بعد ٢١ سنه

حد من العيلة.
لما شافتني، وقفت بعيد شوية، كأنها مش عارفة إذا كان من حقها تقرب.
أنا اللي مشيت ناحيتها.
قالت بصوت واطي
المكان جميل يا ريبيكا.
شكرتها.
وبعدين بصت للوحة الأساسية.
فضلت واقفة قدامها وقت طويل.
وفي الآخر، قالت
أنا كنت فاكرة إنك بترسمي عشان تثبتي لنا إنك موهوبة. ما فهمتش إنك كنتِ بتحاولي تقولي لنا إنك موجوعة.
ما جاوبتش.
كملت كلامها
أنا مش هطلب منك تسامحيني النهارده. بس عايزاكي تعرفي إني بدأت أروح لمتخصصة نفسية، عشان أفهم ليه كنت بسمح لنفسي أشارك في حاجة بتوجع بنتي، وأقنع نفسي إن ده هزار.
بصيت لها.
كانت أول مرة أسمع منها إنها بتحاول تغيّر حاجة في نفسها، بدل ما تطلب مني أنا أتغير.
سألتها
وبابا؟
نزلت عينيها.
هو لسه شايف إن الناس بالغت في رد فعلها. بس لأول مرة، رفضت أوافقه.
سكتت شوية، وبعدها قالت
أنا مش هقدر أرجّع لك سنين عمرك. لكن لو سمحتي لي، نفسي أبدأ أتعرف على البنت اللي كبرت بعيد عني، بدل ما أفضل أتعامل معاكي كأنك طفلة لازم تستحمل أي حاجة عشان خاطرنا.
ما كانش اعتذارًا مثاليًا.
وما كانش كافيًا يمسح كل حاجة.
لكنني وافقت إنها تبقى في حياتي، بشروط واضحة.
مفيش إهانات على سبيل الهزار.
مفيش مقارنة بيني وبين إخواتي.
ومفيش ضغط عليّا عشان أسامح بسرعة أو أرجع أتصرف كأن كل شيء طبيعي.
أمي وافقت.
وبعدها، مشت تتفرج على بقية اللوحات.
أما أبويا، فما جاش المعرض.
وبعدها بشهور، عرفت إنه لسه بيحاول يقنع بعض القرايب إن اللي حصل في حفلة عيد جوازه كان سوء تفاهم، وإنني كنت حساسة زيادة عن اللزوم.
ما حاولتش أصحح كلامه عند كل شخص.
الناس اللي كانت مستعدة تسمع الحقيقة، سمعتها.
والناس اللي كانت عايزة تصدق روايته، كان من حقها تختار.
لأني ما بقيتش محتاجة أكسب كل معركة عشان أعرف أنا مين.
بعد سنة كاملة رجعت لنفس القاعة، لكن المرة دي ما كنتش لوحدي
بعد مرور سنة، اتعمل معرض جديد ليا.
المرة دي، كنت بعرض سلسلة كاملة من اللوحات، وكان عندي عقد شغل مستقر، وأتيليه أكبر، وعملا من أماكن مختلفة.
كريم بعت لي رسالة قبل الافتتاح بأسبوع.
كتب فيها إنه عايز يقابلني.
اتقابلنا في كافيه، وقعد قدامي وقت طويل قبل ما يتكلم.
قال
أنا فضلت أفكر في اللي حصل في الحفلة. كنت فاكر إنك دايمًا بتضحكي على الإفيه عشان عاجبك، وما فكرتش إنك ممكن تكوني بتضحكي عشان ما تبكيش.
بصيت له، وسألته
وإيه اللي خلاك تفكر دلوقتي؟
قال
لما مريم سألتني إذا كنت هقبل إن حد يعامل بنتي في المستقبل بالطريقة دي. ما عرفتش أرد.
كان عنده بنت صغيرة وقتها.
ولأول مرة، حسّيت إنه بدأ يشوف الموضوع من زاوية مختلفة.
اعتذر.
ما طلبش مني أنسى.
وما حاولش يبرر تصرفاته.
قلت له إنني مستعدة أبدأ صفحة جديدة معاه، لكن ده مش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.
وافق.
ومريم كمان بدأت علاقتنا تتحسن بالتدريج.
أما أمي، فبقت تزورني في الأتيليه كل فترة، وبدأت تسأل عن شغلي بجد، مش لمجرد إنها عايزة تعرف الناس هتقول إيه.
