقيت حد بينادي عليا بصوت واطي ومكسور: “يا عم فاروق…”
التفت، وبصيت وميزتش الصوت في الأول. كان واقف قدامي شاب خاسس النص، دقنه طويلة ونابتة، ولابس قميص بسيط وبنطلون قماش عادي جداً، وفي إيده شنطة بلاستيك فيها عيش وفول.
تدققت في وشه… ده باسم!
ملامحه كانت متغيرة تماماً، راحت منها العنججه والمنظرة الكدابة، وعينيه الأرض كانت أقرب ليها من إنه يبص في عيني.
وقفت مكاني وقلت له بهدوء: “أهلاً يا باسم. عامل إيه؟”
قرب مني ودموعه سبقت كلامه: “الحمد لله يا بابا… قصدي يا عم فاروق، زي ما تحب تسمعها. أنا جاي بس أطمن عليك، وبقالي ساعة واقف بره مش قادر أهوب ناحية الباب من كسوفي منك.”
سألته: “شغلك عامل فيه إيه؟ وميار؟”
مسح دموعه بكم قميصه وقال: “ميار سابتني يا بابا بعد الحكم بكام شهر… لما لقت مفيش عربية، ولا فلوس، ولا شقة تمليك، ومبقاش حيلتي غير المرتب الصغير اللي باخده من مكتب المحاماة، طلبت الطلاق وراحت لبيت أهلها. وأنا مأجر أوضة فوق السطوح في المطرية، وبنزل من النجمة عشان ألحق شغلي… الشغل المرة دي بجد، بالقرش الحلال اللي بيطلع بالروح.”
بصيت له ولقيت قلبي بيرق، بس افتكرت إن قسوتي عليه هي اللي عملت منه راجل، ففضلت محافظ على هدوئي.
باسم كمل كلامه وهو بيطلع من جيبه ظرف صغير مقفول ومد إيده بيه ليا: “دول 2000 جنيه يا بابا… عارف إنهم ولا حاجة جنب اللي سرقته وجنب شقاك، وعارف إنك مش محتاجهم. بس دول أول قرش يفيض مني من تعبي وعرقي بعد ما دفعت إيجار الأوضة وجبت أكلي. أنا مش جاي أطلب منك ترجعني البيت، أنا بس جاي أقول لك إني بدأت أفهم… بدأت أعرف إن اللقمة اللي كنت بآكلها من إيدك وتعبك كانت غالية وأنا اللي رخيصة. وبقول لك كل سنة وأنت طيب… عشان عيد ميلادك الـ 71 كمان كام يوم.”
بصيت للظرف، وبصيت لوش ابني اللي بقاله سنة بيدوق شقى الدنيا بجد. في اللحظة دي، حسيت إن ميرفت الله يرحمها بتبتسم لي من فوق. العقاب جاب نتيجته، والولد اللي كان هيمشي في طريق الحرام والسرقة والتكبر، رجع لأصله وبقى بني آدم بيعرف قيمة القرش وقيمة الأب.