الراجل الى جانبي في القطر
كل الكراسي كانت مشغولة، والممر مليان شنط، والناس بتحاول ترتب أماكنها قبل ما القطر يتحرك.
الراجل اللي قعد جنبي كان في أواخر التلاتينات تقريبًا، لابس بنطلون غامق وقميص فاتح، ومعاه شنطة ظهر كبيرة.
من أول ما قعد، كان بيتكلم في موبايله بصوت عالي، وبيشتكي من الشغل ومن الناس ومن الحر، وأنا كنت بحاول أتجاهله.
بعد حوالي عشرين دقيقة، التكييف وقف.
في البداية، محدش اهتم أوي، لأننا كنا لسه خارجين من المحطة والناس افتكرت إنه هيرجع يشتغل.
لكن الحرارة زادت، والعرق بدأ يظهر على وشوش الركاب.
واحد نادى الكمسري، وست كبيرة طلعت مروحة من شنطتها، وشاب فتح إزازة ميه وبدأ يوزع منها على ولاده.
وفي وسط كل
بصيت الناحية التانية علشان أتجنب الإحراج.
لكن بعد شوية، دراعه لمس دراعي.
اتحركت ناحية الشباك.
بعدها جسمه مال عليّا.
طلبت منه يبعد.
ضحك.
طلبت منه تاني.
استهزأ بيا.
ولما قلت له إني مش قادرة أتحرك أكتر، رد بمنتهى البرود
أمال أعملك إيه؟ أقعد بره القطر؟
الجملة دي بالذات خلتني أفهم إن الكلام معاه مش هينفع.
كان عارف إنه بيضايقني، وعارف إني مش مرتاحة، ومع ذلك اختار إنه يحول الموضوع لخناقة ويخليني أنا اللي أبان إني مكبرة المسألة.
فبطلت كلام.
مديت إيدي لشنطتي الصغيرة، وطلعت منها موبايلي.
فتحت الكاميرا الأمامية كأني براجع حاجة في وشي، لكن الحقيقة إني كنت ببص على انعكاس اللي بيحصل ورايا، وبسجل ملاحظات سريعة على الموبايل.
كنت محتاجة أتصرف بعقل، مش بانفعال.
أنا مش من النوع اللي بيحب المشاكل، لكن في نفس الوقت مش من النوع اللي بيسمح لحد يتجاوز حدوده لمجرد إنه شايف إن الظروف في صالحه.
وفي اللحظة دي، لاحظت حاجة مهمة جدًا.
الراجل كان كل شوية يبص على شنطته، وبعدها يبص للموبايل اللي في إيدي، وكأنه خاېف من حاجة معينة.
ما فهمتش السبب وقتها.
لكن قررت أحتفظ بالملاحظة دي في دماغي.
وبعد ما ضغط عليّا بجسمه للمرة التالتة، بدأت خطتي.
نرجع للحظة اللي كان فيها واقف قدامي وبيترجاني.
الناس بدأت تسأله أسئلة كتير.
إنت عملت لها إيه؟
هي عملت فيك إيه؟
هو في إيه أصلًا؟
لكنه ما كانش بيرد على حد.
كان مركز معايا أنا بس.
قرب شوية، وبص ناحية موبايلي، وبعدها همس
أنا هعتذرلك. والله هعتذرلك. بس بلاش تفضحيني.
سألته
أفضحك بإيه؟
بلع ريقه، وبص حواليه.
إنتِ عارفة.
هزيت راسي وقلت
لأ، أنا عايزة أسمعك إنت بتقول إيه.
الراجل الكبير اللي كان واقف جنبه تدخل
يا ابني، لو غلطت في حقها اعتذر وانتهى الموضوع. إيه اللي مخوفك بالشكل ده؟
الراجل رد بعصبية
يا عمي، الموضوع مش زي ما إنت فاهم!
قلت له
طيب، وضح لنا الموضوع زي ما هو.
سكت.
وفي اللحظة دي، موبايله رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه أكتر.
رفض المكالمة بسرعة، لكن الموبايل رن تاني.
واحد من الركاب قال له
رد يا ابني، يمكن حاجة مهمة.
الراجل صړخ
قلت مش هرد!
الصوت العالي زود الشكوك حواليه.
أما أنا، فكنت عارفة إن الوقت جه إني أوضح جزء من اللي حصل.
رفعت موبايلي قدام الناس وقلت
أنا من أول ما قعدت هنا، طلبت منه أكتر من مرة إنه يحافظ على المسافة بيننا. هو رفض، وضحك، وفضل يضايقني. ولما قررت أتصرف، لقيته فجأة خاېف بالشكل ده.
الراجل هز راسه پعنف.
لأ! لأ، مش ده السبب!
بصيتله مباشرة.
أمال إيه السبب؟
فتح بقه علشان يتكلم، لكنه ما طلعش منه صوت.
الست اللي كانت قاعدة قدامي قالت
يا بنتي، إنتِ عملتِ إيه؟ إحنا كلنا عايزين نفهم.
أخدت نفس عميق.
أنا ما عملتش فيه حاجة. أنا بس بدأت أتصرف بطريقة تخليه يبطل يتعامل معايا كأني مش من حقي أرفض تصرفاته.
الراجل حط إيده على راسه.
يا نهار أسود!
وهنا، بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد راجل اتضايق من موقف محرج.
كان فيه شيء آخر بېخاف ينكشف.
في اللحظة دي، ظهر الكمسري عند باب العربية، بعد ما سمع الزعيق.
كان معاه عامل من طاقم القطار، والاتنين حاولوا يفهموا سبب التجمع.
الكمسري سأل
في إيه يا جماعة؟ مين اللي بيزعق؟
الراجل رد بسرعة
مفيش حاجة يا أستاذ، سوء تفاهم.
لكن الست اللي قدامي أشارت لي وقالت
البنت دي كانت قاعدة في مكانها، وهو فضل يضايقها، ولما اعترضت عليه بدأ يزعق ويترجاها من غير ما نفهم السبب.
الكمسري بصلي.
حضرتك، ممكن تحكي لي اللي حصل؟
حكيت له من أول ما التكييف وقف، لحد ما الراجل بدأ يتعمد يضغط عليّا رغم إني طلبت منه يبعد.
حصل.
قلت الحقيقة زي ما هي.
الكمسري الټفت للراجل.
الكلام ده حصل؟
رد بعصبية
هي بتبالغ! أنا ما عملتش حاجة!
الكمسري سأله
طيب، إيه اللي خلاك تصرخ وتترجاها بالشكل ده؟
الراجل سكت.
بعدين بصلي وقال بصوت واطي
أرجوكي، كفاية بقى.
الكمسري لاحظ إنه مش طبيعي، فقال له
لو عندك مشكلة، اتكلم بوضوح. إنما مش هينفع تعطل الناس بالصوت العالي ده.
في اللحظة دي، الراجل مد إيده ناحية موبايلي.
هاتِ الموبايل ده!
رجعت إيدي فورًا وقلت بصوت عالي
إنت بتعمل إيه؟