لكن أبويا فضل بعيد.
بعت لي مرة رسالة قصيرة قال فيها إنه مستعد يقابلني، وإنه عايز يقفل الموضوع.
رفضت أقابله بالشروط دي.
قلت له إنني مستعدة أقابله لما يكون هدفه إنه يفهم اللي حصل ويعترف بمسؤوليته، مش إنه يطلب مني أدفن الموضوع عشان نرجع زي زمان.
ما ردش.
وعدّى وقت طويل من غير ما نتكلم.
كنت حزينة، طبعًا.
ما فيش حد بيبقى سعيد لمجرد إن علاقته بأبوه بقت بعيدة.
لكنني بطلت أعتبر حزني دليلًا على إن قراري غلط.
لأن في فرق كبير بين إنك تفتقد شخصًا، وإنك تسمح له يرجع يوجعك بنفس الطريقة.
وبعد 3 سنين وصلتني رسالة من أبويا
كنت في الأتيليه، بجهّز آخر لوحة لمعرض جديد، لما لقيت رسالة وصلت على الموبايل.
كانت من أبويا.
فتحتها، ولقيت فيها صورة لورقة مكتوبة بخط إيده.
كان كاتب
ريبيكا،
أنا فضلت سنين أقول إنك حساسة، وإنك مش بتستحملي الهزار، لأن الاعتراف إني جرحتك كان أصعب عليّا من إني أواجه نفسي.
أنا كنت عارف إن حكاية المستشفى مش حقيقية، ومع ذلك فضلت أكررها. وكل مرة كنتِ بتطلبي مني أبطل، كنت بعتبر طلبك تحديًا لسلطتي، بدل ما أشوفه استغاثة من بنتي.
أنا ما كنتش الأب اللي إنتِ كنتِ محتاجاه.
ومش هطلب منك تنسي، ولا هطلب منك ترجعي العلاقة زي ما كانت.
أنا بس عايزك تعرفي إني أخيرًا فهمت إنك ما كنتيش محتاجة تثبتي إنك بنتي.
أنا اللي كنت محتاج أثبت إني أستحق أكون أبوكي.
لو قررتي في يوم تديني فرصة، هكون موجود. ولو ما قررتيش، هحترم ده.
فضلت باصة للرسالة وقت طويل.
ما عيطتش.
وما حسّيتش بالانتصار.
حسّيت بحزن هادي على كل السنين اللي ضاعت، وعلى البنت الصغيرة اللي كانت بترسم حصان بالطباشير الأزرق، ومستنية أبوها يقول لها إن رسمتها حلوة.
بعد أسبوع، وافقت أقابله في مكان عام.
وصل قبلي، وكان باين عليه إنه كبر كتير في السنين اللي فاتت.
لما شافني، قام من مكانه.
ما حاولش يحضني، ولا يتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
قال
شكرًا إنك جيتي.
قعدنا، وفضل ساكت شوية.
وبعدين قال
أنا آسف يا ريبيكا.
المرة دي، ما تبعهاش بكلمة بس.
ما قالش إني كنت حساسة.
ما قالش إن الناس فهمت غلط.
ما طلبش مني أراعي مشاعره.
فقط اعتذر.
قلت له
أنا سامعاك يا بابا. لكن لازم تفهم إن الاعتذار مش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.
هز راسه.
فاهم.
سألني عن شغلي، وعن المعرض الجديد، وعن الأتيليه.
ولما حكيت له عن لوحة بشتغل عليها، سمعني للآخر.
ما قاطعنيش.
ما سخرش مني.
وما حاولش يحوّل كلامي لإفيه.
كانت مقابلة بسيطة، لكن بالنسبة لي كانت أول مرة أحس إن فيه احتمال لعلاقة مختلفة بيننا.
ما رجعناش أب وابنته زي زمان في يوم وليلة.
بدأنا بمكالمات قصيرة، وبعدها مقابلات من وقت للتاني.
وكان كل مرة يغلط فيها، بقى مطلوب منه يعترف ويصلّح، مش يتوقع مني إني أضحك وأنسى.
بعض الجروح ما بتختفيش تمامًا.
لكن ممكن تبطل تتحكم في حياتك.
النهاية البنت اللي كانوا بيقولوا إنها مش منهم
بعد خمس سنين من ليلة الحفلة، افتتحت أول معرض كبير باسمي في قاعة فنية مستقلة في القاهرة.
كان عنوان المعرض
البنت اللي واقفة برّه.
المعرض كان بيحكي عن الانتماء، وعن العائلات اللي بتحب أولادها بطرق بتجرحهم، وعن الناس اللي بتقضي عمرها تحاول تثبت إنها تستحق مكانًا في قلوب غيرها.
في يوم الافتتاح، أمي كانت موجودة.
كريم ومريم حضروا، ومعاهم عيلتهم.
وعمتي سعاد كانت واقفة في الصف الأول، لابسة حلق الفيروز نفسه اللي لبسته يوم أول معرض ليا.
أما أبويا، فكان واقف بعيد شوية، بيتفرج على اللوحات من غير ما يتدخل.
لما وصلنا للوحة الأساسية، وقف قدامها طويلًا.
وبعدين التفت لي وقال
فاكرة لما رسمتي اللوحة دي أول مرة؟
قلت
فاكرة.
سألني
لسه شايفة نفسك البنت اللي واقفة برّه؟
بصيت للوحة.
كان فيها نفس الشباك، ونفس الترابيزة، ونفس الأشخاص الأربعة.
لكنني أضفت تفصيلة صغيرة ما كانتش موجودة في النسخة الأولى.
البنت اللي كانت واقفة برّه، بقى في إيدها مفتاح.
والباب اللي كان مقفول وراها، بقى مفتوح.
قلت له
لأ يا بابا. دلوقتي أنا شايفة نفسي البنت اللي عرفت إنها تقدر تمشي من المكان اللي بيوجعها، وتبني لنفسها مكان تاني.
بص للوحة، وفضل ساكت.
وبعدين قال
أنا فخور بيكي.
الجملة اللي استنيتها من وأنا طفلة.
الجملة اللي كنت فاكرة إن حياتي كلها هتفضل ناقصة من غير ما أسمعها.
ابتسمت وقلت
شكرًا.
لكن المفاجأة اللي اكتشفتها في اللحظة دي، إن الجملة ما عادتش تملك نفس القوة اللي كانت عندها زمان.
لأنني كنت فخورة بنفسي بالفعل.
كنت فخورة بالبنت اللي كملت تعليمها رغم الرفض.
وبالست اللي بنت شغلها من الصفر.
وبالإنسانة اللي قدرت تحب عيلتها، من غير ما تسمح لهم يحددوا قيمتها.
وبعد ما خلص الافتتاح، رجعت للأتيليه بتاعي.
علّقت نسخة صغيرة من اللوحة القديمة على الحيطة، جنب أول رسمة حصان رسمتها وأنا عندي 7 سنين.
الرسمة كانت متواضعة، والخطوط مش مستقيمة، والألوان خارجة برّه الحدود.
لكنني ما خبّيتهاش في صندوق، وما خبيتهاش تحت بطانية قديمة.
حطيتها في برواز بسيط، وكتبت تحتها
إلى البنت اللي كانت بتضحك عشان محدش يعرف إنها بتعيط.
وقفت قدامها، وابتسمت.
لأول مرة، ما كنتش مستنية حد يدخل الأتيليه ويقول لي إنني موهوبة.
ولا مستنية حد يعترف إني أنتمي للعيلة.
ولا مستنية اعتذار عشان أبدأ أعيش.
أنا كنت عايشة بالفعل.
أهلي ما كانواش محتاجين يثبتوا إن المستشفى سلّمتهم البنت الغلط لأن الحقيقة إن الغلطة الحقيقية كانت إنهم صدّقوا إن بنتهم لازم تتحمل الإهانة عشان تفضل بنتهم.
وأنا؟
أنا بطّلت أحاول أثبت لهم إني أنتمي ليهم.
لأنني أخيرًا فهمت إن الانتماء الحقيقي مش بيتقاس بالدم، ولا بالاسم، ولا بعدد السنين اللي قضيتها في بيت واحد.
الانتماء الحقيقي هو إنك تقدر تكون نفسك، من غير ما تضطر تصغّرها عشان غيرك يحس إنه أكبر.
وده كان آخر فصل في حكايتي مع البنت اللي كانوا بيقولوا إنهم أخدوها بالغلط من المستشفى.
لكن أول فصل في
حياتي أنا.
النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *