العزومه الاخيره شورق خالد
أنا اللي دفعت تمن كل حاجة في عزومة الغدا دي، عشان كنت عايزة هدنة.
مش مستنية منهم يسامحوني، ولا مستنية معجزة. كل اللي كنت عاوزاه شوية هدوء، يوم واحد تعدي فيه “فريدة” بنتي اللي عندها ست سنين، وتأكل حتة ديك رومي جنب ناس من دمها، من غير ما تكش وتترعب كل ما حد ينطق اسمها.
أمي، “فادية”، بقالها شهور بتقولي إني حساسة زيادة عن اللزوم. كانت بتقول إن فريدة محتاجة تتربى، وإن البنت اللي بتكبر من غير أب في البيت هتبوظ وتتدلع، ولازم حد ينشفها من بدري. وكل كلمة سم كانت بتقولها، كانت بتغلفها بنفس الحجة المستفزة: “أنا مابجاملش، أنا بقول الحقيقة”.
الدنيا كانت مخنوقة معايا مادياً بعد ما انفصلت عن “كريم”. كنت باخد شفتات زيادة في الشغل، وبفوت وجبات، وبتظاهر إن مجموع حساب السوبر ماركت مش بيلوي بطني من الهم. بس رغم كل ده، نزلت اشتريت كل حاجة لعزومة الغدا. الديك الرومي، البطاطس، الصواني، وحتى قزازة العصير الغالية اللي أمي بتحبها، واللي كانت دايماً تعيب عليها بس تخلصها لآخر نقطة.
فريدة كانت بتساعدني وهي فرحانة وتنقّل معايا الأطباق المتغطية بورق الفويل لحد العربية. كانت حاطة تحت دراعها رسمة ديك رومي ملون عاملاه في المدرسة، وريشه الورق متني من زحمة العربية. تفتفت في ودني وقالتلي: “تفتكري يا ماما تيتة هتعجبها الرسمة؟”
كذبت عليها وقلتلها: “أكيد يا حبيبتي هتعجبها”.
فتحت فادية الباب وبصت من فوق نضارتها على الحلل والصواني اللي في إيدي. ما خدتش فريدة في حضنها، ولا حتى قالتلها كل سنة وأنتِ
طيبة. أول كلمة نطقتها كانت: “خدي بالك من إيديكي.. إياكِ تلمسي الأطباق النضيفة”.
فريدة سحبت صوابعها بسرعة كأن الأطباق دي مكهربة.
أختي، “كارما”، كانت قاعدة في المطبخ، بتضحك على حاجة في موبايلها. بصت لفريدة نفس البصة اللي الواحد بيبصها لبقعة على السجادة، وبعدين ابتسمتلي وقالت: “جبتي أكل يكفي صح؟ ماما قالتلي إنك صممتي تشيلي العزومة كلها لوحدك”.
بلعت الإهانة وسكتت، ورصيت الأطباق.
ولمدة ساعة كاملة، ضحكت على نفسي وصدقت إن الأمور ماشية تمام. السفرة كان شكلها يفتح النفس، الشموع منورة، وصوت الشوك والسكاكين مالي المكان. أمي دعت قبل الأكل بصوت حنين وناعم يغش أي حد غريب. فريدة كانت قاعدة في آخر السفرة، رجليها الصغيرين بيتمرجحوا في الهوا، ومبتسمة لطبق الرز اللي قدامها لأني كنت عاملاهالها على شكل جبل صغير وحواليه صلصة.
وفجأة، عيون فادية جت على الرسمة الورق اللي فريدة حطاها جنب طبقها.
وشها اتشنج.
زعقت وقالت: “قومي من هنا”.
فريدة بربشت بعينيها ومش فاهمة: “يا تيتة أنا قاعدة باكل”.
“الكرسي ده بتاع الكبار”.
كنت لسه هفتح بوقي وأقول إن فريدة قاعدة في حالها ومش مضايقة حد، بس أمي كانت قامت خلاص. وشها اتقلب وبقى مرعب، كأن عيلة عندها ست سنين أهانتها لمجرد إنها موجودة في الدنيا.
إيدها اتمدت بسرعة غريبة.
مسكت فريدة من دراعها ونترتها جامد.
الكرسي اتهبد في الأرض بصوت قوي هز الأوضة. رجل فريدة الصغيرة اتعبلت في رجل الكرسي، وجسمها كله اتقلب لورا. وأمي بتصرخ في وشها: “قومي! الكرسي ده مش للمقاطيع اللي عايشين عالة علينا!”
