دمروا عيد ميلاد بنتي صافي هاني
الضربة اللي مابتقتلش بتقوي، وأنا الضربة دي خلقت مني إنسانة تانية خالص.. إنسانة مابتندمش على اللي فات، ولا بتخاف من اللي جاي.
الحياة دارت، وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي الجديد في الشركة اللي بقيت شريكة فيها، لقيت السكرتيرة بتمضي معايا ورق، وبتقولي بابتسامة: “يا فندم، فيه ملف تقديم لوظيفة محاسب تحت التمرين جالي، وصاحبه برة ومصمم يقابل حضرتك عشان محتاج الشغل ده جداً وضامن إن خبرته القديمة هتشفع له.”
قلت لها: “دخليه.”
الباب اتفتح، ودخل طارق.
أول ما عينه جت في عيني، رجليه وقفت ومبقاش عارف ينطق. الورق اللي في إيده كان بيترعش، وبص للأرض وبص للمكتب الفخم اللي أنا قاعدة وراه، وللافتة اللي مكتوب عليها اسمي كعضو مجلس إدارة.
ملامحه كانت بتقول إنه عاوز الأرض تنشق وتبلعه من الكسوف. جوزي القديم اللي كان فاكر إن خروجي من بيته ليلة عيد الميلاد هيكسرني، واقف قدامي دلوقتي يتمنى إمضاء مني على ورقة تعينه بمرتب لمؤاخذة “على قد الحال”.
فضلت باصة له بهدوء وثبات، مفيش في عيني أي شماتة، بس كان فيه عِبرة الزمن كله.
فتحت الملف بتاعه، وبصيت فيه ثواني، وبعدين قفلته بالراحة وقولتله بنبرة صوت واضحة ومفيهاش أي تردد:
“المؤهلات والخبرة والذمة المالية اللي في السيرة الذاتية دي… متناسبش المعايير والنزاهة اللي شركتنا ماشية بيها يا أستاذ طارق. بالتوفيق في مكان تاني.”
طارق م نطقش ولا كلمة. أخد الملف بتاعه، ولف ضهره وخرج من المكتب وهو بيجر رجليه ودموعه نازلة من كتر القهر والندم.
في اللحظة دي، قفلت درج مكتبي وأنا حاسة بنصر حقيقي ونهائي. القصة اللي بدأت بسكينة غدر في تورتة بمبي، اتقفلت برفض رسمي في ورقة تعيين… والعدالة مكنتش مجرد أحكام محاكم، دي كانت دنيا بتلف وتدور عشان تحط كل واحد في مكانه اللي يستاهله بالملّي.
بعد ما طارق خرج، أخدت نفس طويل وبصيت من شباك مكتبي الإزاز اللي كاشف البلد كلها. حسيت إن الحمل كله انزاح، وإن الدايرة اتقفلت بالملّي ومبقاش فيه أي حكاية ناقصة.
مرت السنين هادية وجميلة، وفريدة كبرت وبقت في الجامعة، ماليّة عليا الدنيا بضحكتها ونجاحها. وفضلنا أنا وهي سند لبعض، عايشين في خير وسلام بعيد عن أي غل أو ناس مريضة.
وفي يوم جمعة، كنا قاعدين بنفطر أنا وهي في بلكونة بيتنا، والهوا كان يرد الروح. فريدة بصت لي وقالتلي بابتسامة: “ماما.. أنا فخورة بيكي أوي، وفخورة باللي وصلتيله والعيشة اللي عيشتيهالي.”