ما تبطلي رغي بقى ج٣ منى السيد
الجزء الثالث والاخير 👇🏼
مرّ أسبوع كامل وأنا في بيت أهلي. في أول يومين، التليفون ما بطلش رن من أحمد، مكالمات ورا رسائل عتاب من عينة: “أنا مكنتش أقصد”، “إنتي كبرتي الموضوع”، “أمي مشيت وبتقولي ارجع لمرأتك”. كنت بشوف الرسايل وبقفل التليفون. أنا ما كنتش زعلانه زعل عادي يروح بكلمتين طيبين، أنا كنت بقفل كتاب قعدت سنتين بكتب فيه بدم أعصابي، واكتشفت في الآخر إنه مكتوب بالحبر السري.. ملوش أثر.
يوم الخميس بالليل، جرس باب بيت أهلي رن. فتح بابا، ولقيت أحمد واقف بره. وشه كان دبلان، وعينيه فيها كمية لبط وكسرة عمري ما شفتها فيه قبل كده. دخل قعد مع بابا، وبابا بحكمته المعهودة سابنا وانسحب ودخل أوضته وهو بيقوله: “يا ابني البيوت أسرار، والراجل والست هما اللي بيقرروا يعيشوا إزاي.. اتكلموا.”
قعدت قدامه على الكنبة، مسافة مترين بس كانت أبعد من بلاد وبلاد.
أحمد بدأ الكلام وصوته بيترعش: “نادين.. أنا بقالي أسبوع عايش في جحيم. البيت ضلمة من غيرك، وأنا عرفت قيمتك بجد.”
بصيت له ببرود وقلت: “قيمتي كإيه يا أحمد؟ كضيفة في شقة إيجار جديد؟ ولا ككرسي بتزقه من طريقك عشان الست الوالدة تعدي؟”
أهدى أحمد وبلع ريقه وقال: “أنا غلطان.. زقتي ليكي دي كانت غباء مني، كنت مضغوط بين طبع أمي الحامي وبين إني عاوز أرضي كل الأطراف. أمي لما لقتك مشيتي وشالت الدبلة، خافت.. ولأول مرة أشوفها قلقانة وبتقولي روح صالح مراتك. هي طيبة يا نادين والله، بس…”
“بس إيه يا أحمد؟” قاطعته بقوة وحسم، وعيني في عينه. “أنا مش هعيش عمري كله في خانة الـ ‘معلش’ والـ ‘أصلها طيبة’. أمك مش هتبطل، وإنتي مش هتبطل تبرر لها. المشكلة مش في أمك يا أحمد.. المشكلة فيك إنت. إنت اللي مخلتليش ظهر اتسند عليه. إنت اللي سمحت لها تدوس على كرامتي وتدخل في خصوصياتنا لحد ما خنقتنا.”
أحمد سكت، حط راسه بين إيديه، ودموعه نزلت: “طب والعمل؟ أنا بحبك، ومش هقدر أعيش من غيرك، وفي نفس الوقت دي أمي.. مش هقدر أرميها.”
هنا، أخدت نفس طويل، وحسيت إن دي لحظة الحقيقة؛ يا إما نحط أساس جديد ونبني حصن حقيقي، يا إما كل واحد يروح لحاله.
وقفت وقلتله بشروط مفيهاش فصال: “أنا مش عايزاك ترمي أمك يا أحمد، ولا عمري هقبل ده. بس من النهارده، حياتنا ليها خطوط حمراء.
* **أولاً:** شقة فيصل دي هتتقفل، وهندور على شقة تانية في مكان بعيد، وفلوس التأمين بتاعة مامتك هترجع لها لحد آخر مليم.. مش هعيش في بيت حد يذلني بقرش فيه.
* **ثانياً:** أمك ليها كل البر والزيارات بحدود والأصول، تدخل بيتنا معززة مكرمة كضيفة فوق راسنا، لكن ملكهاش دعوة بـ أنا لابسة إيه، باكل إيه، بنخس ولا بنطخن، ولا ليها كلمة في إدارة بيتنا.
* **ثالثاً والأهم:** لو إيدك اتمدت عشان تلمسني أو تزقني تاني، أو لو حسيت للحظة إنك بتيجي عليا عشان ترضي حد.. هتكون دي آخر ثانية في عمرنا سوا، ودبلتك دي مش هترجع مكانها أبدًا.”
أحمد رفع راسه، بصلي وكأنه بيشوف نادين ثانية غير اللي سابت البيت وهي مكسورة. شاف ست واثقة من نفسها، حاطة كرامتها فوق كل شيء.
قام وقف، قرب مني، وطلع الدبلة من جيبه. مسك إيدي براحة، وكأنه خايف يكسرها، وقال ونبرة صوته فيها عهد حقيقي: “أنا موافق يا نادين. موافق على كل كلمة. الأسبوع ده علمني إن خسارتك هي الخسارة الوحيدة اللي مش هعرف أعوضها. وأوعدك.. من النهارده، أنا الحصن اللي هيحميكي، مش اللي هيهدك.”
لبسني الدبلة، وحسيت برعشة إيده الصادقة.
بعد شهرين..
كنت واقفة في مطبخ شقتنا الجديدة في “مصر الجديدة”. الشقة كانت أصغر شوية، بس كانت بتاكلها الشمس، وريحتها هدوء. أحمد رجع من الشغل، دخل المطبخ وحضنني من ضهري وباس كتفي وهو بيقول: “ريحة الأكل تجنن يا ست الكل.”
جرس الباب رن. الرنة كانت هادية، رنة واحدة محترمة.
أحمد بصلي وابتسم، وباس إيدي وقال: “دي ماما.. أنا اتفقت معاها تيجي تتغدا معانا النهارده.”
خرجنا سوا فتحنا الباب. الحاجة أم أحمد كانت واقفة، شايلة علبة حلويات صغيرة، ولأول مرة تبصلي بنظرة فيها احترام وتقدير للمسافة اللي اتخفقت بيننا. دخلت، سلمت عليا بحضن دافي وقالت: “مبروك الشقة الجديدة يا بنتي، ربنا يجعلها قدم السعد عليكم.”
بصيت لأحمد، وبصلي، وابتسمنا..
عرفت ساعتها إن الحصون مابتتبنيش بالحب والأوهام بس.. الحصون الحقيقية بتتبني بالاحترام، بالحدود، وبالراجل اللي بيعرف إمتى يكون ابن بار.. وإمتى يكون زوج وحماية. وبيتنا النهارده، بقى حصن ملوش باب لأي حد يحاول يهده.
تمت