ملحقتش حتى أمد إيدي وألحقها.
فريدة وقعت على أرض الخشب بهبدة هيفضل صوتها يرن في ودني لحد ما أموت. راسها من ورا خبطت الأول. عينيها غيبت لثانية، وراحت مقلوبة لفوق. صوابعها اتفتت، والرسمة الورق طارت من إيدها واستخبت تحت السفرة.
لمدة نص ثانية، الزمن وقف وكلنا اتجمدنا في مكاننا.
بعدها شفشق الشوربة أفلت من إيدي واتشظى ميت حتة على الأرض.
رميت نفسي على ركبي، وبقيت أصرخ باسم فريدة، بشيل شعرها من على وشها، مستنياها تعيط، مستنياها تفتح عينيها، مستنية أي إشارة تقول إن الدنيا متهدمتش فوق دماغي تحت نجفة الصالون بتاعة أمي.
كارما وقفت وهي لاهية ومقروصة من النكد.
قالت ببرود: “بس بقى يا فريدة بلاش تمثيل.. بوظتي القعدة”.
فريدة ماحركتش صباع.
ضغطت على إيدها الصغيره، لقيتها سايبة خالص في إيدي. نفس الصدر كان بيطلع وينزل بصعوبة، كأن جسمها نسي إزاي يتنفس. صرخت فيهم بأعلى صوتي عشان حد يطلب الإسعاف.
فادية كانت واقفة تبص علينا، وشها محمر وعينها مليانة عناد: “هي كويسة، طول عمرها بتدلع وتعمل حوارات”.
إيدي كانت بترتعش لدرجة إني طلبت النجدة غلط مرتين. لما ردوا عليا، صوتي كان طالع حتت مكسرة. دليتهم على العنوان، قلتلهم بنتي وقعت، مش راضية تفوق، قلتلهم أمي زقتها.
هنا بس، فادية اتحركت.
مش ناحية فريدة.
ناحية أنا.
فحت في وشي وهي بتوشوش بغل: “إياكِ تنطقي بالكلمة دي تاني”.
أنوار الإسعاف الحمرا والبيضا غطت الشبابيك. رجال الإسعاف زقوا أمي ودخلوا، وهي عمالة تعيد وتزيد إنها كانت حادثة، وإن العيال كلها بتقع، وإني واحدة مجنونة ومهولة. كارما كانت واقفة جنب الحوض بتكتب على الموبايل بسرعة بصوابعها الاتنين، كأن الزهق هو المصيبة الوحيدة اللي في الأوضة.
في المستشفى، الدكتور اللي عينه مليانة تعب قالي إن فريدة عندها نزيف وتورم جامد في المخ. قالي إنهم بيعملوا كل اللي يقدروا عليه. بعد كام ساعة، رجع تاني، بس بصوت هادي وخافت.. الصوت اللي الدكاترة بيتكلموا بيه لما الأمل بيمشي من الأوضة.
قالي مفيش أمل.
سمعت صوت صريخ عالي، وبعيدن استوعبت إن الصوت ده خارج من حنجرتي أنا.
على نص الليل، فريدة كانت غرقانة وسط الأجهزة، إيدها الصغيرة تحت إيدي، ورسمة الديك الورق متنية في جيب بالطويا. كلمت كريم، جِري بالعربية طول الليل ووصل مكسور ميت حتة. قعدنا احنا الاتنين كل واحد على ناحية من السرير، ما بقيناش زوج وزوجة، بقينا مجرد أب وأم بيبصوا لنفس الفراغ المرعب اللي مش هيروح.
أمي ما جتش.
كارما بعتتلي رسالة واحدة: “ماما بتقول إنك مأفورة، وعايزة تعملي فضيحة وتتلمي علينا الناس”.
في اللحظة دي، في حاجة جوايا ماتت وسكتت خالص.
تاني يوم الصبح، خدت عربيتي ورجعت بيت فادية لوحدي. الصالون كان نضيف ومتظبط، شفشق الشوربة المكسور ملوش أثر، الكرسي رجع مكانه، وفي حد سحق الأرض كويس ومسح مكان ما راس بنتي خبطت.
بس نسوا حاجة واحدة.
الرسمة الورق بتاعة فريدة كانت لسه تحت السفرة، في ريشة برتقاني صغيرة باينة من داري الضل.
وطيت وخدتها، وحطيتها في نص سفرة فادية المترتبة على الفرازة، وبعدين فتحت الدوسيه اللي كنت شايلاه في إيدي.