بعد ٢١ سنه
فيها.
موضوع إيه؟
عمتي بصت لأمي، كأنها بتديها فرصة أخيرة تتكلم بنفسها.
لكن أمي ما قدرتش.
فقالت عمتي
أمك دخلت المستشفى وهي في حالة صحية صعبة، وكان فيه احتمال إنها ما تقدرش تخلف تاني. والدكتور نصحها تستنى قبل ما تفكر في أي حمل جديد. لكن بعد ما ولدتِ إنتِ، حصلت مضاعفات، وكانت خايفة جدًا إنها تخسرك.
سكتت لحظة، وبعدين كمّلت
لما خرجت من المستشفى، كانت محتاجة وقت طويل عشان تتعافى. ومحمود كان خايف من المصاريف والمسؤولية، وكان عنده وقتها مشاكل كبيرة في شغله. بدل ما يواجهوا خوفهم، بدأوا يكرروا كلام عن إنهم مش عارفين إذا كنتِ بنتهم فعلًا ولا لأ.
بصيت لأمي.
يعني إنتِ كنتِ خايفة عليّا؟
أمي هزت راسها وهي بتعيط.
كنت خايفة من كل حاجة يا بنتي. كنت خايفة أموت، وخايفة أبوكي يخسر شغله، وخايفة ما نعرفش نربّيكي. لكن والله ما كنتش أقصد أوجعك.
سألتها
ولما كبرت، وبقيت أقول لكم إن الكلام ده بيوجعني؟ ليه ما بطلتوش؟
ما لقيتش إجابة.
لأن مفيش إجابة تقدر تبرر 21 سنة من الإهانة.
لكن كان لسه فيه سؤال أهم.
هل كنت فعلًا بنتهم؟
بصيت للورقة اللي في إيد عمتي.
لقيت رقم ملف المستشفى، وتاريخ الولادة، وتوقيع الطبيب اللي أكد إن بياناتي سليمة.
لكن عمتي قالت حاجة خلتني أستغرب.
فيه نسخة تانية من الملف، ودي اتعملت بعد سنين، لما ريبيكا احتاجت تستخرج أوراق قديمة للتقديم على منحة فنية. محمود كان عارف إنك شوفتي جزءًا من الأوراق دي، وخاف إنك تكتشفي إن موضوع المستشفى كله كان كدبة.
بصيت لأبويا.
إنت كنت عارف إن مفيش تبديل أطفال من البداية؟
أخيرًا اتكلم.
أيوه.
كلمة واحدة.
لكنها كانت كفاية تهدّ كل حاجة.
الحقيقة اللي كانت أصعب من أي كدبة
أبويا مسك الميكروفون، وقال إنه مش عايز حد يفهم الموضوع غلط.
بدأ يحكي عن الضغوط اللي عاشها وقت ولادتي، وعن شغله اللي كان مهدد بالإفلاس، وعن خوفه من إنه ما يعرفش يوفر لنا حياة كويسة.
وقال إنه كان بيهزر عشان يخفف التوتر.
لكن وأنا بسمعه، افتكرت كل مرة كنت بطلب منه يشوف رسوماتي.
كل مرة كان بيقارنني بكريم ومريم.
كل مرة كان بيقول لي إن الفن مش شغل، وإن نجاحي مش مهم، وإن المفروض أبطل حساسية.
وفي الآخر، رفعت الميكروفون وقلت
أنا مش بلومك عشان كنت خايف يا بابا. كل الناس بتخاف. أنا بلومك لأنك اخترت إنك تخلي خوفك مبرر لإهانتي.
سكتت القاعة.
كنت ممكن تقول لي إنك خايف. كنت ممكن تعترف إنك غلطت. كنت ممكن حتى تقول لي إنك مش فاهمني. لكنك فضلت تضحك عليّا، ولما طلبت منك تبطل، اتهمتني إني بحاول أفسد فرحتك.
أبويا بص لي، وعينيه مليانة غضب وارتباك.
أنا أبوكي، وفيه حاجات ما ينفعش تتقال قدام الناس.
رديت
وأنا بنتك. وكان فيه حاجات ما ينفعش تتقال ليا طول عمري.
في اللحظة دي، كريم قرب من المنصة.
كان واضح إنه مش عارف يتصرف إزاي.
قال
ريبيكا، إحنا كلنا غلطنا. بس إنتِ كمان كان ممكن تتكلمي معانا بطريقة تانية.
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
أنا اتكلمت معاكم. اتكلمت سنين. إنت بس ما كنتش بتسمع، لأن طول ما أنا ساكتة، كان سهل عليكم تفضلوا زي ما إنتوا.
مريم قربت مني، ودموعها على وشها.
أنا آسفة.
بصيت لها.
كنت بحب أختي، رغم كل حاجة.
لكن الاعتذار في اللحظة دي ما كانش كفاية يمسح سنين من التجاهل.
قلت لها
أنا مصدقاكي إنك آسفة. بس محتاجة وقت عشان أقدر أصدق إن حاجة هتتغير.
هزت راسها، ورجعت مكانها.
أما أمي، فكانت لسه واقفة جنب الترابيزة، بتبص للرسالة القديمة.
وبعدين قالت بصوت مسموع
أنا آسفة يا ريبيكا. أنا كنت أم سيئة ليكي في حاجات كتير.
الجملة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
لأنها كانت أول مرة أسمع فيها أمي تعترف إن فيه حاجة غلط.
لكنها ما كانتش نهاية القصة.
لأن أبويا، بدل ما يعتذر، مد إيده وخطف الرسالة من فوق الترابيزة.
وقال
خلاص! كفاية فضايح. الحفلة انتهت.
لكن قبل ما يمشي، الدكتور فؤاد وقف قدامه وقال
يا محمود، الناس مش هتفتكرك عشان الحفلة اللي عملتها النهارده. هتفتكرك عشان الطريقة اللي عاملت بيها بنتك.
أبويا ساب الميكروفون على الترابيزة، وخرج من القاعة.
وأمي مشيت وراه.
أما أنا، ففضلت واقفة قدام اللوحة.
لأول مرة، كنت شايفة انعكاسي على زجاج الشباك المرسوم.
لكن المرة دي، ما حسّيتش إني بنت مستنية حد يفتح لها الباب.
حسّيت إني أخيرًا عرفت إن الباب ده مش لازم يفضل مقفول على حياتي.
بعد الحفلة بأسبوع جالي اتصال ما كنتش متوقعاه
رجعت أتيليه بتاعي، وقضيت الأيام اللي بعدها في شغل متواصل.
ما رديتش على مكالمات أبويا.
ولا على الرسائل الطويلة اللي أمي كانت بتبعتها لي، مرة تعتذر، ومرة تقول إنها تعبانة، ومرة تطلب مني أرجع البيت عشان ما نضيّعش العيلة.
كنت محتاجة أهدى.
ومحتاجة أفهم إذا كنت عايزة أصلّح العلاقة دي فعلًا، ولا كنت بس خايفة من فكرة إني أبقى لوحدي.
بعد أسبوع، اتصلت بيا عمتي سعاد.
قالت لي إنها عايزة تقابلني في مكان هادي.
اتقابلنا في كافيه صغير قريب من الأتيليه.
أول ما قعدت، طلعت من شنطتها ملفًا بلاستيك فيه أوراق قديمة.
وقالت
فيه حاجة لازم تعرفيها عن اللوحة اللي رسمتيها.
استغربت.
إيه علاقة اللوحة بالموضوع؟
قالت
في حفلة عيد جواز أهلك، كان فيه شخص من الضيوف سألني عنك بعد ما شاف اللوحة. الشخص ده اسمه أستاذ نبيل، وهو صاحب مؤسسة فنية كبيرة بتدعم الفنانين الشباب.
كنت سمعت عن المؤسسة دي قبل كده.
كانت بتعمل معارض كبيرة، وبتمنح فرص تدريب وتمويل للفنانين اللي عندهم مشاريع مميزة.
عمتي كمّلت
هو قال لي إنه شاف شغلك قبل كده في معرض، وإنه كان بيدوّر على فنانة عندها قدرة تحوّل تجاربها الشخصية لأعمال فنية مؤثرة. اللوحة بتاعتك لفتت نظره جدًا.
بصيت لها بعدم تصديق.
هو عايز يشوفني؟
ابتسمت.
هو بالفعل اتصل بيا. وعايزك تقدمي مشروع لمعرض جديد عن معنى الانتماء والعيلة.
لأول مرة من أيام، حسّيت بحاجة شبه الفرحة.
مش لأن حد أخيرًا اعترف إن أهلي غلطانين.
لكن لأن شخصًا غريبًا شاف في شغلي قيمة، من غير ما يحتاج يعرف أنا بنت مين.
قدمت المشروع بعد أسبوعين.
اخترت اسمًا واحدًا للمعرض
مكان برّه الشباك.
كان فيه سلسلة لوحات عن الأطفال اللي بيكبروا وهم حاسين إنهم لازم يثبتوا استحقاقهم للحب، وعن البيوت اللي شكلها من برّه مثالي، لكن جواها ناس مش عارفين يسمعوا بعض.
ما استخدمتش صور أهلي الحقيقية، ولا كشفت أسرارهم للناس.
رسمت مشاعر، مش فضايح.
وبعد شهرين، جالي الرد.
تم قبولي.
مش بس كده، اختاروا لوحتي الأساسية عشان تكون الصورة الرئيسية للمعرض، وعرضوا عليّا عقدًا لمدة سنة لإنتاج سلسلة جديدة.
لما قرأت الإيميل، قعدت على الأرض وعيطت.
لكن المرة دي، ما كنتش بعيط عشان حد رفضني.
كنت بعيط لأني أخيرًا فهمت إن حياتي مش لازم تفضل واقفة على باب بيت أهلي، مستنية منهم تصريح بالدخول.
أبويا حاول يصلّح كل حاجة بالطريقة القديمة
بعد إعلان المعرض، أبويا اتصل بيا.
كان صوته مختلف.
قال إنه شاف الخبر، وإنه فخور بيا، وإنه عايز ييجي الافتتاح.
للحظة، قلبي اتحرك.
جزء صغير جوايا كان لسه نفسه يسمع منه الجملة دي من وأنا طفلة.
لكنني سألته
إنت فخور بيا عشان أنا نجحت، ولا عشان الناس بقت تعرف اسمي؟
سكت.
وبعدين قال
ما ينفعش تفضلي تحاسبيني على كل حاجة حصلت من سنين.
قلت له
أنا مش بحاسبك على الماضي. أنا بس مش عايزة نرجع نتصرف كأن الماضي ما حصلش.
قال إنه مش هيقدر يفهمني لو فضلت أتكلم بالطريقة دي.
وأنه كان بيحاول يقرب مني.
قلت له
أنا مش بمنعك تقرب. أنا بطلب منك تقرب من غير ما تهينني.
قفل المكالمة من غير ما يرد.
وبعدها بيومين، بعت لي رسالة طويلة، فيها كلام عن التضحية والتربية والسنين اللي صرفها علينا.
لكن ما كانش فيها اعتذار واضح عن اللي عمله.
ما رديتش.
أما أمي، فكانت بتحاول تتواصل معايا بطريقة مختلفة.
بعتت لي رسالة قصيرة قالت فيها
أنا عارفة إن كلمة آسفة مش كفاية. مش هضغط عليكي ترجعي. لما تبقي مستعدة، أنا موجودة.
قرأت الرسالة أكتر من مرة.
ولأول مرة، ما حسّيتش إنها بتحاول تخليني أنا المسؤولة عن راحة ضميرها.
ما رديتش فورًا، لكنني احتفظت بالرسالة.
كنت عارفة إن إصلاح أي علاقة محتاج وقت، والأهم إنه محتاج تغيير حقيقي، مش مجرد خوف من كلام الناس.
ليلة افتتاح المعرض حصلت المفاجأة الأخيرة
جاء يوم الافتتاح.
المكان كان مليان ناس، وصحفيين، وفنانين، وأشخاص جايين يشوفوا الأعمال الجديدة.
اللوحات كانت متعلقة في صفوف، وكل واحدة بتحكي حكاية مختلفة.
لكن اللوحة الأساسية كانت في آخر القاعة.
اللوحة نفسها اللي رسمتها لأهلي.
الأربعة قاعدين حوالين الترابيزة.
الشباك الكبير.
والبنت اللي واقفة برّه.
المرة دي، حطيت تحتها بطاقة صغيرة مكتوب عليها
مش كل اللي واقف برّه بيكون مرفوض. ساعات بيكون هو الوحيد اللي قرر يخرج من المكان اللي كان بيوجعه.
كنت بتتكلم مع أستاذ نبيل لما لمحت أمي داخلة القاعة.
كانت لوحدها.
لابسة فستان بسيط، وما كانش معاها