بعد ٢١ سنه

لمحة نيوز

فيها سرّ قديم هيتكشف قدام أكتر من 100 شخص.
اللي حصل في حفلة عيد جواز أهلي خلّى أكتر من 100 شخص يسكتوا في لحظة لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في اللوحة، كانت في السر اللي أمي وأبويا دفنوه لمدة 28 سنة!
يوم الحفلة، صحيت من النوم بدري، مع إني تقريبًا ما نمتش طول الليل.
اللوحة كانت متغطية بقماشة بيضا، ومحطوطة جنب باب الأتيليه، جاهزة تتنقل لمكان الحفلة.
بصّيت لها للمرة الأخيرة قبل ما أقفل الباب.
ما كنتش عارفة إن الليلة دي هتكون آخر مرة أحاول فيها أكون البنت اللي أهلي عايزينها.
كنت رايحة الحفلة عشان أواجه الحقيقة، حتى لو الحقيقة دي هتخلّيني أخسرهم للأبد.
الليلة اللي بدأت بابتسامات كدابة
الحفلة كانت في قاعة فندق كبير في القاهرة، متزيّنة بالورد الأبيض والدهبي، والترابيزات مترتبة بعناية، وفي النص شاشة ضخمة هيعرضوا عليها فيديو ذكريات أبويا وأمي.
أكتر من 100 شخص كانوا موجودين.
رجال أعمال بيتعاملوا مع أبويا، وقرايبنا، وجيراننا، وأصحاب أمي.
كل حاجة كانت مثالية لدرجة تخليك تفتكر إنك داخل على أسعد عيلة في الدنيا.
وصلت وأنا لابسة فستان أزرق بسيط، وشايلة اللوحة المغطّاة.
أول ما دخلت، لقيت أمي بتستقبل الضيوف بفستان دهبي، وأبويا واقف جنبها ببدلته الكحلي.
ابتسمت لي أمي ابتسامة سريعة وقالت
أهو أخيرًا جيتي! حطي اللوحة ورا المسرح، وخلي بالك ما تعطلّيش حركة الناس.
ما سألتنيش تعبت قد إيه وأنا بجهّزها.
ما قالتليش حتى إنها متحمسة تشوفها.
حطيت اللوحة في المكان اللي طلبته مني، وبدأت أساعد في تجهيز آخر التفاصيل.
بعد شوية، شفت كريم واقف مع اتنين من أصحاب أبويا، وبيضحك وهو بيقول
أختي دي فنانة العيلة الرسمية! لو كنا فعلًا جبناها بالغلط من المستشفى، يبقى المستشفى دي كانت كسبانة لما خلّصت من وجع الدماغ بتاعها.
الرجالة ضحكوا.
واحد منهم بص لي، واتلخبط، وقال
يا جماعة، كفاية هزار.
كريم رد عليه
يا عم دي متعودة! دي أول واحدة بتضحك على نفسها.
كنت واقفة على بُعد خطوات منهم.
سمعت كل كلمة.
لكن المرة دي ما مشيتش، وما حاولتش أهرب، وما عملتش نفسي ما سمعتش.
بصيت له وقلت
كريم، عمرك سألت نفسك ليه أنا بطّلت أضحك على الهزار ده؟
ابتسامته اختفت لثانية، لكنه رجع يضحك وقال
يا ستي، إحنا في حفلة، مش في جلسة علاج نفسي!
ومشي.
ساعتها فهمت إنهم مش بس مش شايفين وجعي، دول كمان مستفيدين من إني فضلت ساكتة طول السنين اللي فاتت.
لأن سكوتي كان بيريّحهم.
الفيديو اللي كشف أول شرخ في الصورة المثالية
الساعة قربت من تسعة، والضيوف أخدوا أماكنهم.
أبويا مسك الميكروفون وبدأ يتكلم عن جوازه من أمي، وعن الصعوبات اللي عدوها، وعن العيلة اللي بنوها سوا.
قال إنه اشتغل ليل ونهار عشان يوفّر لنا حياة كريمة.
وإن أولاده هما أكبر إنجاز في حياته.
كنت واقفة في آخر القاعة، وبسمعه.
ولأول مرة، سألت نفسي هو بيتكلم عن أنهي أولاد بالظبط؟
بدأ عرض الفيديو.
صور فرحهم، ورحلاتهم، وأعياد ميلاد كريم ومريم، وصور العيلة في مناسبات مختلفة.
كل صورة كانت بتظهر على الشاشة، كانت بتجيب معاها ضحكات وتصفيق من الضيوف.
وفجأة، ظهرت الصورة اللي كنت صورتها في مكتب أبويا.
الصورة العائلية اللي فيها أبويا وأمي وكريم ومريم، وحتى الكلب برونو.
من غيري.
واحد من الضيوف قال بصوت مسموع
هو مش عندكم بنت تانية؟ ريبيكا؟
أمي اتوترت.
أما أبويا، فضحك وقال في الميكروفون
آه طبعًا! بس ريبيكا بتحب تعيش في عالمها الخاص. أصل إحنا لحد دلوقتي مش متأكدين إن المستشفى سلّمتنا البنت الصح!
القاعة انفجرت بالضحك.
ضحكوا، وصفقوا، وكأنهم سمعوا أحلى نكتة في الدنيا.
أبويا رفع كوباية العصير وقال
بس مهما حصل، إحنا ربّيناها 28 سنة. يعني خلاص، بقت مننا بالأمر الواقع!
ضحك أعلى من الأول.
أما أنا، ففضلت واقفة مكاني.
كنت حاسة إن كل السنين اللي حاولت فيها أكسب رضاهم، وكل مرة ابتلعت فيها دموعي، وكل لوحة رسمتها وأنا بتمنى حد منهم يفتخر بيا، اتجمعت كلها في اللحظة دي.
وبعدين أبويا أشار لي من بعيد.
ريبيكا! تعالي ورّينا بقى إبداعك!
الناس بصوا ناحيتي.
مسكت طرف القماشة البيضا اللي كانت مغطية اللوحة، وطلعت على المنصة.
أبويا ابتسم وقال
يلا يا فنانة، ورّينا الهدية اللي تعبتي فيها. بس يا رب المرة دي ترسمي حاجة شبهنا!
ضحكات متفرقة طلعت من القاعة.
مسكت الميكروفون.
وقلت
قبل ما أكشف اللوحة، عندي سؤال صغير. هو فيه حد هنا شايف إن عادي إن أب وأم يفضلوا 21 سنة يقولوا لبنتهم إنها مش بنتهم، وكل مرة البنت تزعل يقولوا لها إحنا بنهزر؟
القاعة هديت.
أبويا بص لي بضيق، وهمس من غير ما يبعد ابتسامته عن وشه
ريبيكا، بلاش تبوّظي الحفلة.
بصيت له وقلت
أنا حاولت أقول لك الكلام ده بيني وبينك. وحاولت أقول لماما. لكن كل مرة كنتوا بتختاروا إنكم تضحكوا بدل ما تسمعوني.
أمي بدأت تحرّك إيديها بتوتر، وكريم وقف من مكانه.
لكن أنا كمّلت.
النهارده، هوريكم صورة العيلة اللي أنا شايفاها من مكاني.
ومسكت القماشة.
وشدّيتها.
اللوحة اللي محدش قدر يضحك عليها
ظهرت اللوحة قدام الجميع.
أربعة أشخاص قاعدين حوالين ترابيزة منوّرة بنور دافي.
أبويا وأمي وكريم ومريم.
كلهم مبتسمين.
ووراهم شباك كبير، وفي انعكاسه صورة بنت واقفة برّه، بتبص عليهم من بعيد.
البنت دي كانت أنا.
ما كانش فيه أي حاجة مخيفة في اللوحة، ولا ألوان صادمة، ولا ملامح مبالغ فيها.
لكن كان فيها وجع واضح لدرجة إن كل شخص في القاعة فهم معناها من غير ما أشرح.
الصمت كان تقيل.
حتى الموسيقى وقفت.
أبويا قرب من اللوحة، ووشه احمر.
قال بعصبية
إيه القرف ده؟ إنتِ جاية تفضحينا قدام الناس؟
بصيت له بهدوء.
لأ يا بابا. أنا رسمت اللي عشتوه معايا، واللي إنتوا رفضتوا تشوفوه.
أمي حطت إيدها على صدرها وقالت
إنتِ بتعاقبينا عشان هزار؟
رديت
أنا مش بعاقب حد. أنا بس بطّلت أزوّر الحقيقة عشان أريحكم.
واحد من أصحاب أبويا، راجل كبير اسمه الدكتور فؤاد، وقف من مكانه.
كان يعرف عيلتنا من سنين طويلة.
بص لأبويا وقال
يا محمود، أنا آسف، بس البنت عندها حق. أنا كنت فاكر إنكم بتهزروا كل فترة. ما كنتش متخيّل إن ده بيحصل معاها طول عمرها.
أبويا اتنرفز
دي بنتي، وأنا حر أربيها بالطريقة اللي تعجبني!
الدكتور فؤاد رد بهدوء
التربية حاجة، وإنك تجرح بنتك قدام الناس حاجة تانية خالص.
أبويا ما ردش.
لكن المفاجأة إن مريم، أختي، بدأت تعيط.
مش عياط خفيف، لأ.
كانت بتبص للوحة، وبعدها تبص لي، كأنها لأول مرة بتشوفني فعلًا.
قالت بصوت مهزوز
ريبيكا أنا ما كنتش أعرف إنك حاسة بكل ده.
بصيت لها.
إنتِ ما سألتينيش يا مريم.
نزلت عينيها للأرض.
وللحظة، حسيت إن الليلة ممكن تكون بداية تغيير حقيقي.
لكن اللي حصل بعدها كان أبعد بكتير من مجرد اعتذار.
لأن عمتي سعاد قامت من مكانها.
كانت قاعدة في آخر القاعة، ساكتة من أول الحفلة.
مسكت شنطتها، وطلعت منها ظرف بني قديم.
وبصت لأبويا مباشرة.
وقالت
طالما إحنا فتحنا الموضوع، يبقى لازم ريبيكا تعرف الحقيقة كلها.
أبويا اتجمّد مكانه.
لأول مرة في حياتي، شفت الخوف في عينيه.
مش الغضب.
مش الاستعلاء.
الخوف.
وقال بصوت منخفض
سعاد إنتِ مالكيش دعوة بالموضوع ده.
عمتي ردت
لأ يا محمود. المرة دي ليا دعوة. لأنك سكتّ 28 سنة، وأنا كمان سكتّ أكتر مما كان المفروض.
وبعدين بصت لي.
يا ريبيكا، فيه حاجة عن يوم ولادتك إنتِ ما تعرفيهاش.
الظرف القديم اللي قلب الحفلة كلها
حسّيت إن رجلي مش شايلاني.
بصيت لعمتي وسألتها
إيه اللي إنتِ بتتكلمي عنه؟
أبويا اتحرك ناحيتها بسرعة.
حطي الظرف ده في شنطتك، ونتكلم في البيت.
لكن عمتي رجعت خطوة لورا.
مش بعد النهارده.
فتحت الظرف، وطلعت منه صورة قديمة، وشهادة ميلاد، وورقة مستشفى مطوية كذا مرة.
حطتهم على الترابيزة اللي قدام المنصة.
وقالت
من 28 سنة، أختك مريم اتولدت قبل معادها بكام أسبوع، وكانت محتاجة رعاية خاصة. وإنتِ يا ريبيكا، اتولدتي بعدها بساعات في نفس المستشفى.
بصيت لها بعدم فهم.
يعني إيه؟
قالت
يعني إنتِ ومريم كنتوا في حضّانتين مختلفتين، في نفس الدور. وفي الليلة دي، حصلت مشكلة في ملفات الأطفال، والإدارة استدعت أهلكم عشان تتأكد من بيانات المواليد.
أمي بدأت تهز راسها بعنف.
كفاية يا سعاد!
لكن عمتي كمّلت
المستشفى راجعت الأوراق، وأكدت إن كل طفلة مع أهلها الصحيحين. مفيش أي دليل إن حصل تبديل أطفال.
بصيت لأبويا.
يعني حكاية إن المستشفى سلّمتكم البنت الغلط كانت كدبة؟
ما ردش.
عمتي هي اللي جاوبت
أيوه. كانت كدبة. بس الكدبة دي بدأت من حاجة تانية.
وبعدين فتحت الورقة القديمة.
كانت رسالة مكتوبة بخط إيد أمي، بتاريخ بعد ولادتي بأيام قليلة.
قلبها كان بيخبط بعنف، وأنا بقرأ أول سطر.
محمود، مش قادرة أكمل حياتي وأنا شايلة السر ده لوحدي
رفعت عيني لأمي.
كانت بتعيط، وأبويا واقف ساكت، وشه بقى شاحب.
قلت
ماما إيه السر؟
أمي غطت وشها بإيديها.
أما عمتي، فخدت نفس طويل وقالت
الحقيقة إن محمود مش هو اللي بدأ حكاية المستشفى. أمك هي اللي طلبت منه في الأول يخبي عنك موضوع حصل وقت ولادتك. وبعدها، بدل ما يواجهوا الحقيقة، الاتنين حوّلوا الموضوع لنكتة، وكل سنة كانوا بيزوّدوا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *