بعد ٢١ سنه

بعد 21 سنة وهما بيقولوا إني مش بنتهم الحقيقية، أبويا كرر نفس الإهانة قدام أكتر من 100 شخص في حفلة عيد جوازهم بس المرة دي، لما شلت القماشة البيضا من على اللوحة اللي رسمتهالهم، محدش قدر يضحك تاني!
اسمي ريبيكا ميلر، وكان عندي 28 سنة لما بطّلت أضحك على الإفيه اللي أهلي بقالهم 21 سنة بيكرروه عليّا.
أول مرة سمعته كان عندي 7 سنين.
كنا متجمعين على الغدا عندنا في البيت في القاهرة، وأبويا واقف جنب الشواية في الجنينة، وأخويا الكبير كريم بيتباهى بكاس بطولة البيسبول اللي كسبها، وأختي الصغيرة مريم بتجري ورا فقاقيع الصابون في الحديقة.
أما أنا، فكنت قاعدة على الأرض، برسم حصان بالطباشير الأزرق.
أبويا بص على الرسمة، وقال قدام كل اللي موجودين
الظاهر إن محدش في العيلة دي بيعرف يرسم حتى خط مستقيم! ساعات بحس إن المستشفى سلّموني البنت الغلط.
كل اللي قاعدين انفجروا في الضحك.
أمي بصّت على إيديا اللي كانت متلوّنة بالأزرق، وقالت وهي بتضحك
ما هو بالهوس اللي عندها ده بالرسم، أكيد حصلت غلطة فعلًا! بس خلاص بقى، عدّى وقت طويل أوي على إننا نرجّعها.
ورجعوا يضحكوا من تاني.
وأنا كمان ضحكت معاهم.
لما يكون عندك 7 سنين، ما بتبقاش فاهم إن ممكن طفل يتعلم يضحك في نفس اللحظة اللي قلبه بيتوجع فيها.
مع مرور السنين، الإفيه ده اتحوّل لتقليد عائلي.
في الأعياد، وأعياد الميلاد، والعزومات اللي أبويا كان بيعزم فيها رجال الأعمال اللي بيتعامل معاهم، وحتى في قعداتنا مع الجيران.
وأحيانًا، كنت أنا اللي بسبقهم وأحكي الإفيه بنفسي، كأني بحاول أثبت لهم إني مش متضايقة.
أبويا كان يربّت على كتفي ويقول
شايفين؟ أهي ريبيكا عارفة تستحمل الهزار! مش زي ناس بتزعل من أقل كلمة.
ولسنين طويلة، كنت فاكرة إن ده معناه إني واحدة منهم وإن دي طريقتهم في التعبير عن حبهم ليا.
لكن كانت فيه حاجات كتير محدش بيتكلم عنها بصراحة.
لما كان عندي 15 سنة، كنت بدوّر في كراتين قديمة في الجراج، ولقيت صندوق فيه رسوماتي من أيام الابتدائي، وكروت كنت عاملاها بإيدي، ولوحات صغيرة بالألوان المائية.
كل ده كان مرمي تحت بطاطين قديمة، كأنه حاجات مالهاش أي قيمة.
وفي المقابل، كان فيه ممر في الدور اللي فوق مليان بصور كريم وهو بيلعب، وميداليات مريم اللي كانت متعلقة في إطارات شيك على الحيطة.
لما كريم قرر يدخل كلية إدارة الأعمال، أبويا بنفسه ساعده يختار الجامعة المناسبة.
ولما مريم كانت محتاجة لبس جديد للبطولات، أو فلوس للاشتراك في التدريبات والسفر، الفلوس كانت بتظهر من غير ما تطلب مرتين.
لكن لما جالي جواب قبولي في مدرسة متخصصة في الفنون، أبويا قرأه ورجّعهولي، وقال بمنتهى البرود
أنا مش هدفع مبلغ وقدره عشان في الآخر تحوّلي هواية لشغلانة.
دخلت المدرسة برضه.
ومن غير مساعدته.
لما وصلت لسن 28 سنة، كنت بقيت رسامة بشتغل في القاهرة ومحافظات تانية. برسم جداريات كبيرة، وبرسم لوحات لكتب الأطفال، وكان عندي أتيليه صغير بإيجار، شبابيكه واسعة بتدخل نور الشمس من أول النهار.
كان عندي زباين، وشغل محجوز قبل معاده بشهور، وفي أوقات كان فيه ناس غريبة تعرف رسوماتي في الشارع قبل ما تعرف اسمي.
كنت بنيت لنفسي حياة أقدر أبص لها بفخر وأقول أنا عملت ده كله بمجهودي.
لكن عيلتي؟
تقريبًا عمرهم ما كانوا موجودين عشان يشوفوا أنا وصلت لإيه.
وأكتر موقف وجعني، كان يوم أول معرض فني كبير ليا.
أنا اللي سلّمت الدعوات لأبويا وأمي وكريم ومريم بنفسي.
كنت متحمسة جدًا، وفضلت أسابيع بجهّز كل تفصيلة، وكل لوحة كنت حاسة إنها جزء من عمري.
ليلة الافتتاح، الساعة كانت تمانية ونص، والناس بدأت تدخل المعرض.
وقفت قدام واحدة من اللوحات اللي قضيت ست أسابيع كاملة برسمها، مستنية أشوف وشوش أهلي وهما داخلين.
لكن بدل ما أشوفهم، وصلتني رسالة من أمي
معلش يا حبيبتي، مريم عندها ماتش النهارده، وإحنا كلنا جينا نشجعها. ابعتي لنا صور للمعرض.
مريم كان عندها 25 سنة، وكانت بتلعب في دوري رياضي للهواة!
بصّيت للموبايل، وبعدها رفعت عيني للوحة اللي تعبت فيها كل المدة دي.
كل اللي قدرت أكتبه كان
ولا يهمك.
الشخص الوحيد من عيلتي اللي حضر كان عمتي سعاد، أخت أبويا الكبيرة.
لفّت المعرض كله بهدوء، وكانت لابسة حلق فيروز جميل، وفي الآخر اشترت أصغر لوحة عندي.
قبل ما تمشي، مسكت إيدي وقالت
يا بنتي، أوعي تقيسي قيمتك بالأماكن اللي الناس بتقرر إنها ما تجيش فيها عشانك. غيابهم مش معناه إنك قليلة.
فضلت جملتها ترن في ودني فترة طويلة.
وبعدها بكام شهر، في عزومة عائلية، أمي أعلنت إنهم هيعملوا حفلة كبيرة بمناسبة مرور 30 سنة على جوازها من أبويا.
حفلة ضخمة، فيها أكتر من 100 مدعو، من قرايب ومعارف وأصحاب شغل أبويا.
كريم هيتولى المصاريف والتنظيم المالي.
مريم هتجهّز فقرات الحفلة.
أما أنا، فكان مطلوب مني أصمّم كروت الدعوة، وأجهّز فيديو فيه صور العيلة على مدار السنين، وكمان أرسم لوحة كبيرة أقدّمها لأبويا وأمي هدية بمناسبة عيد جوازهم.
وافقت.
أيوه، وافقت رغم كل اللي حصل.
لأن جزءًا جوايا، مهما كبر ومهما اتوجع، كان لسه عايز يصدّق إن ممكن في يوم من الأيام أبقى بنتهم فعلًا، مش مجرد البنت اللي اتعودوا يضحكوا عليها.
لكن في يوم، وأنا رايحة بيت أهلي عشان آخد شوية صور قديمة أحطها في الفيديو، شفت حاجة خلتني أقف مكاني.
كانت صورة عائلية احترافية، متصورة عند مصور مشهور.
أبويا وأمي واقفين في النص، لابسين أحسن هدومهم.
كريم واقف على جنب، ومريم على الناحية التانية.
حتى الكلب بتاعهم، برونو، كان موجود في الصورة!
أنا الوحيدة اللي مش موجودة.
فضلت أبص للصورة، وقلّبتها على ضهرها، يمكن ألاقي تاريخ أو أي تفسير.
لكن مفيش حاجة.
تاني يوم الصبح، عدّيت على مكتب أبويا.
وأول ما دخلت، لقيت نفس الصورة معلّقة في مدخل المكتب، جوه برواز كبير، ومتسلّط عليها نور مخصوص عشان كل عميل يدخل يشوفها.
العيلة كلها في الصورة.
إلا أنا.
طلّعت موبايلي وصوّرتها.
وفي الليلة دي، اتصلت بأمي.
ما طلبتش منها فلوس، ولا مساعدة، ولا حتى إنها تدافع عني في أي خلاف.
طلبت منها حاجة واحدة بس.
قلت لها بهدوء
ماما، أرجوكي، يوم الحفلة ما تخليش بابا يحكي حكاية المستشفى دي تاني.
أمي تنهدت بضيق، وقالت
يا ريبيكا، إنتِ عارفة إنه مش قصده يضايقك.
رديت عليها
أنا مش بتكلم عن هو قصده إيه. أنا بقولك إن الكلام ده بيوجعني.
قالت بنبرة مستنكرة
إنتِ مكبّرة الموضوع أوي يا بنتي! دي مجرد نكتة، مش مستاهلة كل ده.
سكتّ شوية.
كنت مستنية منها كلمة واحدة بس، كلمة تقول لي فيها إنها فاهمة أنا حاسة بإيه.
لكنها ما قالتش حاجة.
وبعدها بساعات، أبويا اتصل بيا بنفسه.
بدأ كلامه بعصبية، وقال إن الحكاية دي بقت جزء من تاريخ العيلة، وإن كل الناس عارفاها وبتضحك عليها.
قلت له
طب غيّروا تاريخ العيلة ده، لأن أنا خلاص مش عايزة أسمع الكلام ده تاني.
سكت كام ثانية.
وبعدين غيّر الموضوع، كأننا ما اتكلمناش أصلًا.
وقبل الحفلة بكام يوم، اجتمعنا كلنا عشان نراجع الترتيبات الأخيرة.
لقيت برنامج الحفلة مطبوع على الترابيزة.
كان فيه كلمات هيلقيها كريم، ومريم، واتنين من أصحاب أبويا وأمي.
أما اسمي، فكان مكتوب جنبه كلمتين بس
الفقرة الفنية.
أبويا شاور على الورقة وضحك بصوت عالي.
وقال
بس خلي بالك يا ريبيكا، ما تروحيش تحطي نفسك في نص اللوحة! دي حفلتنا إحنا، مش حفلتك إنتِ.
أمي ضحكت.
وكريم ضحك معاها.
ومريم ابتسمت وهي بتبص في موبايلها.
المرة دي، ما حاولتش أضحك.
طويت الورقة بالراحة، وحطيتها على الترابيزة.
وبصيت لأبويا وقلت
ما تقلقش يا بابا. كل حاجة هتطلع بالظبط زي ما المفروض تطلع.
ما فهمش قصدي.
ولا حد فيهم اهتم يسألني.
في الليلة دي، رجعت الأتيليه بتاعي.
وقفت قدام اللوحة العائلية اللي كنت بقالي أسابيع برسم فيها.
كانت لوحة جميلة، مليانة ألوان دافية، فيها أبويا وأمي وكريم ومريم، وكلهم بيضحكوا حوالين ترابيزة كبيرة، كأنهم أسعد عيلة في الدنيا.
كنت ناوية أهديها لهم.
لكن فضلت باصة لها لدقايق طويلة، وبعدها نزلتها من على الحامل.
حطّيتها على جنب، وطلّعت ورق جديد.
وبدأت أرسم من الأول.
المرة دي، رسمت ترابيزة منوّرة بنور دافي، قاعدين حواليها أربعة أشخاص، ملامحهم مليانة ابتسامات، وبيبان عليهم إنهم أسرة متماسكة وسعيدة.
لكن وراهم، كان فيه شباك كبير وضلمته تقيلة.
وعلى زجاج الشباك، رسمت انعكاس صورة ست واقفة برّه، بتبص عليهم من بعيد.
ست مش قادرة تدخل.
ومحدش جوّه حاسس بوجودها أصلًا.
كانت الست دي أنا.
ولما خلصت آخر لمسة في اللوحة، رجعت خطوتين لورا، وبصيت لها طويلًا.
ولأول مرة في حياتي، ما حسّيتش إني برسم عشان أكسب حبهم.
كنت برسم الحقيقة اللي عمري ما عرفت أقولها لهم بصوت عالي.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن اللوحة دي مش هتكون مجرد هدية في حفلة عيد جوازهم دي هتكون بداية الليلة اللي هتتغيّر فيها حياتنا كلنا، واللي

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *